التمويل الأجنبي.. خيانة: إذن منْ يخوّن منْ؟

بقلم: محمد الحمامصي

شهد عصر الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك أكبر عمليات تمويل في تاريخ مصر الحديث سواء للجماعات والمنظمات غير الحكومية أو الحكومية، نهبت منها جمعيات رجال الأعمال الكثير الكثير، هذا بخلاف تمويلات ترتبط بدوائر وقطاعات أخرى، حيث فتح فساد النظام الباب على مصراعيه للتمويل الأميركي والأوروبي والعربي، واستفحل الأمر في السنوات الأخيرة من حكمه، حيث كان يسعى كل ممول للحصول على نصيبه ومبتغاه من كعكة الدولة المصرية التي كان واضحا أنها في طريقها للانهيار.

ذهبت التمويلات الأميركية والأوروبية إلى دعم عناصر الدولة المدنية عبر التوجهات التنموية والديمقراطية والاهتمام ببرامج التعليم والصحة والقانون وغيرها من البرامج المدنية، فيما ذهب التمويل العربي مناصفة بين جيوب الفاسدين في الحكم وبعض الجماعات والحركات الإسلامية لنشر مذاهب بعينها في مصر على رأسها المذهب الوهابي.

وعندما قامت ثورة 25 يناير خرج إعلام الرئيس المخلوع وأعضاء عصابته في الحزب الوطني المنحل لتشويه شباب الثورة، كانت أحد أبرز الآليات لضرب الثورة ووأدها إلى جانب الرصاص الحي والاعتقال العشوائي والاختفاء القسري، اتهام مفجريها بأنهم أصحاب أجندات خارجية وأنهم يتلقون تمويلا أجنبيا.

نجاح الثورة ذهب بكل هذا الكلام، لكن استمرار ضغوطها ومطالباتها بالقصاص للشهداء ومحاكمة الرئيس المخلوع وزبانية ولصوص حكمه وتحقيق العدالة والحرية وإقامة دولة مدنية وعودة العسكر إلى ثكناتهم، ربما لم يأت على هوى من يديرون البلد، فكان انتهاز فرصة إعلانات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في شهر مارس الماضي التي دعت فيها الجماعات والمنظمات غير الحكومية في مصر إلى تقديم طلبات تمويل أميركي، حيث تم رصد 240 مليون دولار لمنظمات المجتمع المدني، لدعم الديمقراطية في مصر، ما جذب مئات المتقدمين بهدف الحصول على ملايين الدولارات.

منذ مارس وحتى الآن كانت حرب التمويل الأجنبي في مصر تزداد اشتعالا، فبعدها أعلنت السفيرة الأميركية الجديدة في مصر آن باترسون قبيل مغادرتها واشنطن في طريقها إلى القاهرة أن بلادها وزعت أكثر من أربعين مليون دولار لمنظمات غير حكومية منذ اندلاع الثورة، الأمر الذي وضع منظمات وجمعيات المجتمع المدني في مصر موضع الاتهام، وتصاعد الأمر باتهام أحد أعضاء المجلس العسكري حركتي 6 أبريل وكفاية وهما الحركتان اللتان كان لهما دورا بارزا في ثورة 25 يناير، وطلب فايزة أبو النجا وزيرة التخطيط والتعاون الدولي من الأميركان أنه لا تمويل إلا بمعرفة الحكومة المصرية في الوقت الذي أعلنت فيه 700 منظمة التقدم للحصول على تمويل.

وكان من اللافت أن يبدأ التشكيل الحكومي المصري الأخير أولى اجتماعاته بالرفض الكامل والقاطع للتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية، بما في ذلك التمويل الأجنبي المباشر بكل أشكاله الذي يقدم لمنظمات وجمعيات المجتمع المدني، معلنا إنه من المقرر أن تقدم لجنة تقصي الحقائق التي يرأسها وزير العدل تقريرها الخاص بوضع التمويل الأجنبي المخالف للقوانين والاتفاقيات الدولية والثنائية خلال الأيام القليلة المقبلة تمهيدًا لنشره على الرأي العام المصري.

بالفعل فتحت نيابة أمن الدولة العليا منذ أسبوع تحقيقا رسميا حسب مصدر قضائي للبت في قضية التمويل، وتم تجميع قائمة بأسماء المستفيدين من التمويل الأميركي، ويتم التحقيق معهم واحدا تلو الآخر.

