التيه العربي بين الوطني والقومي، والدولة والثورة

بقلم: نقولا ناصر

إن الأزمة التي فجرتها "خلية حزب الله" بين مصر وبين الحزب هي العنوان الأحدث للتيه الأمني العربي في الأزمة الأعمق والأوسع الناجمة عن التناقض بين الوطني وبين القومي من جهة وبين الدولة وبين الثورة من جهة ثانية نتيجة للتجزئة السياسية في الوطن العربي التي تمخضت عن وجود أنظمة حكم قاد الحرص على بقائها واستمرارها إلى طغيان المنطق الإقليمي على قرارها بحيث بات صاحبه في تخطيطه الأمني يخلط بين الأمن الوطني للدولة القطرية وبين أمن النظام الحاكم ليطغى الثاني على الأول وبحيث قاد حرص هذا الحاكم على أمن النظام أولا إلى المواجهة بين مقتضيات بقاء هذا النظام باسم أمن الدولة وبين متطلبات حماية الأمن الوطني الحقيقي للدولة التي قد تقتضي في حالة الاحتلال الأجنبي للوطن القطري أو لأجزاء منه أو في حالة الهيمنة الأجنبية على القرار الوطني اللجوء إلى الثورة أو المقاومة من أجل التحرر الوطني.
وإذا كان تغليب أمن النظام الحاكم على الأمن الوطني للدولة القطرية يقود إلى طغيان المنطق الإقليمي في تحديد مفهوم الأمن الوطني لهذه الدولة، عندئذ يكون من المنطقي والمتوقع أن يتناقض مثل هذا المفهوم للأمن الوطني مع مفاهيم مماثلة للأمن الوطني في كل دولة عربية ليتناقض أيضا في المحصلة مع الأمن القومي، لأن الأمن الوطني الحقيقي لكل دولة قطرية على حدة لا يمكن إلا أن يكون متكاملا مع الأمن الوطني لكل دولة قطرية أخرى من جهة ولكل الدول القطرية مجتمعة من جهة أخرى، وبالتالي لا يمكن إلا أن يكون متكاملا أيضا مع الأمن القومي العربي، لا متناقضا معه.
ففي المغرب العربي، على سبيل المثال لا الحصر، فإن الأمن الوطني لكل من المغرب والجزائر عندما يكون متناقضا حد انفجار حروب مباشرة أو بالوكالة بينهما وحد الإصرار على إغلاق الحدود المشتركة لسنوات إغلاقا استعصى فتحه ثنائيا بقدر ما استعصى على سلسلة من مؤتمرات القمة العربية استعصاء يمنع حتى الآن أي جهد عربي للتوسط فيه، ليظل التواصل منقطعا بين الشعبين العربيين والمسلمين والجارين والشقيقين بينما لم يحل البحر البيض المتوسط دون حوالي ثلاثين ألف مغربي وزيارة دول الاحتلال الإسرائيلي سنويا، عندئذ لا بد بالتأكيد أن يكون هناك خلل قاتل في مفهوم الأمن الوطني لكل من القطرين كما يفسره الحكمان فيهما، ولا بد من الشك المشروع في كون هذا المفهوم وطنيا حقا طالما أن المتضرر الأول والأخير منه هو الشعب على جانبي الحدود المغلقة، دون أن يكون أمن كل من النظامين مستفيدا أيضا.
وهذا الخلط في المغرب والجزائر بين أمن النظام القطري ومصالحه وبين الأمن الوطني للدولة القطرية ومصالحها لا تقتصر أضراره على القطرين فقط بل تتجاوزهما لتطال الأمن القومي العربي، فوأد الإتحاد المغاربي وهو جنين نتيجة لهذا الخلط قد عطل التنمية لملايين العرب والمسلمين لعقود من الزمن وحرم الأمة من تبلور الإتحاد المأمول إلى نقطة ارتكاز عربية تسد ثغرات واسعة أمام التهديدات الأجنبية في موقع استراتيجي لها في الوطن العربي الكبير.
