التهرّب من مسؤولية النقد الذاتي

بقلم : أحمد شهاب

النقد هو شرط النهوض الحضاري، وهو الآلة الفاعلة لتنقية الطريق أمام حركة المجتمعات والشعوب، ولإزالة العقبات أمام المسار الإصلاحي، ويبدو هذا الكلام تحصيل حاصل، فلا أحد يختلف على أهمية النقد أو ضرورته، والكل يتفق و يطالب به ويرغب في ممارسته، فلماذا نكرر القول ؟ لأن هذه الرغبة النقدية تظل وقفية لكل جهة ضد الأخرى، ولتمييز عيوب الآخر دون النظر إلى عيوب الذات.
السلطة تنظر لذاتها بنرجسية عالية فهي المالكة للحقيقة المطلقة، وهي صاحبة الحق في كل الأمور أما المعارضة فهي مليئة بالأخطاء ومشكوك في ولائها للأرض ومطعون في مصداقيتها، ولا مانع في النهاية من الإلتفاف عليها وتهميشها. والمعارضة بدورها تنظر لنفسها بذات النرجسية، وتعتقد أنها الممثلة لرأي كل الناس بصفتها السياسية أو الدينية، وتعتبر كل خارج عن إطارها مجروح الذمة والوطنية.
هذا على المستوى السياسي، أما على المستوى الثقافي فيمكن الإشارة إلى كم هائل من المقولات التي يعتنقها كل فريق ويرى صحتها ويرفض أي مساس بها، بينما يسمح لنفسه أن ينتقد مقولات الآخرين ويستبيح مسلماتهم دون تحفظ أو مراجعة تذكر، كما تتم عملية تأويل أحداث التاريخ بطريقة إنتقائية وعلى خلفيات صراعية، مما يضفى على الرؤية التاريخية للمذاهب استاتيكيّة صارمة.
على المستوى الإجتماعي تتراكم الأمثلة اليومية لتنقل لنا عشرات الأمثلة عن ممارساتنا النقدية للآخرين، لأقوالهم وأعمالهم، حتى بتنا من المجتمعات (المخابراتية) التي تتدخل في كل خصوصيات الأفراد ومشاكلهم اليومية، لنراقب حركاتهم وسكناتهم ونضعها تحت مجهر النقد والتجريح دون شعور بالإثم، ودون إستذكار عشرات من الروايات الناهية عن هذا الفعل، بينما لا يلتفت المراقب إلى الأخطاء التي يرتكبها هو أو جماعته القريبة.
بين كل هذه الصور، تتولد بعض الشخصيات الفاعلة وهي تمتلك قدرة على ممارسة النقد الذاتي، وتمحيص الآراء بغض النظر عن مصدرها، والتعامل مع (التراث) بحيادية حتى يستقيم أمر النتائج بعيدا عن المؤثرات الجانبية، وهذه الفئة تتعرض للكثير من النقد وأحيانا إلى الطرد من الإجتماع القائم لا سيما إذا إرتفعت نبرة النقد وبدأت تهدد بعض مواقع الآخرين السياسية أو الإجتماعية أو الدينية.
ويتعقد أمر النقد الذاتي إذا تناول الناقد مسألة يقف خلفها أو إلى جانبها شخصيات من الوزن الثقيل، من الذين تسبق أسمائهم سلسلة من الألقاب تجعل من ممارس النقد يفكر مليا قبل أن يتفوه بكلمة قد تعود عليه بالشر المستطير، خاصة أن جميع الشؤون أصبحت من إختصاص نخب سياسية أو إجتماعية أو دينية محددة ولا يحق لغيرهم أن يبدي رأيا مخالفا، فإما أن يكون تابعا أو ينزوي جانبا.
وتمثل فكرة النخبة (السياسية أو الدينية) عائقا امام تفعيل المسألة النقدية، وهي من الأفكار التي تتطلب مراجعة دقيقة لتوسعة مفهوم النخبة.
إذ لا يزال ينحصر الحق في تقرير المصير بمجموعة صغيرة تقرر هي وحدها مسار المجتمع، وتفرض عليه أولوياته وحربه وسلمه وعلاقاته وإتجاهات تفكيره وحركته، رغم أن فكرة النخبة التي في مقابلها الرعية أو العامة تغيرت معالمها تماما، بعد أن توسعت القاعدة المتعلمة، وتقلصت مساحة الأمية، وتغيرت منظومة العلاقات السياسية والإجتماعية، وإختفى مفهوم الرعية في الأمة، وحل محله مفهوم (المواطن) في الدولة، والذي يشارك في إتخاذ القرار إلى جانب أقرانه، وبالتالي لم يعد هناك مسوغ لإحتكار القرار.
المشكلة بنظري أننا حتى الآن ننظر إلى النقد الذاتي كأحد علامات الضعف والوهن، رغم أنها تعد من أهم الأداوت الفعالة في تحصين أي إجتماع قائم من الأخطاء والأخطار المحدقة، كما أنه الأداة الماضية في تعزيز نقاط القوة في الثقافة، وتنقيتها من نقاط الضعف.
ومن المعلوم أن كل ثقافة تحتوي على موارد قوة وموارد ضعف، والمجتمع هو الذي يحدد رجاحة أي من الكفتين، كما أن أي إجتماع قائم تتخلله نقاط ضعف كثيرة، بعض المجتمعات تميل إلى التستر على الأخطاء لتنتهي إلى تراكمات تثقل كاهل الجميع، وتتحول نقاط الضعف إلى مسلمات لا يستطيع الفكاك منها، ولو تخلص المجتمع منها بصورة فورية وعاجلة لما تورط بها لاحقا.
إلا أن هذا المنحى المتحفظ من ممارسة النقد الذاتي يظل هو السائد والمسيطر، فأغلب الجماعات والتوجهات تنفق مئات أو ألوف الدنانير والكثير من الطاقات لدعم أعمال إعلامية تدعم شخصياتها ورموزها (أحياء وأموات)، أو في معالجة قضايا تم التطرق لها مرارا وتم إستعراضها في كتب كثيرة ولم يعد فيها جديد، مع ملاحظة أن كل طرف وجماعة تعتبر رمزها الديني أو السياسي رائد التجديد وعنوان الإثراء الفكري وتبرر لنفسها حق عرضه على الناس والإطناب بذكر فضائله وإن تم ذلك بصورة رتيبة ومملة.
بينما لا نجد بين هذا الدعم أي تخصيص لمجلات تعني بالنقد الذاتي أو تنقيح ذاكرة الجماعة، بل يصح القول أن ما يحدث هو العكس تماما فبمجرد نمو تيار نقدي تتم محاولة إحتواءه أو ضربه وعزله عن الإجتماع القائم، حتى أصبح دعاة التصحيح يمارسون دورهم بالكثير من التخوف والرهبة، وهو ما حرم ويحرم مجتمعاتنا من فرصة نادرة من فرص التطور والتجدد الحضاري. أحمد شهاب، كاتب كويتي AHMED_HJ@HOTMAIL.COM