التونسيون يطالبون بتحقيق أهداف طال انتظارها

الثورة متواصلة

تونس ـ بعد أربع سنوات من ثورتهم التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2010 التي لم ترفع سوى عناوين الكرامة والحرية بعيدا عن أية خلفيات حزبية أو إيديولوجية، يشعر التونسيون بأن أهداف الثورة لم يتحقق منها شيء يذكر، فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ازدادت ترديا وأصبحت حملا ثقيلا على مواطن تحمل من العناء ما تئن منه الجبال، والمسار الديمقراطي مازال هشا ومتعثرا وآفاقه غير واضحة، والحرية تتهددها عديد المخاطر وفي مقدمتها استفحال ظاهرة الإرهاب.

ولا يتردد غالبية التونسيين في تحميل حركة النهضة التي حكمت البلاد خلال عامي 2012 و2013 بعد فوزها في انتخابات 2011 في اتهامها بأنها خذلت أهداف الثورة، وقادت البلاد إلى أزمة خانقة ألقت تداعياتها بضلالها الكئيبة على حياة الناس بعد أن تردت أوضاعهم المعيشية جراء السياسات الفاشلة التي وسعت من دائرة الفقر وعمقت الفوارق الاجتماعية، وأججت الاحتقان الاجتماعي واستفحلت ظاهرة الإرهاب لتهدد الحريات الفردية والعامة.

تشاؤل التونسيين

ويغلب على التونسيين نوعا من "التشاؤم" الممزوج بـ"التوجس" من مستقبل بلادهم في ظل وضع معقد وضبابي وتجربة ديمقراطية ناشئة وهشة تتهددها عديد المخاطر الداخلية والخارجية بعد أن قطعت البلاد مع الوضع المؤقت لترسي مؤسسات سيادية شرعية ودائمة، قادت إليها الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية التي فازت فيها القوى الحداثية على حركة النهضة الإسلامية وأعادت رسم خارطة سياسية جديدة.

وبين "تفاؤلهم" بـ"ترحيل" حكم الإسلاميين الذي لم يجنوا منه سوى الفشل والإحباط وفقدان الثقة في السياسية والسياسيين وبين "تشاؤمهم" من مدى قدرة بلادهم على تحقيق تطلعاتهم إلى الحرية والكرامة والديمقراطية، يشق التونسيون طريق نضالاتهم ضد أشكال الاستبداد من أجل نحت ملامح صورة جديدة لبلادهم تكون في مستوى الثورة التي قادت الربيع العربي يوم 17 ديسمبر/كانون الاول لما أقدم بائع الخضر المتجول محمد البوعزيزي على إحراق نفسه في مدينة سيدي بوزيد لتندلع الشرارة الأولى لانتفاضة شعبية عارمة سرت كالنار في الهشيم في جميع المحافظات والمدن التونسية.

ويلتقي العلمانيون ونشطاء المجتمع المدني مع المواطن العادي حول أن "التفاؤل مشروعا" بعد أن قطعت البلاد الطريق أمام مشروع الإسلاميين الذي يهدف إلى إقامة "دولة دينية" تقوم على الاستبداد وفرض نمط مجتمعي وهابي غريب عن المجتمع التونسي الذي يعتنق المذهب السني المالكي الأشعري المعتدل.

ويرى الرأي العام التونسي، أن أهم خطر كان يتهدد المجتمع هو تنامي سطوة جماعات الإسلام السياسي التي استفادت خلال السنوات الأربع الماضية من حكم حركة النهضة، إذ تجاهلت طبيعة قيم المجتمع التونسي وأمعنت في تنفيذ أجندتها شأنها في ذلك شأن جماعة الإخوان في مصر وفي غيرها من البلدان العربية.

غير أن الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها حزب نداء تونس العلماني مدعوما بالأحزاب الحداثية والديمقراطية والانتخابات الرئاسية التي فاز فيها زعيم الحزب السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي أجهضت مشروع الإخوان بعد أن انتصر التونسيون للمشروع الوطني وأزاحوا الإسلاميين من مواقع القرار ليجدوا أنفسهم على هامش الحياة السياسية.

وبدا رحيل حكم النهضة انتصارا، لا للعلمانيين فحسب، وإنما انتصارا للمشروع الحداثي التونسي الذي ناضلت من أجله أجيال من المصلحين منذ منتصف القرن التاسع عشر وتبلور مع المشروع الوطني الذي قادته دولة الاستقلال منذ العام 1956.

