التونسية تفضّل 'الفولارة' على الزّي الطائفي الدخيل

تونس ـ من مريم الشريف
حرية الاختيار

بخطى وئيدة متزنة أخذت مريم تجوب شوارع العاصمة تونس تقف بين الفينة والأخرى أمام واجهات محلات الملابس. تمعن النظر وتدقق في تفاصيل الخياطة وجودة الصنع. وهي التي خبرت آخر صيحات الموضة وحفظت عن ظهر قلب معظم ماركات الملابس العالمية.
تضع مريم الوسلاتي "الفولارة" التونسية فوق رأسها- وشاح تلبسه النساء في تونس- في تناسق مع بقية ملابسها وهو ما أضاف عليها مسحة من الأناقة البسيطة. وتقول «لم تقف "الفولارة" التونسية التي أرتديها منذ سنوات أمام شغفي بالموضة» وتضيف «إن "الفولارة" هي رمز لهويتنا التونسية عكس الحجاب المستورد علينا من الشرق والذي يرمز لطائفة معينة».. وتؤكد أن أمها وجدتها لم تلبسا الحجاب المشرقي بل لبستا "الفولارة" التونسية وورثتاها جيلا عن جيل.
ومريم هي طالبة في كلية الحقوق بتونس لا تتردد في الذهاب إلى الحرم الجامعي مرتدية "فولارتها" بل وتفخر بذلك وهو ما جلب لها احترام زملائها. «عكس ما يروج البعض» تجزم مريم «لم أجد أية مضايقات بسبب فولارتي لا في الجامعة ولا في الإدارات والمرافق العمومية». وتنتقد مريم بشدة بعض زميلاتها اللواتي يرتدين الحجاب «يعتقدن أن الحجاب رمز للعفة وأن كل امرأة لا ترتديه هي مشبوهة في أخلاقها وسيرتها» وتضيف بحنق ظاهر «يشكلن جماعات صغيرة ولا يتحدثن إلا مع من تلبس الحجاب وكأن البقية غير طاهرات وعفيفات».
وترد بكل هدوء «أقول لهن إن الحجاب ليس من عاداتنا ولا تقاليدنا الأصيلة وهي ظاهرة غريبة عنا ولا تمت للإسلام بصلة فالإسلام يدعونا إلى إعمال العقل والاجتهاد والسعي وراء العلم والحداثة والسمو بالإنسان إلى أعلى درجات الفكر المتحضر والمستنير ولا يدعونا إلى الانغلاق والتقوقع وحرمان المرأة من العمل والتصويت والدراسة وأن تكون فقط أداة للتناسل وللقيام بالأعمال المنزلية».
وإضافة إلى "الفولارة" ينتشر في تونس «السفساري» الذي عادة ما تلبسه النساء عند خروجهن للسوق أو لقضاء شؤون خارج المنزل وتنوه فاطمة التي يناهز عمرها الـ50 سنة إلى مزايا السفساري قائلة «إنه لباس يستر جسد المرأة بالكامل وهو نابع من موروثنا التونسي الأصيل».

وبحرفية عالية تشد فاطمة بن صالح طرف السفساري بفمها بينما تمسك بالقفة «سلة الخضروات» بيدها اليسرى وتتجول بين الباعة في السوق المركزي بالعاصمة تقتني ما لذّ وطاب من الغلال والخضر الطازجة. وتقول عن السفساري «إنه رمز الحشمة في وسط المدينة العتيقة بتونس أين أقطن فأكثر النساء يلتحفن السفساري وقد حافظت معظم نساء حينا على هذه العادة». هذا في المدن التونسية، أما في أريافها فإن النساء حافظن على تقاليد اللباس الريفي المحتشم إذ تغطي المرأة الريفية رأسها بـ "الفولارة" وترتدي "الحولي" في الشمال الغربي للبلاد أو "الملية" في الجنوب وهي تساهم جنبا إلى جنب مع الرجل في الأعمال الزراعية دون عقد.
وتشجع السلطات التونسية المرأة على ارتداء لباس محتشم يحترم الخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمجتمع التونسي ويلتزم بالمنظومة الأخلاقية بما يحافظ على الهوية العربية الإسلامية.
ودعا الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في عدة مناسبات إلى «تكريس قيمة الاحتشام وفضيلة الحياء» في اللباس ولكنه في المقابل رفض اللباس الوارد من الخارج أو كما يعرف لدى التونسيين بـ«الزي الطائفي الدخيل». ويقول في هذا الشأن في خطاب ألقاه عام 2005 «تونس المتمسكة على الدوام بإسلامها الحنيف، دين الاعتدال والتفتح والوسطية والتسامح والحوار البناء، حريصة على تكريس قيمة الاحتشام وفضيلة الحياء وهي تعتبر تقاليدها في الملبس في المدن والأرياف كفيلة بتحقيق ذلك».