وفي المشرق العربي، كمثال آخر، فإن الأمن الوطني للدولة القطرية عندما لا يرى أي تهديد له في قيام دول أجنبية بغزو ثم احتلال دولة عربية ومسلمة وجارة وشقيقة حد السلبية المطلقة، في أحسن الحالات، حيال حدث تاريخي كهذا وكأنما يحدث في المريخ أو تسهيل هذا الحدث بصورة مباشرة أو غير مباشرة، علنا أو سرا، في أسوا الحالات، كما حدث ويحدث في العراق منذ عام 2003 بخاصة، وقبل ذلك بكثير بعامة، عندئذ لا بد بالتأكيد أن يكون هناك خلل قاتل في مفهوم الأمن الوطني للدولة القطرية المجاورة كما يفسره الحكم فيها، ويكون الشك مشروعا في وطنية هكذا مفهوم.
وفي القلب من الوطن العربي تقدم "قضية" خلية حزب الله بعناصرها الوطنية الثلاث اللبنانية والمصرية والفلسطينية مثالا ثالثا أحدث للتيه العربي في التناقض بين الوطني والوطني، وبين الوطني والقومي، وبين الدولة والثورة على حد سواء، فمعاهدة السلام التي وقعتها مصر مع دولة الاحتلال الإسرائيلي كانت مثالا صارخا ضمن النظام فيه أمنه واستمراره بتفسير للأمن الوطني المصري ومصالحه لم يتمخض عنه كما أثبت تطور الأحداث حتى الآن بعد ثلاثين عاما من توقيع تلك المعاهدة لا أمنا لمصر، ولا تخفيضا للميزانية العسكرية لصالح التنمية ولا نهاية للحروب الإقليمية كما وعد موقعو المعاهدة، ولا سلاما إقليميا، ليجد هذا التفسير للأمن الوطني المصري نفسه متناقضا مع الأمن الوطني الفلسطيني واللبناني والسوري والعراقي، إلخ. ومتناقضا أيضا مع الأمن القومي العربي تناقضا يكمن في صلب أسباب الانقسام العربي الراهن الذي يضع مصر الآن في طرف ودولا عربية أخرى في طرف آخر في كل مفصل من مفاصل القضايا العربية التي لها علاقة بالاحتلال الأجنبي لأقطار عربية، ليتساءل المواطن العربي مستهجنا كيف يمكن ألا يكون تحرير الأرض المصرية دعما ومقدمة لتحرير ما هو محتل من الأراضي العربية في الأقطار الأخرى، إذ يفترض المنطق أن تتكامل الحرية العربية وأن يتكامل الأحرار العرب، اللهم إلا إذا كانت المعاهدة المصرية الإسرائيلية قد حررت سيناء لكنها قيدت حرية صانع القرار الوطني في ممارسة السيادة المصرية.
وهنا يواجهنا أمن النظام بتفسير للأمن الوطني يسوغ التناقض بين الوطني المصري وبين القومي العربي بالتناقض بين وطنية "الدولة" المصرية وبين وطنية "الثورة" أو المقاومة اللبنانية أو الفلسطينية، ولا ضير في هكذا تفسير لو كان هذا التسويغ يكتفي بإدارة الأزمة واحتواء مضاعفاتها، لكنه لا يكتفي بذلك بل يتخندق ضد الثورة والمقاومة كلما سنحت له الفرصة، وإلا كيف يمكن مثلا تفسير مواقف بعض دول نظام التجزئة السياسية العربي أثناء الحربين العدوانيتين الإسرائيليتين على لبنان عام 2006 وقطاع غزة أوائل العام الجاري.
لقد أدانت محكمة أردنية مؤخرا ثلاثة أشخاص بتهمة التجسس لحركة حماس في سياق سلسلة من الحوادث التي يمكن إدراجها تحت عنوان انتهاك السيادة الوطنية للأردن، ويمكن بسهولة مقارنة هذه الحوادث بانتهاك "خلية حزب الله" للسيادة المصرية، لكن سياسة إدارة الأزمة واحتوائها بين الدولة لأردنية وبين حركة مقاومة فلسطينية التي دفعت الأردن إلى الحوار مع حماس للتوفيق بين مقتضيات الوطنية الأردنية وبين متطلبات الوطنية الفلسطينية تتناقض مع سياسة التصعيد التي اختارتها القاهرة مع حزب الله اللبناني بعد حادثة منفردة، لا سلسلة من الحوادث كما في الحالة الأردنية، مما يكشف عن سياسة مدروسة تستهدف تصيد حادثة منفردة للتصعيد الذي بلغ حد الشطط بالتلويح عبر وسائل الإعلام المصرية بملاحقة قائد وطني لبناني مثل حسن نصر الله ونائبه نعيم قاسم ملاحقة "جنائية" بواسطة الإنتربول الدولي، في إسفاف إعلامي أثار من الحزن على المستوى الذي انحدرت إليه إدارة الخلافات العربية البينية أكثر مما أثار من الغضب دفاعا عن كرامة حركة مقاومة ساهمت في الدفاع عن الأمن القومي العربي أكثر مما فعلت الإمكانيات الضخمة لبعض دول التجزئة العربية، بالرغم من أن الاتفاق على آلية لإدارة الأزمات العربية كان من أهم ما تمخضت عنه الدورة العادية الأخيرة في الدوحة لمؤسسة القمة العربية، وربما تجد وسائل الإعلام المصرية التي سقطت في هذا المنحدر عذرا لها في التمثيل المتدني لمصر في تلك القمة وغياب القيادة المصرية عنها.
