التنظيم الإخواني الدولي... زعزعة الأنظمة

الأممية الدينية

كان السقوط الفعلي لجماعة الإخوان في مصر يعني خسارة الشبكة الدولية نقطة الارتكاز المركزية لها في العالم العربي والإسلامي. وعبَّرت المواقف التي تلت سقوط الجماعة عن المصالح المتشابكة التي مثّلت –فعلياً- مصالح الشبكة الإخوانية. وكان لسقوط الجماعة تأثير كبير على المحور الجديد الذي كان قيد التشكُّل، والذي كانت قطر وتركيا ضلعين رئيسين فيه، فقطر أعلنت تحفظها الشديد على الإطاحة بمحمد مرسي، وما تلا ذلك من مصادمات بين النظام والإخوان. ووضعت قطر أداتها الإعلامية الأقوى في خدمة الجماعة، وعبرت قناة "الجزيرة مباشر مصر" كصوت يحكي: سردية "الانقلاب على الشرعية"، (وفقا للرواية الإخوانية).

على مستوى علاقة الإخوان المسلمين بالخليج من هذه الزاوية، فمسألة "التنظيم الدولي" تمثل أحد أهم الهواجس لدى حكومات الخليج، فيما يخص رؤيتها وصراعها مع جماعة الإخوان المسلمين. والأزمة التي لم يرها الإخوان، أن خطابهم الفكري والسياسي لقياداتهم وأدبياتهم صدّرت –صراحة- هذا الأمر حتى ولو تم نفيه من بعضهم كإخوان الإمارات -على سبيل المثال- حينما زاد الضغط من الحكومة الإماراتية عليهم، وهو خطأ وقعت فيه رموز الجماعة الأم في مصر، التي كان جزءا من إشكالياتها الكبيرة بعد الوصول للسلطة هو الخطاب الذي تم رؤيته خطاباً استعلائياً يستبطن "مشروعاً خاصاً" متجاوزاً لمشروع الدولة الوطنية، وهو الأمر الذي جعلت حكومات عربية ومؤسساتها تأخذ موقفاً حذراً من جماعة ظلت طوال الوقت تتحدث عن مشروع مختلف عن مشروع الدولة.

التبعية للتنظيم

طوال الوقت كانت التهمة الرئيسة التي تم بها اتهام "جمعية الإصلاح" في الإمارات، هي تبعيتها للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وتبنيها مشروعاً غير وطني متحكم فيه من مؤسسات أجنبية تابعة لتنظيم دولي تديره جماعة الإخوان المسلمين. والحقيقة أن جزءاً من المشكلة التي وقع فيها الإخوان في الخليج، والإخوان بشكل عام، أنهم لم يقدموا أي تصور فعلي أو أي مراجعة فكرية تُحسم بها جدلية الصراع بين الأطروحتين: الأممية والوطنية، بعد تآكل خطابها الوطني. مثل هذه المراجعة، هي التي تظهر الحدود الفاصلة بين الخطابين، وتعيد الاعتبار للخطاب الوطني، وهذه المراجعة لا تعني فقط إضغاف -إن لم يكن إلغاء- وجود ما يسمّى التنظيم الدولي، وإنما كشف الجماعة لموقعها في سياسات الشرق الأوسط، وعزمها التخلي عنه مقابل الاندماج الكامل في بنية الدولة الحديثة، والقبول بالإجماع السياسي الذي تنبني عليه الحياة السياسية.

مشروعية الأنظمة الملكية

جاء "الربيع العربي" ليمثل تحدياً –أيضاً- على مستويات عدة، أبرزها سؤال مشروعية حكم الأنظمة الملكية، والإصلاحات الديمقراطية في بلدانها. وتمظهر التحدي بشكل أكبر مع وصول جماعة الإخوان المسلمين للسلطة في البلدان التي سقط فيها رؤساء موالون أو متحالفون مع الخليج. وإن كان مهماً –هنا- فصل التخوف من جوهر الحراك نفسه حول مسألة "الديمقراطية" وهو السؤال الذي سيظل مطروحاً طالما طرحت مسألة "الإصلاح السياسي" في الخليج، وبين النظر إلى حراك "الربيع العربي" الذي أتى بحكومات إسلامية (ذات طابع إخواني) في مصر وتونس واليمن وليبيا، وكونهم بديلاً قوياً محتملاً في سوريا حال سقوط الأسد، وإن كان الأمر شديد التعقيد فيما يخص المسألة السورية.