وفي المقابل ترفض السلطات التونسية ارتداء الزي الطائفي الذي ارتبط بخلفيات سياسية وأيديولوجية للحركات الأصولية المتطرفة في صفوف الفتيات في الجامعات والأماكن العامة، إذ تعتبره ظاهرة دخيلة عن المجتمع ولا علاقة له بالمفهوم المستنير للإسلام.
وتستند السلطات التونسية في موقفها هذا تجاه "الزي الطائفي" إلى اجتهادات فقهية لعلماء تونسيين من خريجي جامعة الزيتونة العريقة.
وتنتشر ظاهرة التدين لدى الشباب التونسي حيث يمكن للمتابع أن يلاحظ بيسر امتلاء المساجد بالمصلين في أوقات الصلوات. أما في يوم الجمعة فتكاد المساجد لا تتسع لكافة روادها.
فإن صادف وأن مررت ظهر الجمعة بشارع الحرية في قلب العاصمة فإنه يشق عليك عبور الرصيف الذي اكتظ بجموع المصلين لأداء صلاة الجمعة بعد أن امتلأ "جامع الفتح" المعروف بآلاف المصلين اغلبهم من الشباب والموظفين في المؤسسات الحكومية والخاصة. أما في شارع مرسيليا المحاذي لشارع الحرية فإن الشارع يمتلئ بالكامل خلال صلاة الجمعة بعد أن يمتلئ الجامع مبكرا بالمصلين.
ويواكب الشباب الدروس الدينية التي يلقيها أئمة أغلبهم من الشباب المتخرج من جامع الزيتونة. كما يقوم معظم الشباب بتبادل مقاطع الفيديو ذات المحتوى الديني على صفحات المواقع الاجتماعية مثل الفيسبوك والتويتر وعادة ما تتضمن هذه المقاطع دعوة إلى العمل الصالح والأخلاق الحميدة دون السقوط في التزمت والغلو والتطرّف.
والتزام شريحة واسعة من الشباب التونسي بأداء الفروض الدينية وارتياد المساجد في أوقات الصلاة ظاهرة مألوفة لا تحمل في طياتها مظاهر الغلو والتطرّف ولا الانتماء لأي اتجاهات سياسية، بل تنسجم مع قيم المجتمع التونسي المعروف بالوسطية والاعتدال.
وعلى خلاف سنوات الثمانينات من القرن الماضي فإن تديّن الشباب في تونس لا يقف حائلا دون العيش في مجتمع تغلب عليه مظاهر الحداثة، حيث لا يرى الشباب من الجنسين تناقضا بين الالتزام بأداء الفروض والشعائر الدينية والاستمتاع بما يتيحه المجتمع من حرية شخصية.
وبرأي المتخصصين في علم الاجتماع فإن ميول شباب تونس من الفتيات والفتيان إلى التديّن يعود إلى عاملين أساسيين، أولهما ما شهدته البلاد في عهد بن علي من مصالحة مع هويتها العربية والإسلامية والاهتمام المتزايد برعاية الشؤون الدينية، وثانيهما تأثّر نسبي بالحالة الدينية على الصعيدين العربي والإسلامي.
غير أن الخبراء في علم الاجتماع يؤكدون أن ظاهرة التدين في تونس وعلى عكس عدة دول إسلامية أخرى تتّسم بالاعتدال والوسطية وهي القيم التي المتأصلة في المجتمع التونسي وتسعى السلطات غرسها لدى الناشئة عبر مناهج التعليم. حيث يساهم الفهم الصحيح للدين في تشجيع الشباب على قيم العمل والاجتهاد وطلب العلم.
وبإمكان الزائر لتونس أن يلاحظ مظاهر الحياة العصرية في العاصمة وفي ضواحيها بل حتى في الأحياء الشعبية حيث تكتظ المقاهي والمطاعم والمنتجعات السياحية بروادها من الفتيات والفتيان على حد سواء، ويبدو من المألوف أن ترى فتاة تضع على رأسها "الفولارة" رفقة صديق لها وهما يرتشفان الشاي التونسي الأخضر في أحد المقاهي.
تقول أسماء الكيلاني التي تجلس رفقة صديقها هشام.ح في مقهى بحي النصر الراقي شمال تونس العاصمة: "أصلي وأصوم، فانا مسلمة أقوم بواجباتي الدينية، وأغطي راسي بـ الفولارة التونسية وأنا مقتنعة بذلك، وأمارس حياتي الشخصية بكل حرية، ولا شيء يمنعني من أن أكون متديّنة وعصرية في آن واحد".
