الثقافة 'الشَعْبَوِيحَة'

بقلم: د. علي بن تميم
بالشعبي والفصيح

كان الإعلان عن بدء مهرجان "أمير الشعراء" في مهرجان "شاعر المليون" الذي يحظى بنسبة مشاهدة ضخمة مؤثرا، ومما لاشك فيه فإن هذا الإعلان سيسهم في خلق جو حميمي بين شعراء الفصحى والشعراء النبطيين، خاصة بعد ما شهدت الثقافة العربية كثيرا من المقولات المضللة القائمة على فصل تجربة الكتابة الشعبية عن الكتابة الفصيحة، وسيدفع هذا الأمر إلى خلق أفق يقوم على التعامل مع أشكال الإبداع بانفتاح وحريّة، وبدون تحيّز ومواقف مسبّقة.
وأظن بأن مجمل الشعراء الفصحى في "أمير الشعراء" سيستفيد من تجربة شعراء "شاعر المليون"، وسيستفيد الشعراء النبطيون من تجربة شعراء الفصحى في "أمير الشعراء"، خاصة بعد حدوث تداخل خلاق بين البرنامجين، وهذا مؤشر رائع، ويدل على أن الأفق الإبداعي باستمرار ينزع ليقاوم فكرة الثقافة الأحادية، فلا توجد ثقافة فصحى بالمعنى الكامل، كما لا توجد ثقافة شعبية بالمعنى الكامل.
ولاحظنا جميعا أن أبيات الشاعر ناصر الفراعنة كانت تقرأ بالفصيح وبالشعبي، دون أن يختل الوزن.
وأعتقد بأن الثقافة الخليجية بشكل خاص والعربية بشكل عام بدأت تتخلص من ثنائية الشعبي والفصيح، وعني شخصيا فإنني متيقن بأن المستقبل القريب سيجعلنا نشهد انفتاحا على التقنيات الفصيحة عند الشعراء الشعبيين، كما سنشهد انفتاحا أيضا على تقنيات الشعر الشعبي عند شعراء الفصحى، وننتظر اليوم الذي تردم فيه الهوة نهائيا بين الشعر الشعبي والشعر الفصيح.
وهكذا فالمستقبل سيفرز شعراء يكتبون بالفصحى والشعبي في آن واحد، وسنتعرف على جماهير يحرصون على متابعة الشعر الفصيح والشعبي، وسيظهر المستقبل لنا نقادا يهتمون بالشعر الشعبي ويدرسونه إضافة إلى دراستهم وتحليلاتهم في الشعر الفصيح.
وهذا ليس حلما، وإنما واقع أحسّه وأشعر به، وقد كانت للمنتديات العربية في الإنترنت مساهمة قوية في هذا المجال، فكثير من القراء يتركون انطباعاتهم عن الشعر الفصيح والشعبي في الوقت نفسه، وكنّا نشهد إعلاما متخصصا بالشعر الشعبي ومنفصلا عن الشعر الفصيح في العقد الفائت، والعكس ينطبق على الإعلام الذي يهتم بالشعر الفصيح دون الشعر الشعبي، لكن الإعلام العربي اليوم قد تغيّر، فـ "وكالة أنباء الشعر"، مثلا، تهتم بأخبار الشعراء الشعبيين والفصحى على السواء، مما غيّر فكرة الإعلام المتحيّز لشكل إبداعي دون آخر.
وأعتقد أن ميزة "وكالة أنباء الشعر" ونجاحها متصل بهذا الأمر، فلماذا يحرص الشاعر النبطي على نشر أخباره في "وكالة أنباء الشعر" تماما مثلما يحرص الشاعر الفصيح على نشر أخباره فيها؟ وأظن أن هذا الأمر يعود إلى أن "وكالة أنباء الشعر" قد نجحت في أن تهتم بالخبر الثقافي بصورة بينيّة، تقع في الوسط، ولا تتحيز إلى ثقافة بعينها، ومثل هذا الأمر لابد وأن يحفّز وسائل الإعلام على أن تخطو خطوة "وكالة أنباء الشعر" التي تعنى بالثقافة الشعرية وليس بأشكال الثقافة الشعرية. (الاتحاد ـ أبوظبي)