التمساح سوبك .. الوحش الذي قدسه الفراعنة

بقلم: عبدالمنعم عبدالعظيم
عقائد غامضة

على عكس ما هو شائع لم يعرف المصريون عبادة الحيوان إنما كانو يرمزون للإله بالحيوان حسب ما يفكرون فيه ويتأملونه من جهة صفاته ومميزاته الشتى والتي يمكن وأن تتشابه او تدل على بعض الشبه بصفات الإله فتصير لها رمزاً، ثم يعبرون بتلك الرمزية تعبيراً صادقاً يستند على فهم عميق وتمثيل عقائدي سليم فيما يريدون الإفصاح عنه من أفكار وترجمة ما عندهم من تصورات.

ونظر البعض إلى إنها عقائد غامضة رغم أن أساسها البحث والتفكير العميقين عن الخالق في شكل مخلوقات خلقها الله كان يرى فيها الإنسان صورة غير نفسه وعالماً غير عالمه. ثم أن الأمر لم يكن عبادة فقط إنما هو ملاحظة ودراسة كل ما ينفع ويضر الزراعة والإنسان لا مجرد تكريم لحيوان ما إنما هو نفع يحافظ على ما يأتي منه ويصدر عنه فيكرم.

فلم يكن قدماء المصريين في الواقع يعبدون الحيوان بل أن مظاهر الإعزاز والتكريم البدائية للحيوانات المقدسة هي مصدر هذا الخلط بين التقديس والإعزاز والرضا عن بعض الحيوانات التي كان يرى فيها الإنسان المصري وغير المصري من البدائيين صورة غير صورته فيتبين فيها شيئاً من الإله الحامي والنافع للإنسان والقادر على مقاومة الشر ويتزايد حب الناس واحترامهم لحيوان ما بقدر ما فيه من خصائص الإله من النفع والحماية، فالإله كما أجمع الناس في تصورهم له يجدون فيه كل المميزات والصفات الطيبة فهو يحميهم وينفعهم ويجنبهم الضرر ويشفيهم ويزيد في رزقهم ويمنع عنهم العسر، وقد وجدوا هذه الصفات بعضها او كثيرا منها في الحيوان فأحبوه. فنظرتهم وبحثهم عن الإله الخفي الذي هو ملء السموات والأرض جعل الإله دائماً وجهتهم وفي فكرهم وتأملهم إنهم يبحثون عنه في كل شيء يرونه في الماء والأرض والحيوان والنبات والحشرات وفي السماء في الكواكب والنجوم والشمس والقمر وفي حركة الحياة اليومية وتصوروا أيضاً الأبدية والبعث، فالحيوانات إذن لم تكن إلا وجوه تشابه به الإله الكبير والرب الواحد وليست هي بذاتها أرباباً بل مرايا كما قال بلوتارخوس للإله الواحد المطلق الذي كان في ضمير الإنسان المصري.

من ضمن هذه الحيوانات التمساح فقد كان الفلاحون يعيشون بقرب هذا الوحش وتعلموا أن يحذروه إذا عرفوا أن بمقدور التماسيح أن تهاجم المستحم او من تحطمت سفينته وتجر النساء اللواتي يذهبن إلى النهر ليملأن جرارهن بالماء او من يغسل الثياب هناك. وإذا ما عبر قطيع مخاضه في النهر ألقى الرعاة تعويذة على التماسيح في صورة أغنية سحرية خوفاً من هذا الوحش المدمر المهلك الجشع.

ويقال إن أهل دندرة وحدهم هم الذين لديهم مناعة ضد هذا المعتدي كما كانوا يسمونه, ويغني العاشق قائلاً: إن حب معشوقتي الواقفة على الضفة الآخرى هو لي بيد أن تمساحاً يرقد على الشاطىء الرملي سأنزل الماء وأحدث رشاشاً في المياه فأجد التمساح كالفأر الصغير لأن حبي لها جعلني قوياً، سيكون لي تعويذة ضد التمساح، وهناك عدد عظيم من التعاويذ تدرأ عن المرء خطر التمساح فلا يقتله، وغالباً ما قال عابدو حورس وأوزوريس إن هذا المخلوق الضاري حليف ست.

