التّنوير المحظور.. ضحايا فتاوى الاغتيال

المشهد بدا ويعود اليوم في العراق تكفيراً واغتيالاً يسبقهما خطاب التحريض

كانت مِن أوائل اغتيالات القرن العشرين الدِّينية، معاداةً للتنوير وقمعاً للرأي، اغتيال الإيراني التنويري أحمد كسروي(11مارس1946)؛ وكان كاتباً مثيراً للجدل، جمع بين نقد الفكر الديني والفكر الإمامي الشيعي، مع نزوع للمدَنية والعصرنة والإلحاق بأوروبا، وسبق أن كان مؤيداً لحركة المشروطية أو الدستورية، بإيران والعراق وتركيا أيضاً، وظل قريباً مِن الشَّاه رضا(ت 1944) في إصلاحاته التي أراد لإيران بها الانتقال إلى العصر الحديث، خلال ذلك نفذ نواب صفوي(اعدم1955) مؤسساً منظمة "فدائيان إسلام" اغتيال كسروي، ولم يستطع قتله، ثم أجهزت عليه منظمته "فدائيان إسلام".

كان صفوي يتعلم بحوزة النَّجف الدِّينية حينها، وعاد لتنفيذ المهمة، وقيل أصدر الفتوى وشجع على الاغتيال الشيخ عبد الحسين الأميني(ت1970)، صاحب موسوعة "الغدير"، الخاصة بولاية علي بن أبي طالب، وهو إيراني يعيش بالنَّجف. أما مَن كتب بأن الخميني(ت1989) هو الذي أفتى بقتل كسروي، مثل الكاتب الإيراني مير طاهري(1)، فهذا بعيد عن الواقع، فحينها لم يكن خميني آنذاك بصدد فتوى تنفذ مِن قِبل "فدائيان إسلام".

كان صفوي مقرباً جداً مِن الشّيخ الأميني، حتى أن الأخير عمل المستحيل لتهريبه مِن السجن، وتم التنسيق بينه وبين خلية إخوانية لهذه المهمة، اجتمعت لها قيادات من مختلف البلدان ببغداد، بعد الحكم عليه بالإعدام لمحاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني، في ما بعد(2).

الاختلاف حسب المذهب

على الرَّغم مِن اتفاق الإسلام السياسي، السني والشيعي، على ردة كسروي، إلا أن بعد تغير منحى الثَّورة الإسلامية الإيرانية إلى المذهب، وكتابة ذلك في الدستور(المادة 12) ونصها: "الدِّين الرَّسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنا عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير"، تغير الموقف لدى بعض الإسلاميين، ومنهم السّروريون السعوديون، وأفكارهم خليط مِن الفكر الإخواني والسَّلفي، أسسهم الإخواني السوري محمد سرور(ت2016)، ولسبب طائفي أو مذهبي أصبح كسروي مصلحاً في كتابه "الِّشيعة والتَّشيع"، ويقوم أحد أبرز الصحويين السروريين مثل سلمان العودة بتحقيقه ونشره(1988). انظروا: كيف تفرض السياسة نفسها على الدِّين، الأميني الإمامي المؤيد لـ"فدائيان إسلام"، وهي منظمة اغتيالات، يتكاتف معه ومعها وبقوة الإخوان المسلمون، ثم لظروف يتغير كل شيء، إنه إخضاع الدِّين للسياسة وبمزاجية حزبية.

كان اغتيال المثقف التَّنويري حسين مروة(17 شباط1987) ثم الكاتب والأكاديمي مهدي عامل(8 أيار1987)، لسبب فكري محض، لأنهما كانا مخالفين بموقفهما للهيمنة على شيعة لبنان مِن جهة حزبية والظَّلامية، فأُتخذ قرار تصفيتهما مع آخرين، ومر الاغتيال بلا كشفٍ عن المفتي بقتلهما، مع أن الأصابع تشير إلى قرار إيراني بالتصفية، حيث مرجعية حزب الله الذي نفذ فيهما الفتوى، وظل المثقف اللبناني التنويري، الشيعي خصوصاً، المنتمي لفكر يقارع الظلامية، يخشى ظله، حينها لم تتحدث منظمات دولية ولا حكومات عن تلك الكارثة، التي لا تخص مروة ولا عامل إنما تخص تدشين عصر نعيشه الآن تماماً.

