الثقافة الرقمية مفهوم وفهم

بقلم: حسين راشد
جوهر الثقافة الرقمية

لا شك أن مصطلح الثقافة الرقمية بات محل بحث وتدقيق لما أخذته تكنولوجيا المعلومات من تقدم مستمر ومساحة لا يستهان بها في عالمنا الأدبي والعملي بل والحياتي الآن. وخاصة لمستخدمي التكنولوجيا الحديثة من إلكترونيات والعالم الإلكتروني الذي لا ينفصل عن عالمنا المعاش. بل أصبح نواة لكل أعمالنا واستخداماتنا في شتى أنواع الحياة المعرفية والثقافية. بل ولا أزايد حين أقول في حياتنا العامة.
فالثقافة الرقمية تعتمد اعتماداً كلياً على المعرفة بالعمل الإليكتروني وأدواته العديدة التي توغلت داخلنا وداخل كل ما يتعلق بنا في الآن. وباتت من ركائز العمل اليومي المعاش. وكي نوجد مفهوما شاملا لهذه الثقافة يجب أن نتعرف على ماهية كلمة ثقافة أولاً كي لا يأخذنا المصطلح إلى عوالم أخرى نحن في غنى عن دخولها الآن.
فمعنى كلمة ثقافة كما جاءت بالمعجم تعني التعلم والتهذب. وتثقيف الشيء هو إقامة المعوج منه وسواه. وفي الإنسان أدبه وهذبه. وهي تشمل العلوم والفنون والمعارف التي اصطلح على العلم بها.
أي أن كلمة ثقافة تعني الوصول لآداب وأخلاقيات الأشياء ليس كما يشاع ويتعامل به. وعليه بعض مثقفينا أنه مصطلح يعني المعرفة بالشيء مهما كان. وأن الجهل الإلكتروني ليس له علاقة أبداً بالثقافة الإلكترونية لأن أغلب المواطنين في شتى بقاع الأرض أصبح يحمل تليفوناً محمولاً وهو من الإلكترونيات التي ينطبق عليها هذا المصطلح.
ويجب علينا أيضاً أن نفرق، ويجب أن نشير إلى، زمن اتفقوا فيه على اصطلاح (الثقافة الجنسية) وهي أبعد ما يكون من آداب المعاشرة. بل وهذه النوعية خاصة أدت أداءً عكسياً لمعنى الثقافة لأنهاعوجت المقام ولم تقيم المعوج.
ومن هنا نبدأ بحثنا في ماهية الثقافة الرقمية والعالم الإلكتروني الحديث الذي هو ثورة إنسانية علمية لا يستهان بها في العصر الحديث. وهي تعتمد اعتماداً كلياً على لغة الحساب الرقمي. فكل المعلومات تخزن (داتا) على شكل معادلات رياضية أرقام لا حروف ومن هنا أتى مصطلح الرقمي (الديجتال).
وعلينا نحن الرعيل الأول لمستخدمي هذه التقنية أن نضع معايير ونظما لتقويمها لتتعرف عليها الأجيال التي ستأتي بعدنا، على شكلها الواقعي المثالي الذي نريد جميعاً أن نصل به إلى مصطلح متفق عليه يرقى أن يسمى (ثقافة).
فما نحن عليه الآن يندرج تحت مسميات عدة أطلقوا عليها المجتمع الرقمي الجديد وتم توصيفه بأنه (مجتمع على درجة عالية من الارتقاء الاقتصادي ورفاهية أفراده)، وعدد من المسميات: مثل "مجتمع المعرفة" حيث باتت في هذا العصر المعرفة أهم مصادر التنمية، كما أصبح إنتاج المعرفة من أهم مصادر الدخل القومي لبعض المجتمعات لما شغلته من أهمية في العمل مثل البورصة التي تعتمد الآن على هذه التقنية الرقمية بشكل رئيسي وهو ذاته "مجتمع المعلومات" الذي يوفر كماً هائلاً من المعلومات على المساحات التي تتوسع دائرة شبكاتها يوماً بعد يوم، مع محاولات لتوظيفها لصالح المجتمع في مجالات كثيرة ومنها "مجتمع التعلم" حيث راجت فكرة التعلم الذاتي بواسطة شبكة الانترنت "والتعلم عن بعد" وقد صممت ونفذت بعض مشاريع الكليات والجامعات الخاصة بهذا الإتجاه "التعلم عن بعد" بواسطة شبكة الإنترنت.
قالوا عن الثقافة الرقمية وعن مفهومها أنها تعني القدرة بثقة على استخدام أجهزة الكمبيوتر والخدمات الإلكترونية لمواكبة حياة المجتمعات الحديثة والمشاركة فيها بثقة، وأنه يكمن جوهر الثقافة الرقمية في تمكين أفراد المجتمع من استخدام التطبيقات الرقمية الحقيقية لما لها من ثقة لإنجاز أعمالهم الوظيفية والشخصية أو واجباتهم ومهامهم تجاه المجتمع.