فشل حكم النهضة

خلال فترة حكمها، فشلت النهضة في تقويض مؤسسات دولة مدنية قوية وفي تمزيق قيم المجتمع التعددي اللبيرالي كما فشلت في "نسف" مكاسب دولة الاستقلال وفي مقدمتها حرية المرأة التي تعتبر في تونس عنوان الحداثة.

وتقر قيادات الحركة الإسلامية التي تعوزها الخبرة والكفاءة أنها على امتداد سنوات حكمها "اصطدمت" بمؤسسات دولة مدنية علمانية قوية واستعصى عليها تنفيذ أجندتها حتى أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي اعترف في شريط فيديو مسرب في لقاء مع شيوخ السلفية أن "النهضة تحكم من فوق أما إدارة دواليب الدولة وتسييرها فإنه يتم من خلال كوادر علمانية ذات تجربة ومن الصعب اجتثاثها".

وقد ساعد الضغط الذي مارسه الإتحاد العام التونسي للشغل إلى جانب جهات داخلية وأيضا أجنبية على تنحي النهضة عن الحكم وتكليف الشخصية المستقلة مهدي جمعة برئاسة حكومة كفاءات غير متحزبة عهد إليها مهمة إدارة شؤون البلاد وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية.

وأذا ما استثنينا "إنجاز" الانتخابات ونوعا من "الحزم" في مكافحة الإرهاب، فإن حكومة مهدي جمعة أكتفت بإدارة شؤون البلاد وتأمين الحد الأدنى من سير مؤسسات الدولة دون أن تباشر خططا عملية ذات طابع تنموي وسياسي الأمر الذي أبقى على الأزمة وتداعيتها.

وانتشل فوز نداء تونس زعيمه قائد السبسي أكثرية التونسيين من اليأس الذي استفحل فيهم على امتداد أربع سنوات وفتح أمامهم نوعا من التفاؤل بعد أن طمأن الرئيس المنتخب الرأي العام بانتهاج تجربة ديمقراطية لا يتحالف فيها إلا مع "العائلة الديمقراطية" وتنفيذ برنامج تنموي وأمني لإنقاذ تونس تتكفل به حكومة ائتلافية ترأسها الشخصية السياسية المستقلة الحبيب الصيد.

وفي انتظار تشكيل الحكومة القادمة يبقى "تفاؤل" التونسيين ينغصه "تشاؤم" في ظل حالة من الاحتقان الممزوجة بالإحباط نتيجة فشل السياسات التي قادتها حركة النهضة على امتداد فترة حكمها.

وعلى الرغم من مرور أربع سنوات على ثورتهم يشعر التونسيون أن أهداف ثورتهم لم يتحقق منها شيء يذكر أو يستحق التفاؤل حتى أن جزء من الرأي العام تساوره مخاوف من مستقبل البلاد في ظل وضع داخلي تعصف به أزمة خانقة ووضع إقليمي ودولي معقد ومتقلب.

أهداف معلقة

اندلعت ثورة الربيع العربي التي انطلقت شراراتها من مدينة سيدي بوزيد المحرومة من أجل الحرية والكرامة لكن المواطن التونسي لا يتردد في القول أنه بعد اربع سنوات يعيش مسلوب الحرية وفاقد للكرامة سواء تعلق الأمر بالمستوى السياسي أو بالمستوى الاجتماعي.

ويبدو أن أحد أهم عوامل تشاؤم التونسيين هو تراجع هيبة الدولة وأداء مؤسساتها وعجزها عن تقديم الخدمات للناس في ظل حالة انفلات خطيرة لم يعتدها المواطن الذي يعتقد أن الدولة التونسية من أقدم الدول في العام العربي بما أنها تأسست عام 1705 على يد الحسين بن علي ثم راكمت تجربتها لتنضج مع دولة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي عام 1956.

ويجد إحباط التونسيين ما يبرره على أرض الواقع ذلك أن الإسلاميين تعاملوا مع مؤسسات الدولة بمنطق الجماعة السرية ليس بمنطق الدولة فنخروها من الداخل بعد أن زرعوا آلاف الكوادر غير الكفأة في المحافظات وفي المؤسسات العمومية وفي مراكز قرار حساسة.

ويرى العلمانيون أن مؤسسات الدولة المدنية تعرضت خلال فترة حكم النهضة إلى "عملية تدمير ونخر ممنهجة" في محاولة لفرض "مشروع الأسلمة وهو ما جعلها تتراجع عن دورها.

وما يعزز تشاؤم التونسيين حالة "الانفلات" العام بعد أن فقدت مؤسسات الدولة هيبتها لا فقط من خلال مشروع النهضة وإنما أيضا من خلال استهدافها من قبل الجماعات الإسلامية الجهادية التي تستهدف المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية.

