الثابت والمتحرك في ديوان 'غواية الساعات'

البحث عن ملاذات الخلاص

لا أدري كيف أتعامل مع لحظات المساء وانسحاب الضوء الذهبي بهدوء كصورة ترفع يد الوداع؟ كنت اسمي لحظاتي هذه حضورات لحبيبة أخذت مكوثها في ذهني، فاستدارة عينيها أو انزلاقها من السرير كحليب متخثر او ابتسامتها الراقصة بفرح تنمو عبر فصول الزمن. جعلتني اردد مع الشاعر عدنان الفضلي واسمي كل هذا "غواية الساعات" وانتظر في بداية الطريق.

فهل يترجل المسيح من صليبه، ليعانق شاعرا من العراق أهدى باكورة احتراقاته الشعرية "إلى كل من يعطر فمه بالصلاة على العراق وآل العراق"، و"يقترح النهارات والغيوم / ضمانا.. للضوء والظل"، إنه الشاعر المنفعل دوما عدنان الفضلي و"غواية الساعات" ديوانه البكر الذي قد يكون النص فيه "يشبه في معطاه معطى جيش خلاص ثقافي بمجموعات لا تحصى من الأفكار والمعتقدات والارجاعات التي لا تتآلف".

وأنا المتلقي لهذا الكم من الأفكار لا يسعني الا أن اجعل من بين متبنياتي قول جوليا كريستيفا والذي فحواه: "إن كل نص هو عبارة عن لوحة فسيفسائي من الاقتباسات وكل نص هو تشرب وتحويل لنصوص اخرى"، ومن ثم يتحلى النص في "علاقة متشابكة من عناصر الاتصال اللغوية يتحد فيها السياق مع الشفرة لتكوين الرسالة".

تلك رسالة الشاعر عدنان الفضلي المضمخة بالقلق والحيرة واللامنطق واللامعقول، كونه اختار منطقة الشعر، وهذه الأشياء كانت دعامته في البحث عن ملاذات الخلاص في كلمات كما يعبر عنها ياكبسون بأنها "انتهاك متعمد لسنن اللغة العادية". يقول الشاعر الفضلي :

أمي..

مسلة أهدروا دمها

تبلل نارها باسم رجل

علبني في مصانع النزق

فتلقفتني أسواق الرغبة

أمي..

مرثية الغيوم في صدر الاشرعة

أبدأ تغني..

"ليست كل النوافذ..

تطل على وطن اسمر)

وتشتم كل صبح..

تلك الأسماء التي تهش الأكف المنتصبة

أبي..

اله ضجر صمته

كلما شاخ دمه..

تفصدت قطرات جبهته

يزفر يومه

أصدقاء وثورات ميتة

ويربط مساء..

جذوع عشيقاته

الى صدر وطن أخضر.

هذه الثلاثية المنطقية: الأم، الأب، والابن أحد أسباب الوجود جعلت الشاعر ينزع نحو منطقة البحث القلق في مغايراته اللغوية التي أثبتت قدرته على المناورة والتخفي في رسم لوحة مزدحمة من معاني العمق في الحياة أي أن هناك خليطا من الأمور الاجتماعية والإنسانية والوطنية الهواجس الأكثر حساسية لدى الفضلي. ثم أنه بقي في خضم من التناص والاقتباس، حيث كان نصه متهما في انه ذئب هضم عدة خراف، لكن السؤال هل يبقى معافى كما هو العراق الذي هضم عدة حضارات ووقف شامخا وهضم عدة حروب والأم وأيضا بقي كما هو العراق، ليكون الحضارة الأصل التي تمتح منه كل حضارات الكون.. يقول :

الوطن..

غنائي المرقش بالبكاء

وساعات الانتظار..

على مقربة من سماء مثلومة.

ليقول :

لم امسح كآبتي..

لأنها محملة بصورة ام

تشبه نخلة في الجنوب

انثى..

تقايض الجمر ببعض خمر

وتغالي..

بدفع اشتهاءاتها الى السماء

حين يكون الفضاء ملبدا باللحى

.................

يا سيد القادمين القدامى..

هي ذي بغداد

تؤمن للعاشقين مساءات خضر

وتسقط الليل في مقلتي المصادفة

هي ذي.

فذي قار "تشاجر الحرف البكر / حتى تعيد انتصاب الدالين / وتفتح أبوابها المسترسلة بالاحتضان". إذن كانت المدينة هي الأنثى المضمّخة بشبه كبير لنخلة الجنوب السامقة، رغم شظايا الضيم.. فالهدف الأسمى من الأدب ومن الشاعر الفضلي ذاته، هو تثبيت القيم الجمالية وتأصيلها في النفوس الغاية من هذا هو الارتقاء الفكري والسمو بالإنسان.

