التونسيون يحتفلون بأول ذكرى لإعلان الجمهورية بعد الثورة

بقلم: منور مليتي

يحتفل التونسيون اليوم 25 جويلية بالذكرى 54 لإعلان النظام الجمهوري لأول مرة بعد ثورة 14 جانفي التي أطاحت بنظام الرئيس بن علي.

وتأتي هذه الاحتفالات في ظرف دقيق تمر به البلاد التي تعمل جاهدة على إعادة الاعتبار لمقومات الجمهورية بعد أن تعرضت مؤسساتها للتهميش والتوظيف من طرف نظام بن علي ومن قبله نظام الزعيم الحبيب بورقيبة نتيجة الاستفراد بالحكم.

ويتطلع التونسيون اليوم بمختلف تياراتهم الفكرية والسياسية إلى تجاوز حالات والانفلات الأمني والاجتماعي وضبابية المسار السياسي من أجل بناء دولة مواطنة تكون وفية لنضالات المصلحين وترسي مؤسسات جمهورية مستقلة وقوية.

ويعد إعلان الجمهورية التونسية يوم 25 جويلية 1956 إثر استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي تتويجا لنضالات المصلحين الوطنيين التونسيين الذين خاضوا معركة الحداثة منذ منتصف القرن التاسع عشر وتسلحوا بكثير من الجرأة الفكرية والسياسية في مجتمع تقليدي لينشروا الوعي الوطني ونخوة الانتماء لتونس.

ولئن أثار إلغاء نظام البايات الذي توارثته العائلة الحسينية منذ تأسيس النواة الأولى للدولة سنة 1705 على يد الحسين بن علي حفيظة القوى التقليدية الزيتونية فإن النخبة السياسية التي قادت معركة التحرر الوطني كانت تحمل مشروعا حداثيا أساسه دولة مدنية عصرية تتعامل مع التونسيين بصفتهم مواطنين لا رعايا.

ويعد إعلان النظام الجمهوري مهما كانت المؤاخذات في ذلك الوقت مفصلا حاسما في تاريخ تونس المستقلة باعتباره قطع مع النظام الوراثي وارسي مقومات الجمهورية التي تقوم على مبدا الفصل بين السلط الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية.

ورغم الانحرافات التي عرفها النظام الجمهوري خاصة في منتصف السبعينات من القرن الماضي نتيجة شخصنة السلطة من قبل الزعيم الحبيب بورقيبة والإنفراد بالحكم فقد تحقق للتونسيين مكاسب لا يستهان بها منها توحيد القضاء وتعميم التعليم وإصدار مجلة الأحوال الشخصية التي أنصفت المرأة.

أما عشريتي حكم بن علي فقد مثلت برأي السياسيين التونسيين وخبراء القانون نقطة سوداء قاتمة في تاريخ تونس الحديث بعد أن استخف بن علي بكل مؤسسات الدولة وهمش مبادئ النظام الجمهوري ليستعيض عنها بما يشبه المافيا السياسية والمالية والإدارية.

فقد تعرض النظام الجمهوري في عهد بن علي إلى عملية مزدوجة من التهميش والتوظيف لكل مؤسسات الدولة التي ناضلت من أجلها أجيال من الوطنيين من أجل أن يعيش التونسيون في ظل دولة المواطنة والمؤسسات وينعموا بحقوقهم السياسية والمدنية.

لكن مؤسسات النظام الجمهوري في تونس كانت جذورها ضاربة في التاريخ ما جعل نظام المخلوع يفشل في تفكيك مؤسسات الجمهورية بل حتى في عرقلة أدائها، ولا ننسى أن مؤسسات النظام الجمهوري خاضت معارك ضارية ضد النظام الاستبدادي الذي استعمل مختلف الوسائل في محاولة يائسة لشل أداء المؤسسات.

والمتابعين للشأن التونسي خلال سنوات حكم بن علي يدرك أن المؤسسة القضائية رمز العدالة وعنوان العمران على حد تعبير إبن خلدون قد استبسلت في الدفاع عن استقلاليتها وقاد القضاة الشرفاء معارك وطنية ضد عصابات النظام إيمانا منهم بأن استقلالية القضاء هي حق مقدس علاوة على كونها الركيزة الأساسية لدولة المواطنة التي تسهر على ضمان حقوق التونسيين.