والأخطر من ذلك هو أن الرأي العام يخشى أن يتم تدمير مكاسب الدولة الوطنية تحت عنوان "الثورة" في ظل دعوات إلى "شيطنة" المشروع الوطني الذي حقق الكثير من المنجزات وفي مقدمتها حرية المرأة ومبدأ المواطنة وحدا مقبولا من التنمية على الرغم من كل النقائص.

وفي ظل هكذا وضع يتوجس التونسيون من مستقبل التجربة الديمقراطية الناشئة والهشة خاصة مع تزايد سطوة الجماعات الجهادية والهجمات التي تشنها من حين لآخر سواء على المؤسسات السيادية أو على الجنود والأمنيين.

وتعتبر ظاهرة الإرهاب التي استفحلت في البلاد مند صعود حركة النهضة إلى الحكم عام 2011 من أخطر الملفات المطروحة على حكومة الحبيب الصيد لأنها تنسف ومن الأساس مبدأ الحرية الذي رفعته الثورة.

وخلال السنوات الأربع الماضية تناسلت الجماعات الجهادية في البلاد رافعة الراية السوداء في استفزاز متعمد للتونسيين الدين لا يرفعون سوى علم البلاد، وتمكنت تلك الجماعات من تفريخ خلايا نائمة يشرف عليها مقاتلون قادمون من الصومال ومن أفغانستان ومن ليبيا من العراق ومن سوريا.

واستفاد الجهاديون من حالة الانفلات الأمني خاصة على الشريطين الحدوديين الغربي مع الجزائر والشرقي مع ليبيا ليتسللوا إلى داخل التراب التونسي وتمكنوا من تخزين السلاح في مخابئ متعددة.

مقاومة الارهاب

وأصبحت تونس "مصدرا" للإرهابيين حيث يتم تجنيد الشباب العاطل والمحروم في شبكات إرهابية في مرحلة أولى

الشعب يريد الامان
وإرساله إلى القتال في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

وتقدر السلطات التونسية عدد المقاتلين التونسيين في صفوف "داعش" بنحو 300 مقاتل يحتل عدد منهم مراكز قيادية.

وأمام تعقد ظاهرة الإرهاب وانتشارها محليا وإقليميا أكد الرئيس المنتخب قائد السبسي أنه عازم على وضع خطة إستراتيجية إقليمية لمكافحة الإرهاب تشارك فيها عديد البلدان منها الجزائر وليبيا والصومال ومصر باعتبار أن تونس لن تنجح في القضاء على المجموعات الإرهابية بمفردها، وإنما بالتعاون مع البلدان المعنية.

وازدادت مخاوف التونسيين خلال الفترة الأخيرة تحت تأثير الحرب في ليبيا وسط أنباء عن تسلل العشرات من الإرهابيين إلى داخل التراب التونسي لتركيز خلايا تابعة لـتنظيم "الدولة الاسلامية".

وبالتوازي مع الجوانب السياسية يسود تشاؤم لدى التونسيين بشأن الأوضاع الاجتماعية التي تمثل تركة ثقيلة للحكومة المرتقبة ليس من السهل تقديم حلول لها تكون في مستوى تطلعات الناس وخاصة أهالي الجهات المحرومة.

وأدت تلك التركة الثقيلة إلى حالة من الاحتقان ما انفكت تتزايد وتندر بالانفجار جراء ارتفاع نسبة الفقر وتدهور المقدرة الشرائية وارتفاع البطالة.

وتناهز نسبة الفقر 25 بالمائة وتصل إلى 40 في المائة في الجهات الداخلية المحرومة وفي الأحياء الشعبية التي تعد اليوم قنبلة موقوتة ومفرخة للجماعات الجهادية.

وتعصف البطالة بأكثر من مليون عاطل من جملة عشرة ملايين هم سكان تونس.

برامج عاجلة

وفي ظل غياب مخططات تنموية واضحة وناجعة تتعاطى مع المشاكل الحقيقية للتونسيين يبقى الوضع في تونس مرجحا لمزيد من الاحتقان ما لم تسارع حكومة الحبيب الصيد المرتقبة إلى مباشرة برامج عاجلة وعملية تكون كفيلة بتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.

ويطالب التونسيون بتوفير التنمية في جميع جهات البلاد وخاصة في الجهات المحرومة التي يفتقد فيها الأهالي لأبسط مقومات العيش الكريم الأمر الذي عمق الاحتقان الاجتماعي والشعور بالتهميش والحيف.