قُتل حسين مروة بعد عشرة أعوام مِن انجاز مهمته، التي كلفه بها الحزب الشّيوعي اللبناني، تصنيف كتاب في تراث الفلسفة العربية الإسلامية، وصدر تحت عنوان "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"، وقد دام عمله بهذه الاطروحة عشرة أعوام، وكان قد بدأ بإنجازها العام 1968، جاء في تقرير مروة عن إنجاز مهمته إلى الحزب: "في مثل هذا اليوم، منذ عشر سنوات(2 آب- أغسطس 1968 بدأت الرِّحلة الرائدة، في عالم التراث الفكري- الإسلامي، التي شرفني الحزب أن أكون أول مغامر يدخل- نوراً- في مجاهلها، خارقاً أكثر من سور فكري وآيديولوجي مضروب حول هذا العالم التراثي، منذ أقاصي العصر الوسيط حتى الثلث الأخير من القرن العشرين"(3). لهذا اغتيل مروة، فما بين مهمته في التنوير ومهمة قاتله في العبث بالدم دهر هائل.

فتاوى أُخر

ثم توالت الاغتيالات للمثقفين التنويريين بفتاوى دينية ظلامية، فاغتيل فرج فودة(8 حزيران1992)، إثر ندوة في معرض القاهرة للكتاب، وبدلاً من كشف وفضح المفتين بالقتل ومعاقبة القاتل، أُطلق سراحه، وأن الرئيس الإخواني محمد مرسي تكفل، في دعايته الانتخابية مِن ميدان التحرير، بإطلاق سراح مؤسس "الجماعة الإسلامية" عمر عبد الرَّحمن(ت2017) وعودته منتصراً إلى مصر، بينما فودة صاحب المؤلفات الفكرية، التي تخدم التجديد الإسلامي قبل غيره، يقف الشيخ الإخواني محمد الغزالي(ت1996) مدافعاً عن المنفذين لفتوى القتل به. بعدها تصدر فتوى لتصفية نجيب محفوظ(ت2006)، يهاجمه شاب سلفي جهادي، لم يقرأ كتاباً له، ويطعنه بسكين الفتوى(14 أكتوبر 1995)، ويمر الحدث كأن المهاجم ينفذ واجباً دينياً، يعان ويُحمد عليه.

بطبيعة الحال، هناك فتاوى قتل واغتيال للأفراد والجماعات، مازال مفتوها يبجلون كلَّ التبجيل، على أنهم ذادوا عن حياض الدِّين بفتاويهم، ولم يسأل المبجلون لهم عن دماء المغدورين، فلا كسروي ولا مروة ولا فودة ولا عامل ولا محفوظ كانوا يجيدون حمل السكاكين وكواتم الصَّوت، وبعد تجارب الإسلام السياسي بميليشياته، وعموم كواسر الإرهاب فيه، تبين أن ما كتبوه هو الذي ينتصر لمدنية الإسلام، لا وحشية القاتلين والمفتين. قال معروف الرَّصافي(ت1945) في ضجة طلب تكفيره، بسبب إلقاء قصيدة، في مسرح التَّمثيل ببغداد، في العشرينيات من القرن المنصرم، ضد الحِجاب نصرةً للنساء والتَّنوير: "يا أيها المفتي بتكفيرنا/مهلاً فقد جئت بأمرِّ نكير/ بأي جهلٍ فيك مستأصل/أعلمت يا جاهلٌ ما في الضَّميرٍ"(4).

ضحية تطبيق الشَّريعة

شهد صباح الثامن عشر من يناير (كانون الثاني) 1985، إعدام الشيخ السوداني محمود محمد طه، وهو ابن السادسة والسبعين، بتهمة الرِّدة عن الإسلام. أتذكر سُئل حسن التُّرابي(ت2016)، خلال تقديمه لمحاضرة بالدوحة، ضمن نشاط "المركز العربي للأبحاث ودراسة السِّياسات"(أكتوبر 2012)، وكان حينها متنفذاً بالخرطوم، عن دوره في اغتيال (اعدام) الشيخ طه، فأجاب: حُكموه بالرَّدة واعدموه، وأنه لا علاقة له بما حدث، على أية حال حتى إذا لم يكن للإخواني التَّرابي دور ما، فسكوته وعدم اعتراضه مشاركة واضحة، لأنه كان مقتدراً ومؤثراً، يترأس حزب جماعة الإخوان "الجبهة الإسلامية القومية"، لكن قتل الرَّجل كان فيه فائدة سياسية.