وقد يكون هذا التعريف تعريفاً مفتوحاً لم يذكر ما نوهنا عنه من مغزى كلمة ثقافة الحقيقية. ويتماشى مع مفهوم آخر وهو يعني الإلمام بالعمل الرقمي أو التعلم على أدوات العصر الحديث. فهناك فرق كبير بين العلم وهو مرتبة عليا وبين العلم بالشيء وهو درجة معرفية، وبين ثقافة وهو المصطلح الخاص بتأديب وتهذيب المفردات والطريق القويم لتوصيل العلم وتقديمه في شكل قالب يصلح للمجتمع خاصة وإن كان هذا المجتمع له خصوصياته وعاداته وتقاليده.
فنحن حين نتكلم عن الثقافة العربية حتما سيتجه فكرنا إلى (الأدب العربي) والبيئة العربية التي تشكلت منها ثقافة الفرد والمجتمع بسمات أخلاقية واجتماعية بعيدة عن العلم الذي يباح به المعرفة الشاملة والممحصة والمتفحصة للأشياء كما هو معروف لدينا (لا حياء في العلم) ولكن في الثقافة فإنها تعتمد على علم وآداب الحياء كي نصل بها إلى مرتبتها المعجمية المعروفة (التعلم والتهذب وإقامة الاعوجاج).
وهذا هو دورنا الأدبي الذي يجب أن نحمله على عاتقنا بترسيخ مفهوم الثقافة الرقمية العربية على أقل تقدير. حتى إذ ما صحت عممت على العالم الذي هو ليس بمعزل عنا ولا نحن بمعزل عن العامة.
هذه الثورة التكنولوجية العملاقة التي قربت المسافات بل محتها نهائياً فبضغطة زر تستطيع أن تتحدث مع أبعد شخص في العالم في التو والحال. ويمكنك أن تتفاعل معه ومع ثقافته الخاصة به وثقافته الإقليمية وثقافته العامة. ويمكننا من هذه النافذة إلقاء الضوء على ماهية الثقافة وتعميمها. لا أن ننتظر حتى يأتينا التعريف معلبا يخلو من ثقافتنا نحن التي تمتد آلاف السنين. وحتما ستأتي كما يريدون لا كما يجب أن تكون عليها من المساوئ التكنولوجية الحديثة. وفوضى الثقافة وعولمة الحسن والقبيح بلا إطار وبلا وعي وبلا مسئولية.
وإذا فتحنا الباب لنتعرف على أدوات الثقافة الرقمية سنجدها أصبحت في كل شيء نستخدمه من أول التليفون المحمول مروراً بالكمبيوتر والسيارة، وقد سبقهم التليفزيون والراديو والتليفون العادي واللاسلكي والكاسيت ولكن الآن بعد أن فُعِلّت شبكة الاتصالات الدولية (الإنترنت) أصبحت التكنولوجيا الرقمية في أوج مجدها وسيطرتها على الإنسان. وليس كما كان مرجوا منها أن يسيطر الإنسان عليها. حيث يمكن لأي شخص العمل وهو جالس على مقعده. ويتابع عمله من خلال شاشات متابعة في مصنعه أو مكتبه عن طريق الإنترنت (دخول الشبكة العنكبوتية).
وبعد هذه المقدمة الطويلة يجب أن نقول إن هناك فرقاً كبيراً بين التعلم والتثقف. نعم لدينا أمية في علوم الحاسوب. فالثقافة تأتي بعد العلم لا معه ولا قبله. فيجب علينا أن نعلم أن استخدام أدوات التكنولوجيا الرقمية هو تعليم وتدريب يمكن لأي شخص تعلمه. ولكن الثقافة وهي تهذيب الأدوات لها مدخل غير مدخل تعلم استخدام.
ولا شك أننا حين نبحث عمَّن كتبوا عن الثقافة الرقمية هم في الأغلب، وقد يكون الكل من المثقفين والأدباء على أرض الواقع لأنهم يحملون مقومات الثقافة تلقائياً. ولكن مستخدمي التكنولوجيا الرقمية وخاصة الشبكة العنكبوتية لا علاقة لهم بمفهوم الثقافة ولا العمل الثقافي. فهم كالعاملين بالشوارع الذين لا يهتمون بآدابه بقدر ما يهتمون بعملهم وكل حسب هواه وعلمه وثقافته.
وهنا تلوح لنا ماهية الثقافة من ماهية المستخدم. وإذا كنا نريد أن نصنع ثقافة إليكترونية فهذه المهمة الشاقة سيتحملها المثقفون أنفسهم بما لديهم من ثقافة وأدب بالفعل ليسطروا شكلاً ونموذجاً يتواءم ويتماهى مع ماهية الآلية التي نستخدمها في عالمنا الحديث. أما عامة مستخدمي التكنولوجيا فهم كمن يحمل أسفاراً لا يدري عنها شيئاً. حسين راشد
رئيس الاتحاد العربي للإعلام الإلكتروني