وتضيف أسماء "الفرق بيني وبين من الفتاة التي ترتدي الحجاب المشرقي هو أنني أرتدي لباسا تونسيا أصيلا وأنا مقتنعة به بينما ترتدي هي لباسا دخيلا على عاداتنا وتقاليدنا إضافة إلى أنها ترتديه تحت تأثير انتشار أفكار مستوردة".
ويترافق هذا الوعي لدى الشباب بالقيم السمحة للإسلام مع السياسات التي إنتهجتها تونس خلال العقدين الماضيين والتي تعلي من مكانة الدين في المجتمع حيث تهتم تونس بالقضايا الجوهرية للدين في إطار فهم مستنير من خلال تسويق خطاب ديني يجمع بين التأصيل والتحديث ويؤسّس لترسيخ قيم الحريّـة والتسامح والوسطيّـة والاعتـدال والتضامـن والاجتهـاد بعيدا عن كل أشكال الانغلاق والتطرّف. وذلك من خلال العناية بالمساجد ورعاية القائمين على شؤونها ووضع الآليات الكفيلة بترشيد الخطاب الديني بتعهد تكوين الأئمة والوعاظ والمرشدين والمؤدّبين وسائر الإطارات الدّينية.
وقد تضاعف عدد المساجد والجوامع في تونس من 913 سنة 1987 إلى أكثر من 5000 مسجد وجامع عام 2010.
ويعتبر جامع العابدين بقرطاج ذو الخصائص المعمارية العربية الإسلامية الأصيلة الذي تم تشييده بضاحية قرطاج مهد أعرق حضارة عرفتها البلاد التونسية أحد أهم المعالم الدينية ودليلا على اعتــزاز تونــس بهويتهـا وتجذّرها في تاريخها.
وبإذن من بن علي يتلى القرآن الكريم بصفة مستمرّة ليلا نهارا في رحاب جامع الزيتونة وجامع القيروان. كما تمّ طباعة مصحف الجمهوريّة من قبل الدولة لأول مرّة في تاريخ تونس وذلك وفق رواية قالون المعتمدة تونسيّا.
كما تم إطلاق أول محطة إذاعية دينية في تونس هي "إذاعة الزيتونة" للقرآن الكريم، انطلقت في غرة رمضان سنة 1428 هـجري (2007). وتبث المحطة الإذاعة على مدى الأربع والعشرين ساعة بشكل يغطي كامل البلاد وذلك من مقرها في مدينة قرطاج. وقد عرفت إذاعة الزيتونة الدينية نجاحا كبيرا جعلها تكون في ظرف وجيز أول إذاعة في تونس من حيث عدد المستمعين.
ولا يختلف المتابعون للشأن التونسي أن هذا البلد العربي قد حاز السبق في مجال تحرير المرأة وتوطيد مكانتها في المجتمع حيث كانت تونس من أولى البلدان التي أصدرت قانونا يمنح حقوق المرأة وينظّم الأسرة وهي "مجلة الأحوال الشخصية" التي صدرت في 13 أغسطس 1956.
وقد توخى واضعو هذه المجلة منهجا قوامه حلول تلائم العصر واعتمدوا الاجتهاد المستنير لروح الإسلام من جهة ومسايرة مقتضيات الإصلاح والتحديث والتطوير من جهة أخرى، لم تخالف نصا صريحا في القرآن الكريم والسنة النبوية وذلك انسجاما مع ثوابت تونس المستقلة التي ينصّ دستورها على أن الإسلام هو دين الدولة ومصدر التشريع.
وتمكنت المرأة التونسية على امتداد عقدين من أن تحقق نقلة نوعية في سائر المجالات. فالمرأة في تونس لا يقلّ حضورها اليوم عن الثلث في بعض المهن والقطاعات التي كانت مع بدايات الاستقلال حكرا على الرجل من ذلك أن حضورها السياسي قد بلغ 27.5 بالمائة في مجلس النواب البرلمان (59 نائبة) وزهاء 19 بالمائة داخل مجلس المستشارين و27.7 بالمائة في المجالس البلدية المنتخبة و25 بالمائة في المجلس الدستوري.
أما على مستوى اقتحامها قطاعات العمل والإنتاج المادي والمعرفي فتمثل المرأة نسبة 53 بالمائة في سلك التعليم الابتدائي والثانوي و40 بالمائة في التعليم العالي و42 بالمائة في المهن الطبيّة فاقت 70 بالمائة في بعض الاختصاصات مثل طب الأسنان والصيدلة و42.5 بالمائة من المحامين و29.9 بالمائة من القضاة و59 بالمائة من مجموع طلبة الجامعات والمعاهد العليـا ونسبة 32 بالمائة في قطاع الفلاحة والصّيد البحري و43 بالمائة في الصّناعات المعمليّة.