على جانب آخر بات تبني الهجوم على التمويل الأجنبي تجارة رابحة لكل من يريد حظوة أو مكانة أو منصبا أو غض الطرف عن فضائحه لدى أولي الأمر في مصر وتأكيد شرفه ووطنيته بغض النظر إن كان تاريخه تاريخ شرف أو وطنية أم لا، لكن الوقت وقت الهجوم على التمويل الأجنبي والمنظمات والجماعات الذي تتلقاه، واتهام من يتلقونه بالسعي لتخريب البلاد والعباد بل وصف مذيع على إحدى القنوات المصرية من يتلقون تمويل أجنبي بالخائنين.

بالطبع تردي العلاقات الأميركية المصرية قد يكون واحدا من أسباب تصعيد قضية التمويل الأجنبي، فهذا كان نهج النظام السابق في الضغط والترهيب والقمع ومحاولة الإفلات من التزامات تخص تحقيق العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات وغيرها، لكن ذلك لا يمنع وجود تفسيرات أخرى تتلخص في عدم رضا الغرب وأميركا خاصة عن الطريقة التي يدير بها المجلس العسكري المصري البلاد واستخدامه للقوى الإسلامية لضرب القوى اللبرالية، خاصة أن الأخيرة تناهض حكم العسكر وتطالبهم بالرحيل وتسليم الحكم لمجلس رئاسي وإقامة دستور جديد تنبني عليه دولة مدنية.

بل إن التفسير الذي يرى أن الحرب التي يتم شنها ضد التمويل الأجنبي حرب تلفيقية تهدف للترويع والتهديد والقمع، خاصة أن أعداد المنضمين لجماعات ومنظمات المجتمع المدني المناهضة لحكم العسكر في مصر في تزايد، وهي الأكثر تنظيما وقدرة على الحشد والتعبئة، الأمر الذي يهدد خطط المجلس العسكري الذي يرى الكثيرون أنه لن يترك الأمر قبل تسليم السلطة لعسكري.

القوى الإسلامية لم تسلم من اتهامات التمويل، وذهبت الاتهامات إلى أن السعودية الممول الرئيسي للإخوان المسلمين والسلفيين، وأن تمويلها مستمر منذ سبعينيات القرن الماضي وشهد تكثيفا عقب ثورة 25 يناير دعما لإقامة دولة إسلامية على غرار الدولة السعودية يحكمها المذهب الوهابي المتشدد، هذا المذهب الذي نرى تجلياته واضحة في مصر الآن. وبعد تمنع وانقطاع من السعودية، عاد البترودولار لتمويل الأخوان تحسبا للمفاجآت السياسية القادمة.

دولة مثل قطر، بالطبع، ما كان لها أن يفوتها قطار التمويل المباشر وغير المباشر لحركات الإسلام السياسي. فاستثمرت كثيرا في الأخوان المسلمين ووفرت لهم منابرها الإعلامية "المستقلة" كالجزيرة ودعم مالها الأخوان حتى جعل منهم أندادا للمجلس العسكري. ولا شك أن رائحة المال الإيراني قد فاحت أيضا من جيوب قادة الإسلام السياسي في مصر. فما يذهب إلى أخوان حماس، لا بأس أن يستقطع منه جزءا للأخوان في كل مكان.

المال القطري، ومثله الإيراني، انتهازي يراهن على الصاعدين ولا يخجل من أن يتنقل من يد إلى أخرى وحسب الظروف.

وعلى الرغم من إثارة هذه الاتهامات هنا وهناك في الإعلام المصري والخارجي، لكن أحدا من المجلس العسكري أو الحكومة المصرية خرج وطالب بالتحقيق في الأمر، الأخوان والسلفيون أنفسهم لم يطالبوا بالتحقيق في الأمر لتبرئة ساحتهم، ربما لا يحتسب التمويل العربي تمويلا أجنبيا حتى لو كانت مهمته تشويه صورة مصر السماحة والنبل والكرم والطيبة وتحويلها إلى مفرخة للتشدد والعنف.

على أية حال قضية التمويل الأجنبي ـ غربيا وعربيا ـ في مصر تشكل شبكة من أوسع وأخطر الشبكات التي تخترق الدولة المصرية على الإطلاق، وما يبرز منها على السطح ما هو إلا الفتات الذي يلقى ليحرك السطح فيلهو بفقاقيعه ودوائره الدهماء والعامة، لكن ما تحت السطح أخطر وأعظم، ليبقى السؤال: من يخوّن من؟ من يحق له تخوّن الآخر؟ حيث يبدو أن الكل في الهم/ الاتهام سواء.

محمد الحمامصي