وهم يرون أنه لا يمكن الحديث عن الديمقراطية السياسية في غياب الديمقراطية الاجتماعية التي تعني التوزيع العادل لعائدات الخيرات بل لا يمكن الحديث عن الولاء للدولة ومبدا المواطنة في وقت يشعر فيه المحرومون أنهم مواطنون من درجة ثانية.

ويطالب التونسيون بوضع منوال تنموي عملي يتحسس المشاغل الحقيقة ويقدم الحلول الناجعة وهم يؤكدون أن "إنقاذ" البلاد يمر حتما عبر سياسات تنموية عادلة تعيد الاعتبار لفئات واسعة من المجتمع.

وتبدو مواجهة هدا التحدي أمرا ضروريا على الرغم من صعوبته في ظل ارتفاع تطلعات التونسيين وندرة الإمكانيات المادية لتونس وهو ما يجعل قائد السبسي أمام اختبار حقيقي وملف خطير غير قابل للتأجيل.

وبالرغم من حالة التمزق التي يعيشها التونسيون بين "التفاؤل" و"التشاؤم" فهم يعتقدون أن بلادهم تمتلك رصيدا حضاريا وأرضية سياسية واجتماعية تجعلها ريادية بالمقارنة مع عديد البلدان العربية الأخرى وهم يرون أن طبيعة الشخصية التونسية المتفتحة وتركيبة المجتمع المتعددة وقيم الثقافة المتسامحة تمثل روافد لانتصار مشروع الحداثة على مشروع الإسلام السياسي.

حكومة موسعة

وفي الواقع لم يخيب نداء تونس الفائز بأغلبية مقاعد البرلمان آمال التونسيين والسياسيين حيث طمأن الشعب غداة

فوزه بأنه "لن يحكم بمفرده" على الرغم من حقه السياسي والقانوني الذي يضمن له ذلك، وأكد قائد السبسي أن النداء "لن يحتكر الحكم" مثلما فعلت النهضة، وإنما سيشكل حكومة ائتلافية تكون منفتحة عن العائلة الديمقراطية وكذلك عن الكفاءات الوطنية المتخصصة في مجالها.

ولم يكن هذا الخيار ارتجاليا ولا تكتيكيا، وإنما هو خيار إستراتيجي يعكس وعي وطنيا عميقا بأن "إنقاذ" تونس لا يمكن أن يتم إلا من خلال حكومة موسعة تشارك فيها القوى الوطنية والديمقراطية تكون بمثابة الجبهة التي تقود برنامجا تنمويا وسياسيا وأمنيا خلال السنوات الخمس القادمة.

ويتمسك قائد السبسي بأن الانتخابات البرلمانية أعادت رسم الخارطة السياسية حيث صعدت أحزاب ديمقراطية ولبيرالية وعلمانية ما جعلها تمثل قوة سياسية لها تأثيرها فيما تراجعت حركة النهضة التي عاقبها الناخبون على فشلها في الحكم والزج بالبلاد في أزمة حادة كادت تعصف بمسار الانتقال الديمقراطي.

لذلك تعد حماية التجربة الديمقراطية الهشة في مشهد سياسي معقد وأكثر هشاشة من ابرز التحديات التي يؤكد عليها التونسيون من أجل "إنقاذ" البلاد من انتكاسة إن حدثت ستنسف ومن الأساس مسارا ديمقراطيا خاض من أجله المواطنون نضالات شاقة ضد مشروع الإخوان.

ولم يخف قائد السبسي أن "التجربة الديمقراطية تبقى هشة وتتهددها مخاطر بعضها داخلي وبعضها خارجي مرتبط بالوضع الإقليمي لتونس" لذلك دعا التونسيين إلى "المزيد من اليقظة" لحماية تجربتهم التي تعد الأولى من نوعها في العالم العربية.

وتساور الرئيس المنتخب مخاوف من تداعيات الحرب في ليبيا ومن تنامي الإرهاب في تونس وفي خارجها على المسار الديمقراطي لدلك فهو يحرص على تشريك مختلف القوى السياسية والمدنية في المشاورات بشأن تركيبة الحكومة بهدف تأمين أرضية صلبة تساعد على "إنقاذ" الديمقراطية الناشئة.

وبالرغم من صعوبة التحديات القادمة، فإن التونسيين عازمون على مواجهتها من أجل إنقاذ بلادهم من أزمة تخبطت فيها أربع سنوات، وهم يقولون أن انتصارهم للمشروع الحداثي بفوز حزب نداء تونس بالأغلبية البرلمانية وزعيمه قائد السبسي برئاسة الجمهورية هو "الخيار" السليم الكفيل بتحقيق تطلعاتهم والاستجابة لإنتظاراتهم بعد أن أجهضوا مشروع الإخوان.