وسياسة إدارة الأزمة واحتوائها التي قادت الأردن مثلا إلى الحوار مع حماس دون أن يؤثر ذلك في قوة العلاقة الأردنية الوثيقة مع قيادة منظمة التحرير وسلطة الحكم الذاتي التي تقودها والتي يعترف الأردن بها ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني هي سياسة تحترم الاختلاف في الاجتهادات الوطنية الفلسطينية وتقف على مسافة واحدة منها جميعا، بالرغم من انحياز الأردن الصريح لخيار التفاوض السلمي الذي يلتزم به أحد طرفي الانقسام الفلسطيني الراهن، مما انعكس إيجابا على الأمن الوطني الأردني والفلسطيني على حد سواء، أو السياسة المماثلة لإدارة الأزمة التي تنتهجها السياسة السورية بين طرفي الانقسام الفلسطيني بالرغم من الانحياز السوري الصريح لخيار المقاومة، هي سياسة تحول دون التدخل السافر في الشأن الداخلي الفلسطيني أو في الأقل تبقي أي تدخل كهذا في حده الأدنى، وهذه سياسة تتناقض تماما مع سياسة تصعيد الأزمة بين مصر وبين حزب الله التي قادت إلى تدخل في الشأن اللبناني وإلى انحياز مصري لأحد طرفي الانقسام اللبناني، مما جعل أزمة خلية حزب الله تظهر تناقضا لا ينبغي له أن يكون بين الأمن الوطني لكل من مصر ولبنان وفلسطين دفع رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية المقالة في قطاع غزة إسماعيل هنيه في أول ظهور علني له بعد العدوان الإسرائيلي يوم الجمعة الماضي إلى المناشدة العلنية لمصر من أجل احتواء الأزمة التي وضعت قطاع غزة في موقف حرج بين إملاءات الجغرافيا السياسية مع الجار المصري الشقيق وبين وحدة النضال في المقاومة مع شقيق لبناني.
في الخامس من الشهر الجاري قالت مصادر مصرية للشرق الأوسط اللندنية إن الاتصال بين القاهرة وبين رموز الحركات الإسلامية السياسية في السودان أو غيره هو "خط أحمر"، تمثل فيه حماس حالة استثنائية، ولن يكون أي مراقب طبعا أحرص على الأمن الوطني المصري من مخططيه الاستراتيجيين لكي ينصحهم بالعكس، لكن المراقب لا يسعه إلا أن يتساءل عن أجوبة مقنعة للحكمة من سياسة كهذه عندما يرى مثلا انفتاحا أوروبيا على الاتصال والحوار مع حركات إسلامية مثل حماس وحزب الله اعترافا بدورهما في المجتمع وفي العملية السياسية "الشرعية" في ساحاتها، أو عندما يستمع إلى القيادة الجديدة للإدارة الأميركية التي تدعو إلى حوار مع حركة طالبان، أو مع الجناح الذي تصفه ب"المعتدل" منها، بالرغم من كونها الحاضنة الرئيسية للقاعدة التي تواصل الإدارة الجديدة الحرب العالمية عليها، ولا يسع المراقب أيضا إلا أن يتساءل لماذا تتنازل الدول العربية مجانا عن دور ينبغي أن يكون لها أصلا في الحوار والاتصال مع هذه الحركات، وبخاصة منها تلك التي تمارس اليوم دور حركات تحرر وطني ضد الاحتلال الأجنبي، لكي تنقل إلى أوروبا وأميركا الرسالة التي يجب أن تنقلها حول الفارق النوعي بين هذه الحركات وبين التنظيمات الإرهابية، بدلا من انتظار الدول الغربية الحليفة أو الصديقة لها حتى تتوصل إلى نتيجة كهذه ثم تلحق بها بعد ذلك بدل أن تكون هي المبادرة.