ضحية الإرهاب الإخواني الإسلامي

كان رفض الشيخ المقتول قوانين الشريعة، التي أُعلنت في سبتمبر(أيلول) 1983، رحمة بالشَّريعة والأتباع من التَّفريط، ومن المغامرة بالدِّين وتطبيق حدوده، كقانون نافذ على النَّاس، وسط تراكم من الأزمات السِّياسية والاجتماعية والاقتصادية. ظل الشَّيخ، قبل إعدامه بعشرين عاماً، يعارض محاولات تطبيق قوانين «الإيمان» بالقتل، وقطع اليد، وسلب حرية النَّاس. وهو يرى أن الرِّق ليس أصلاً في الإسلام، وتغييب النِّساء عن الحياة ليس من الإسلام، والإسلام جاء متدرجاً في الأديان الكتابية، كي يتعاصر مع مدارك البشر. أفكار وآراء قابلة للجدل والحوار، لا تستدعي تهمة الرِّدة وعقوبة الموت، والحرمان حتى من مراسم الجنازة. وهو بمعارضته القديمة لقيام دولة دينية، حكم الرِّدة فيها مادة من مواد الدِّستور، ظل هدفاً، فاستصدروا ضده حكماً غيابياً بالإعدام (1968) عن طريق محكمة للأحوال الشخصية، لا شأن لها بمثل هذا الحكم، مع طلاق زوجته(5).

لم تجد المحكمة طريقاً لتنفيذ حكمها آنذاك، فانتظر المتربصون حتى سبتمبر (أيلول) 1983، عندما أُعلن تطبيق قوانين الشَّريعة، مع إضافة «قانون الشروع بالزِّنى». ويعلم الشَّيخ كم يتجاوز مثل هذا القانون على حكم الشِّريعة، الذي جاء يحمي النساء والرجال من الأفاكين. شكلت لهذه المهمة محاكم عرفت بمحاكم «العدالة النَّاجزة»، أو «محاكم الطوارئ». يومها عارض الشيخ علانية، ومن موقعه في الحزب الجمهوري، تلك القوانين، واعتبرها مخالفة لروح الإسلام(6).

قال أمام هيئة المحكمة، وهي تلوح بحكم الموت ضده: "أنا أعلنت رأيي مراراً في قوانين سبتمبر/ أيلول 1983 من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام. أكثر من ذلك فإنها شوهت الشريعة، وشوهت الإسلام"(7). وبما أن حكم الردة على الشيخ كان حكماً سياسياً لا دينياً، فقد أُلغي الحكم حال سقوط نظام جعفر نمري في العام نفسه، وقررت المحكمة الدستورية العليا بطلان محاكمته «واعتبار كل ما ترتب عليها لاغياً»، لكنّ بعد فوات الأوان.

كان جوهر فكرة الشيخ طه أن الفترة المكية، وما نزل فيها من نصوص، تعتبر هي الأصل، بينما الفترة المدنية جاءت فيها السياسة والحرب والصبر على المنافقين وتأليف القلوب والمواجهات مع غير المسلمين، وبعد أن ثبت الإسلام كدين، وبهذا الحضور الكبير في العالم، فلابد من العودة إلى الفترة المكية، تلك الفترة التي أراد فقهاء النَّاسخ والمنسوخ إلغاءها تماماً، مشيراً إلى آيات أطلق عليها تسمية آيات "الأسماح"، على اعتبار أن النَّسخ الذي نسخها بآيات الشدة، من القتال ومعاملة غير المسلمين، ليست أصلاً، ومثلما تقدم يمكن حصر مهمته التنويرية أنه اعتبر الحجاب ليس أصلاً في الإسلام، وتعدد الزوجات ليس أصلاً، إلى غير ذلك، فهو مع الحرية الفردية المطلقة، وبهذا يعتبر الفترة المكية الفترة الدِّينية الأصل(8). هذا ما يمكن أن يوفر دعامة لمحاولات ترسيخ التنوير الدِّيني.

