'التهدئة' التي تريدها إسرائيل!

بقلم: جواد البشيتي

حتى على "الصعيد الأمني" تفصل إسرائيل، أو تحاول الفصل، بين قطاع غزة والضفة الغربية، فـ "المشكلة"، على ما تزعم، في منتهى البساطة، فإذا أوقفت "حماس" إطلاق "صواريخ القسام" على سديروت وعسقلان وسائر جنوب إسرائيل، ومنعت، بوصفها القوَّة المسيطرة على القطاع، غيرها من إطلاق "الصواريخ، فإنَّ كل الأعمال العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة تنتهي وتتوقَّف فوراً، وليس ثمَّة من حاجة، بالتالي، إلى اتفاقات جديدة لـ "التهدئة". وهذا إنَّما يعني، بحسب هذا المنطق الإسرائيلي، أنَّ "صاروخاً" أُطْلِق من قطاع غزة على الأراضي الإسرائيلية هو الذي كان الحلقة الأولى في سلسلة أعمال العنف المتبادلة هناك.

هذا "الحل" تقبله إسرائيل، على ما تزعم، ولو لم يُطْلَق سراح جنديها الأسير شاليت، ولو استمرت "حماس"، وغيرها، في القيام بأعمال عسكرية ضدَّها في داخل مناطق الضفة الغربية، أو انطلاقاً منها.

إسرائيل، وبحسب تصريحات مسؤوليها السياسيين والعسكريين، لا تشترط، لوقف اعتداءاتها على قطاع غزة أن تُوقِف "حماس"، وغيرها، كل أعمال العنف ضدها؛ ذلكَ لأنَّها تعرف أنَّ إطلاق "الصواريخ" فحسب هو، ولأسباب موضوعية، كل ما تملكه منظمات المقاومة الفلسطينية هناك من وسائل وأساليب عسكرية، فإذا توقَّف، توقَّفت عملياً المقاومة المسلحة، انطلاقاً من قطاع غزة.

إنَّها، أي إسرائيل، تريد الإفراج عن جنديها الأسير؛ ولكنَّ حكومتها ليست في وضع يسمح لها بتلبية شروط "حماس"، أو حتى بعضها، توصُّلاً إلى عقد هذه الصفقة.

أمَّا استمرار (واشتداد) الحصار الإسرائيلي للقطاع، وعزله عن العالم الخارجي من خلال إغلاق معابره ولاسيِّما معبر رفح، فهو قضية، يمكن ويجب، بحسب وجهة نظر إسرائيل، أن تظل منفصلة عن "القضية الأمنية"، فهذا الحصار سيبقى (في مناخ التهدئة تلك) ما دامت القوَّة المسيطرة في القطاع ترفض الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وإنْ خُفِّف بعض الشيء لـ "أسباب إنسانية (قوية)".

إسرائيل لا تشترط، توصُّلاً إلى هذا النمط من التهدئة، أن تُوْقِف "حماس" تهريب الأسلحة من الأراضي المصرية إلى القطاع، فهذا إنَّما هو مطلب تطالب به إسرائيل مصر فحسب. ولا تشترط، أيضاً، أن تلتزم "حماس" الامتناع عن القيام بأي عمل عسكري ضد إسرائيل في مناطق الضفة الغربية، أو انطلاقاً منها، فهذا إنَّما هو مطلب تطالب به إسرائيل السلطة الفلسطينية هناك، بدعوى أنَّ استمرار التفاوض السياسي بين الطرفين يُرتِّب على رئاسة السلطة الفلسطينية مسؤولية منع كل نشاط عسكري فلسطيني ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي هناك، بجنوده ومستوطنيه.

بدعوى أنَّ قطاع غزة ما عاد فيه وجود إسرائيلي استيطاني وعسكري، تسعى إسرائيل وإدارة الرئيس بوش إلى إقناع المجتمع الدولي بضرورة "تجريم" كل عمل عسكري يمكن أن يقوم به الفلسطينيون ضد إسرائيل انطلاقاً من القطاع. وتسعيان إلى الشيء ذاته في الضفة الغربية، بدعوى أنَّ مفاوضات السلام قائمة، وأنَّ قيام دولة فلسطينية لا يمكن أن يكون من خلال "أعمال العنف والإرهاب".

إذا نجحتا في هذا وذاك فلا ضير في أن يستمر وضع "اللا مقاومة ـ الحصار" في القطاع إلى أجل غير مسمَّى؛ كما لا ضير في أن يستمر وضع "المفاوضات العبثية" في الضفة إلى أجل غير مسمَّى.

أمَّا إذا أظْهَر "المفاوض الفلسطيني" من اليأس ما قد يَحْمله على تعليق، أو وقف، التفاوض، أو إذا ما تأكَّد له أنَّ غاية هذا التفاوض هي "دولة فلسطينية في الضفة الغربية، ذات حدود مؤقتة، ومنفصلة تماماً عن قطاع غزة"، فعندئذٍ، لا ضير في أن تقول له إسرائيل إنَّ اتفاقاً جيِّداً للفلسطينيين يمكن التوصُّل إليه سريعاً؛ ولكنَّ بقاء قطاع غزة في خارج سيطرة السلطة الفلسطينية هو ما يَحُول دون التوصُّل إليه!

عملاً بشعار "أوْقِفوا إطلاق الصواريخ نُوْقِف (فحسب) الأعمال العسكرية ضد قطاع غزة"، تحاوِل إسرائيل أن تَظْهَر للمجتمع الدولي على أنَّها الطرف المعتدى عليه، وأنَّها، مع ذلك، الطرف الذي يتحلى بأكبر قدر من المرونة والاعتدال، فإذا لم يؤدِِّ ذلك إلى هذا النمط من التهدئة الذي تريد، استمرَّت في الحرب على القطاع، وتشدَّدت بها، وصولاً إلى وضع يسمح لـ "قوَّة دولية"، بخواص وصلاحيات ترضي إسرائيل في المقام الأوَّل، بأن تتولى السيطرة على الوضع الأمني هناك. جواد البشيتي