إن تفجير قضية "خلية حزب الله" إعلاميا في مصر بعد حوالي ستة أشهر من اعتقال بطلها اللبناني يثير تكهنات حول الهدف من توقيت تفجيرها الذي يربطه بعض المحللين بالانتخابات اللبنانية الوشيكة ويربطه بعض آخر بجولة حاسمة قد تكون الأخيرة لاستئناف الحوار الفلسطيني في القاهرة، لكن أيا كانت التحليلات فإن مما لا شك فيه أن توقيت تفجير هذه القضية قد صرف الأنظار بعيدا عن استمرار حصار قطاع غزة وعن الدور المصري المأمول فلسطينيا في فتح ثغرة عربية عبر البوابة المصرية في طوق الحصار الإسرائيلي المحكم، لتتسلط الأضواء بدلا من ذلك على اقتتال عربي- عربي ظاهره تناقض بين الأمن الوطني لكل من مصر وفلسطين ولبنان وتناقض بين "الدولة" العربية في مصر وبين "المقاومة" العربية في ساحتيها اللبنانية والفلسطينية يتضح المستفيد الوحيد منه من قول رئيس دولة الاحتلال الإسرائيلي شمعون بيريس: ""إنهم يتقاتلون. دعهم يتقاتلون فإن هذا يفرح إسرائيل" !
وعندما يكون هناك تضارب أو تناقض بين الأمن الوطني المصري وبين الأمن الوطني الفلسطيني أو اللبناني، أو بين الأمن الوطني لأي ثنائية أو ثلاثية أو رباعية عربية، يكون هناك بالتأكيد خلل فاضح في تعريف مفهوم الأمن الوطني وتكون هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في هذا المفهوم، فالأمن العربي إذا لم يكن متكاملا يكون هناك بالتأكيد خطأ فادح في التعريف الوطني المعتمد للأمن "الوطني".
لا احد يطالب أو يتوقع أن تقوم مصر مثلا بالدور الذي قام به شمال فيتنام في دعم الثورة ضد الاحتلال الأميركي في جنوبها، لكن لا احد حتما يتوقع منها دورا يتقاطع مع الاحتلال الإسرائيلي مثل الدور الإيراني في دعم نظام سياسي يقيمه الاحتلال الأميركي في العراق بالضد من المقاومة الوطنية العراقية لدحر هذا الاحتلال. وربما من المفيد هنا لاستخلاص العبرة استذكار رواية القيادي الفلسطيني الفتحاوي المرحوم خالد الحسن عن بداية علاقات حركة فتح مع المملكة العربية السعودية، وخلاصة الرواية هي أن فتح أوضحت للأشقاء في الرياض بأن المقاومة الفلسطينية التي كانت تقودها الحركة كانت مخيرة بين أن تحصل على الدعم منهم وبين أن تحصل على الدعم من الشيوعية الدولية، ويبدو أن الأشقاء في مصر وغيرها مخيرون الآن بين أن تحصل المقاومة التي تقودها حماس اليوم على دعمهم وبين أن تحصل على هذا الدعم من إيران، وإذا كانت الرياض قد حسمت أمرها مع فتح على أساس أن الأقربين أولى بالمعروف فإن مصر ومن يتفق مع رؤيتها للقضية الفلسطينية في وضعها الراهن لم يحسموا أمرهم بعد.
إن الوضع الراهن للتناقض بين الوطني والوطني، وبين الوطني والقومي، وبين الأمن الوطني للدولة القطرية وبين أمن النظام فيها، وبين الدولة وبين المقاومة في الوطن العربي يجعل أي تفاهم على استراتيجية قومية للأمن العربي أبعد من أي وقت مضى بقدر ما يجعل غياب أي استراتيجية كهذه الوضع العربي الراهن مرشحا للمزيد من التدهور والتشرذم والتناقض ليتحول أي حديث عن تضامن حد أدنى عربي إلى أحلام يقظة ورطانة رسمية لم تعد تقنع أحدا في الوطن العربي الكبير المجزأ والمنكوب بالاحتلال الذي ما كان له أن يكون لو كان الحال العربي غير هذا الحال. نقولا ناصر، كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com