مَن يتحمل الفشل؟

لا نستطيع القول إن كل تلك الجهود، ولم نأت إلا على جوانب منها لضيق المجال، قد انتهت مآلاتها من دون رجعة، لكن يمكن القول، وهذا ما حصل بالفعل، أنها تعرضت لانتكاسات على يد الأجيال التي تلتها. ومِن قراءة للوضع الحالي، أن الدَّعوة إلى التَّنوير والتَّجديد ستعود مِن جديد، وبطرق وأساليب مختلفة، فما آلت إليه المنطقة أمسى لا يُطاق، مِن تصاعد الغلو والتَّطرف الدِّيني والمذهبي، وكل هذه المفردات توضع في خانة الظَّلام، وببلدان كانت واحات لذلك التَّنوير، كالعراق ومصر والشَّام، وبلدان المغرب العربي كتونس مثلاً، بما يمكن تحميل الأنظمة الاستبدادية، التي حكمت هذه البلدان، الحصة الكبرى مِن تقهقر مشاريع التَّنوير، وقد استعيض عنها بالآيديولوجيات والقهر الحزبي.

كذلك لم يُكتب النَّجاح للحركات أو الشَّخصيات الدِّينية، التي تدعو إلى التَّنوير بطريقتها، لأنها "ركزت على الإصلاح الدِّيني، ثم تطورت إلى حركات سياسية تحررية، حققت قدراً مِن الاستقلالية فإنها، أي هذه الحركات، لم تستطع، لأسباب آيديولوجية وسياسية، أن تؤسس نظاماً اجتماعياً واقتصادياً يؤهلها لبناء نهضة عصرية، لأن أصحاب هذه الحركات، أو قادتها، كانت توجهاتهم منصبة بالدَّرجة الأولى على الإصلاح الدِّيني، أو مقاومة المستعمر"(9).

ما يُساعد على قوة عودة الدَّعوة إلى التَّنوير بالمنطقة وجود وسائل التَّواصل المتقدمة، وإباحتها للنَّاس كافة، وما يُرافق ذلك مِن تأثير إيجابي على طرق التَّفكير، صحيح أنها سيف ذو حدين، لكن الحاجة إلى التَّنوير قد تجاوزت الإخفاء، ومثلما حدث انتصار التَّنوير بأوروبا بفعل المثقف والملك(10)، سيكون بمنطقتنا، إنْ استقرت سياسياً، هذا يكتب ويكشف ويحرض وذا يصدر القوانين. فحكاية "خروج طائر الفينيق من الرَّماد"، ليست خُرافة في رمزيتها. لم تختف الحاجة، ولا الدَّعوة، للتنوير إنما ظلت تتأرجح بين سطوع وخفوت، والظُّرف الحالي سيدفع باتجاه السّطوع مِن جديد.

الهوامش

1) مير طاهري، السيرة الإرهابية: من بعوضة فولتير وإلى الخميني وشرم الشيخ، الشَّرق الأوسط، العدد 9740 والمؤرخ في 29 يوليو/تموز 2005.

2) معن شناع العجلي، الفكر الصَّحيح في الكلام الصَّريح، طبع خاص: 2012، ص 344. الشهيد نواب صفوي العالم المجاهد، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام، على الرابط: http://alwelayah.net/?p=15069.

3) حوار مع فكر حسين مروة، عدد خاص من الطريق اللبنانية، العدد: 2/3 حزيران(يونيو) 1988 بمناسبة مرور عام على اغتياله، وثيقة تحت عنوان: ونفذت المهمة وهذا تقريري الأول، ص359.

4) الرُّصافي، ديوان الرُّصافي، القاهرة: المكتبة التّجارية الكبرى، الطبعة السَّادسة 1959ص 508 .

5) محمود محمد طه، طبعة المنظمة السُّودانية لحقوق الإنسان : 1996الرسالة الثَّانية في الإسلام، ص 5.

6) المصدر نفسه، ص 6.

7) المصدر نفسه.

8) المصدر نفسه، ص 93.

9) كافود، محمد عبد الرَّحيم، إشكالية الثَّقافة العربية بين الأصالة والمعاصرة، الدَّوحة: دار قطري بن فجاءة 1966 ص 14.

10) هذا ما يخرج به من نتيجة قارئ كتاب لوكلير، تاريخ التسامح في عصر الإصلاح، مصدر سابق.

رشيد الخيُّون

باحث عراقي

حلقة من ثلاث حلقات نُشرت في المدى البغدادية