كما تحملت الأجهزة الأمنية الوطنية الكثير من الضغط والكثير من التهميش، وقد يذهب البعض أن الأمن التونسي كان في قبضة بن علي يتحكم فيه كما يشاء، غير أن الملاحظ النزيه يعلم أن أجهزة الأمن لم تكن كذلك وغالبت الكثير من الصعاب لأداء مهمتها الوطنية بكل موضوعية حتى أن بن علي تدخل شخصيا وعزل عديد المسؤولين الأمنيين الذين رفضوا تنفيذ أوامر تتناقض وشرف المهنة.

المؤسسة الجمهورية الوحيدة التي عبث بها نظام بن علي هي المؤسسة التشريعية التي كانت في قبضته بحكم انتماء الأغلبية لحزب التجمع المنحل، ورغم وجود نواب داخل قبة مجلس النواب لا ننكر عليهم وطنيتهم ولا نضاليتهم إلا أنهم كانوا أعجز من أن يرفضوا سيلا من القوانين التي فصلت تفصيلا على مقاس المستبد وفي مقدمتها التشويهات الجوهرية التي تم إدخالها على الدستور سنة 2001 ليعمر بن علي في الحكم بل وليمهد الطريق أمام التوريث، لكن إرادة الشعب شاءت أن يستجيب القدر لنضال التونسيين.

أما وقد تخلصت تونس من النظام الاستبدادي منذ ثورة 14 جانفي وخطت خطوات على درب الانتقال الديمقراطي فإن أبرز التحديات اليوم أمام التونسيين هي إعادة الاعتبار للنظام الجمهوري ولكل مؤسساته، وأمام الجميع مسؤولية تاريخية ووطنية لإرساء نظام جمهوري يقوم على الفصل التام بين السلط الثلاث ويضمن الحرية والعدالة للتونسيين.

ولا يمكن لعملية انتقال ديمقراطي سليم أن تنجح خارج نظام الجمهوري قوي بمؤسساته المستقلة وهو ما يستوجب من الأحزاب السياسية أن تبني عملها السياسي على أسس ديمقراطية تسمح بحق الاختلاف وترفض أشكال احتكار الحياة السياسية لأنها مظهر من مظاهر الاستبداد.

بلا شك فإن الأنظمة الاستبدادية تخاف من المؤسسات الجمهورية ومن استقلاليتها لأنها تقف أمامها سدا منيعا وتمنعها من نزعة الهيمنة وهو دليل على هشاشة تلك الأنظمة ووهنها، أما الأنظمة الديمقراطية فهي تستمد شرعيتها وقوتها من مؤسسات الجمهورية ومن استقلاليتها.

والأحزاب السياسية التونسية التي ناهز عددها اليوم المائة حزب مدعوة إلى استخلاص العبرة من تاريخ تونس الذي لم يرحم من استهان بمكاسبه وعبث بإنجازاته واستهدف مؤسسات الدولة ليختزلها في رأي واحد مستبد ولا يفلح المستبد حيث أتى.

إن الذين يخشون نظاما جمهوريا قوي المؤسسات لن يكونوا بالتأكيد إلا غير ديمقراطيين بل يرتهنون إلى نزعات الاستبداد التي تحمل بذور فنائها في مفاصلها، ومن يخشى النظام الجمهوري يخشى بالضرورة المسار الديمقراطي ومشروعية حق الاختلاف ولا يثق في إرادة الشعب وسيادته واستقلالية قراره الوطني.

وأمام تونس اليوم موعدا تاريخيا فاصلا من أجل إعادة الاعتبار للجمهورية ونعني به الاستحقاق الانتخابي ليوم 24 أكتوبر الذي سيفرز أول سلطة تشريعية وطنية ديمقراطية في تاريخ تونس، سلطة تشارك في إرسائها مختلف الأحزاب السياسية والقوى الديمقراطية في إطار الشفافية والحياد التام للإدارة.