من هذه المنطلقات ظل الفضلي يذكر أسماء مبدعة تركت بصمتها في الأدب، ويعتبر هذا الفعل تناصات مع هؤلاء المبدعين واستثمر قيم الجمال في قصيدته "اذ.. العراق" عبر متواليات منطقية، لتكون الضربة الشعرية في نهاية القصيدة والتي استخلصها، لتكون مشتركة بينه وبين صديقه كاظم مرشد السلوم، بين ان هذا الاشتراك لم يعد ثنائيا، علة ذلك انه يحمل كلمة "العراق".. ففي قوله :

اذا بيوت الله..

كبّرت للوطن المؤجل

وبسملت بالحاء تتبعها الباء

اذا الافئدة المعطوبة بالحنين..

عادت ملؤها قصائد السياب

اذا العين والراء والالف الشامخ

يلتصقن بقاف لا تتقلقل

ابا فيروز :

اذا ما حفظنا كل هذا..

أيصير في قبضتنا غير العراق؟

ليبقى الشاعر الفضلي غارقا في "غواية الساعات" وهو يمتلأ بالقبلات، ليكتسحه الحديث:

فيولد صمت الآخرين

ووقت تغزل قصيدة

تتصاعد.. كدخان سيجارتك

فيا أيها المفتول االمفردات

لا عليك..

أن أنكرك ساعي البريد

وأهمل صندوق حكاياك

المرسوم كأنت!

بعدها يسقط في "سبعة أحزان عجاف"، ثم انه يعيش إبعاد أسماء ثقافية وبإيقاع التوقيعات الشعرية، و"تحتل قضية البناء الشعري أهمية كبرى على صعيد تطوير القصيدة العربية الجديدة، اذ يمكن للشاعر بوساطة أنماط البناء المتعددة المتاحة والمتطورة باستمرار من تطوير أدواته وتوفير أحدث السبل للتعبير المبدع والجديد عن تجربته. وهو ما يتيح فرصة التخلص الشعري الذكي من النماذج البنائية التقليدية التي قد لا تتلاءم مع طبيعة تجربته فتسقطها في أسر النمطية التي تسعى عبر ممارسات شعرية صارت معروفة إلى ان تستمد جمالياتها من السائد والشائع والمألوف".

هكذا الشاعر الفضلي تعامل مع أسماء ثقافية مهمة، بل هي نصوص أدبية متحركة، قد تضمخت بالآلام وويلات الحروب ومجاعات تعطيل كل طموح تحت دكتاتورية متغطرسة جدا، وكل اسم من هذه الأسماء هو لا شك عنقاء عراقية.. من (عدنان منشد) و(هادي الناصر) و(كاظم مرشد السلوم) و(محمد درويش علي) و(صباح محسن) و(ماهر فيصل) و(احمد المظفر) و(علي شبيب ورد) و(ناجح ناجي) و(ياسر البراك) و(صلاح زنكنة) و(حسن عبدالرزاق) و(عباس لطيف) و(كاظم غيلان) و(محمد سوادي) و(كاظم الجماسي) و(محمد سلمان) و(ستار الناصر) و(احمد ثامر جهاد) و(محمود النمر) و(احمد علوان) و(ياسر طلال) وهذه كما قلت نصوص حية ومتحركة بالحياة، وحينما ندل على تجربة الفضلي الشعرية لا بد لنا ان نعول على قول ياكبسون في قضايا الشعرية، حيث يقول: "نلحظ ان غاية الوظيفة الشعرية".

تعطيل عملية تفكيك السنن أو على الأصح تبطيئها مجبرة بذلك مفكك السنن على توجيه انتباه أكبر نحو النص وبالتالي تتبع مسار التسنين بأناة وروية، كل هذا "يؤدي الى خلق نشاط سيكولوجي لدى المتلقي".

وتصبح هناك مسوغات لمشاركة الشاعر تجربته ومحاولة فتح نوافذ على معانيه التي اشتغل عليها، فهل نصل بعد هذا الجهد المتواضع إلى نجاح محاولة تفكيك رسالة الشاعر عدنان الفضلي المتوترة بين الموقف الثابت والموقف المتحرك، يبقى هذا مرهون بتعدد القراءات لديوانه وللقابل من أشعاره الجديدة.