في الجزئية الأولى المرتبطة بحراك "الربيع العربي" نفسه ومشروعية نظم الحكم، الحقيقة أن الأنظمة الملكية في الخليج استفادت بشكل كبير من حالة المقارنة التي صدرتها لشعوبها حول المكتسبات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي وفرتها لهم أنظمتها، وبين تردي الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدول العربية ذات الطابع الجمهوري، من قبل حتى مرحلة "الربيع العربي". يقول مايكل هيرب: إن الملوك العرب "استفادوا من المقارنات بين حكمهم وحكم الرؤساء، وقد أدّت هذه المقارنة -على وجه الخصوص- إلى زرع روح العصر في العالم العربي قبل (الربيع العربي)، وهي روح تمتعت الملكية في ظلّها بقدر من القبول كنظام أعطى نتائج أفضل أو -على الأقل- نتائج أقل سوءاً من البدائل المتاحة".

المقارنة تأصلت بظروف ارتبطت بانحسار هذه الثورات في بلدانها، وأدت -نتيحة لأسباب مختلفة ذاتية وموضوعية- إلى تدهور الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهو ما عزَّز من فكرة المحافظة على الوضع المتاح، وتراجعت الخطابات النقدية الموجهة للملكيات الخليجية، وتحولت من نبرة هجوم إلى نبرة دفاع، خصوصاً بعد الإجراءات الأمنية التي تمت حيالها.

الجزئية الثانية، هي المرتبطة بصعود الإخوان والمشاركة في السلطة أو الهيمنة عليها بعد "الربيع العربي" مباشرة. فباستثناء قطر، رأى الخليج، وفي مقدمته السعودية والإمارات، أن صعود الإخوان يمثل خطراً استراتيجياً حقيقياً على مشروعية أنظمتها. فالسعودية اعتبرت جماعة الإخوان المسلمين التي تصدرت "الربيع العربي" منذ البداية، مشروعاً مضاداً يحمل في باطنه عوامل هدم لمشروعية النظام السعودي، الذي يتكئ بشكل أساسي على مشروعية دينية عززتها المرجعية السلفية الوهابية. وبالتالي، فالإخوان يمثل البديل الديني السني (المضاد) الذي يطرح فكرة الخلافة الإسلامية ذات الثقل الشرعي، التي قد يمكن أن تحدد مشروعية نظام وسلطة جديدة، ربمَّا تكون مقبولة شعبياً حال تقديمها كطرح لبديل سياسي مختلف.

الواقع أن التحديين اللذين واجها السعودية والخليج في المد القومي ثم الثورة الإيرانية، كان كلاهما يطرح مسألة البديل والتغيير الجذري الشامل لشكل النظام ومشروعيته. ومن هنا، كان يتحدد الخصم الاستراتيجي، ويتحدد –أيضا- كيف يمكن أن توظف وتستخدم مجموعات مناوئة له. في الحالة الأولى، كان المد القومي الذي تصدره نظام عبدالناصر، الذي كان يهدف لخلق نظام سياسي جديد مؤسس على "وحدة قومية" مؤلفة من جمهوريات عربية، تستند في شرعيتها على أيديولوجية قومية تُمثِّل الإطار الذي يشكل مكونها الفكري وخطها السياسي، ونمط تحالفاتها. وبالتالي، كان هذا الأمر يمثل خطاً مضاداً لأنظمة "ملكية" تستند على أبعاد دينية وعشائرية في حكمها لبلدانها، كما يمثل –سياسياً- ضرباً لنمط التحالفات القائم حينها، وما يستتبعه من توازنات قوى ومصالح سياسية واقتصادية بالمنطقة يصعب التنازل عنها. الطريف أنه في هذا الوقت تحديداً تم توظيف "الإخوان المسلمين" من قبل حكومات خليجية كالسعودية والكويت، كقوى ناعمة وأدوات ضغط لوقف تمدد الخطاب القومي داخل بلدانها، ودعم مشروعيتها الدينية.

على المستوى نفسه، مثلت الثورة الإيرانية خطراً داهماً على الأنظمة الحاكمة بالخليج، لأسباب مختلفة؛ ما بين حمل مشروعية مضادة، والنظر إليها من قبل الأنظمة الخليجية كـ"مشروع هيمنة على المنطقة، يتبنى صراحة (تصدير الثورات) لتغيير النظم الحاكمة بالمنطقة، والتدخل في التوظيف بأدوات دينية وأمنية لهز استقرار المنطقة عموما، والخليج بشكل خاص".

وبالتالي، كان التحالف الجديد الذي قاده ضلعاه: تركيا وقطر، ومعهما حكومات تستند لدعم إخواني، بمثابة تهديد مماثل وشبيه للتحدي الناصري القومي في الخمسينيات والستينيات، والتحدي الإيراني، وهو الأمر الذي تمت مجابهته بقوة من قبل السعودية والإمارات ومن ورائهما الخليج.