إن المرحلة الحالية التي تمر بها تونس تعد من أهم صفحات تاريخها النضالي إذ لأول مرة يفسح مجال العمل السياسي والمشاركة في الشأن العام بكل حرية وبصفة قانونية لمختلف القوى والحساسيات الفكرية والسياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وما تضج به الساحة السياسية من أحزاب ذات مرجعيات مختلفة وطنية وقومية وإسلامية ويسارية هو تعبيرة حقيقة على أن تونس مازالت محافظة على ثرائها الفكري وحراكها السياسي رغم ما تعرضت له من اضطهاد طيلة سنوات طوال، وإذا ما سخرت تلك القوى جهودها من أجل تونس الديمقراطية فإنها ستكون هي أول المستفيدين من بناء مؤسسات جمهورية ديمقراطية تضمن الحريات السياسية والمدنية للجميع.

فقط لا بد من الإشارة إلى أن تاريخ تونس الفكري والسياسي هو تاريخ إصلاحي، وعلى الأحزاب السياسية أن تنهل منه حتى تكون برامجها ومقارباتها متجذرة في الواقع التونسي لا مسقطة إسقاطا، وعلى الفاعلين السياسيين أن لا يغفلوا أو يتجاهلوا أن تونس هي أول بلد عربي يصدر دستورا بالمعنى الحديث ألا وهو دستور سنة 1861 واصدر قبله سنة 1857 عهد الأمان الذي نص على حماية حقوق الأقليات كما عليهم ألا يستهينوا بمكاسب دولة الاستقلال التي هي بالنهاية مكاسب الشعب التونسي.

لقد مثل الفكر الإصلاحي في تونس مسارا تاريخيا متكاملا منذ منتصف القرن التاسع عشر ابتداء من المصلح خير الدين باشا إلى الزعيم الحبيب بورقيبة مرورا بسالم بوحاجب وعلي باش حانبة وعبد العزيز الثعالبي والطاهر الحداد وغيرهم.

ويقوم الفكر الإصلاحي على انتهاج سياسة تراكم المسار النضالي لتصل حلقاته بعضها ببعض بعيدا عن كل أشكال القطيعة التاريخية مما أسس لتجربة تونسية خصوصية سواء على مستوى بناء مؤسسات الدولة أو على مستوى الإصلاحات الاجتماعية أو على مستوى تشكيل ثقافة سياسية إصلاحية.

ومن أبرز ملامح المشروع الإصلاحي التونسي التمسك بقيم الوسطية والاعتدال والتعايش والنأي عن مختلف أشكال العنف والإقصاء والتهميش، وهي قيم يجب أن تكون ميثاقا اليوم بين الأحزاب السياسية لإعادة الاعتبار للنظام الجمهوري ومؤسساته.

وبالطبع فإن الخيار الوطني يعني على المستوى السياسي التمسك بمؤسسات الجمهورية والانتصار لدولة المواطنة وطابعها المدني ولسيادة القرار الوطني ورفض أي وصاية أو ولاء لأي جهة أو أيديولوجيا ثقافية أو دينية.

بهذا المعنى فإن الخيار الإصلاحي الوطني يعد الرهان الأوفر حظوظا لأي حزب أو تيار باعتباره خيار يستمد شرعيته من نضالات الوطنيين على اختلاف انتماءاتهم كما يستمدها من مكاسب المشروع الوطني وفي مقدمتها النظام الجمهورية ودولة القانون ومجلة الأحوال الشخصية وغيرها، إضافة إلى ذلك يستمد المشروع السياسي الوسطي شرعيته من طبيعة ثورة 14 جانفي التي تعد أول ثورة عربية سلمية حضارية جسدت على ارض الواقع أن الشعب التونسي الذي خبر مختلف أشكال النضال ضد الاستبداد هو على درجة من الوعي ما يساعده على بناء جمهورية جديدة عنوانها الفصل بين السلطات وضمان الحريات السياسية والمدنية.

إن احتفالات التونسيين بالذكرى 45 لإعلان الجمهورية تأتي برأي الفاعلين السياسيين والمواطنين على حد سواء متزامنة مع تحديات أمنية وسياسية واجتماعية واقتصادية وهي تحديات تستوجب حشد الجهود لتجسيد أهداف الثورة وأهم هذه الأهداف استكمال المسار الديمقراطي من أجل إقامة نظام سياسي يستمد شرعيته من إرادة الشعب، نظام يقطع مع كل أشكال الاستفراد بالحكم والاستبداد، نظام يضمن حق الاختلاف والحريات السياسية والمدنية ويحترم مؤسسات دولة المواطنة وحماية مشروعها الحداثي من التطرف اليميني واليساري.

منور مليتي