وعلى نقيض الإعتقاد السائد لا تأكل التماسيح الناس إلا في النادر فعادة ما يترك الحيوان ذو الأقدام السريعة والفكين المخيفين الشاطىء حيث كان يرقد والنباتات المائية الطويلة حيث يكمن نصف مختبىء ويندفع غاطساً في الماء كالبرق وراء السمك الذي هو غذاؤه الرئيسي جاء التمساح كالشمس من الأمواج والأسماك هي أعداء الشمس الخفية، وهكذا يجل كثير من المصريين التمساح سوبك سوخوس دينياً بنظرتهم العاقلة المنظمة عن الكون، وقد كرس عدد عظيم من المعابد في 36 موقعا تمتد من مستنقعات الدلتا إلى شواطىء السلسلة وكوم أمبو والجبلين والرزيقات ونقاده لهذا الإله الذي اشتهر منذ عهد الدولة الوسطى، وهو رب مدينة التماسيح بالفيوم وكل الجهات المحيطة ببحيرة قارون كما كرس له نصف المعبد الجميل بكوم أمبو.

كان كهنة مدينة التمساح ينشدون هذه الترتيلة كل يوم طالبين من إلههم هذا الذي كان الشمس والأرض والمياه في آن واحد أن يهب مصر الحياة:

أهلاً بك يا أيها التمساح سوبك ورع وحورس الإله الجبار .. أهلاً بك يا سوبك التمساحي .. أهلاً بك يا من خرجت من المياه الاصلية يا حور قائد مصر وثور الثيران والذكر العظيم وسيد الجزر الطافية.

وفي كل موقع عبد فيه الإله سوبك كانوا يحتفظون بتمساح مقدس او بعدة تماسيح مقدسة وكان التمساح يستأنس ويربى في الرزيقات. وروى هيرودوت عن هذه التماسيح انها تزين ويقدم لها طعام خاص وذبائح خاصة وتصنع لها أقراط من الأحجار الصناعية او الذهب، كما توضع الأساور في أقدامها الأمامية ويعتني بها بكل طريقة ممكنة أثناء حياتها، وعند موتها توضع في توابيت.

ومن جهة أخرى فإن أهالي مدينة "فيلة" لم يهتموا بالتماسيح إطلاقاً وكان يأكلونها وكانت مومياء المعبود التمساح سوبك، تحنط وتوضع على نقالة خشبية، للطواف بها في مواكب مختلفة خلال القرى وفي الصعيد حتى الآن يطوفون بالذبائح في المواسم الدينية بعد تزيينها في موكب من الأطفال يهتفون للتمساح سمنه ساح.

لقد تصور المصريون إنه الإله الذي خلق النيل، إله الخصوبة والبعث، ورمزاً لقوة لحاكم مصر. كان سوبك يمثل في هيئة إنسان برأس تمساح أو شكل تمساح كامل، وكان دائماً ما يرتدي فوق رأسه شعراً مستعاراً بريش مع قرص الشمس المحاط بقرنين أو ممثلاً بتاج الآتف، ويمسك في كلتا يديه بصولجان الـ "واس" وعلامة العنخ (مفتاح الحياة) رمز الحياة. أما النقالة الخشبية فمزودة بأربعة أذرع، وهي بسيطة التركيب، وعلى قدر من الطول بحيث تسمح بتزايد عدد الكهنة الذين يحملونها.

كانت مومياء التمساح سوبك توضع على هذه النقالة، أثناء الأعياد، وتحمل على أكتاف الكهنة الذين كانوا يطوفون به حول المعبد قبل وضع الإله في ضريحه. أما القائم الخشبي فهو في شكل صندوق يتكون من ألواح، تستقر عليه النقالة التي تحمل المومياء.

يقول بلوتارخوس إن تقديس المصريين القدماء للتمساح لا يخلو من سبب معقول لأنه الوحيد من الحيوانات الشبيه بالإله إذ ليس له لسان، وإن كلمات الإله لا تحتاج إلى كلام ثم إنه الوحيد الذي يعيش في الماء وله غشاء شفاف تمتد من جبهته ليغطي عينيه فيرى ولا يرى، وهي ميزة يختص بها الإله الأول أي الأعظم وإنه يسمع ولا يسمع وهو ما ينفرد به الإله الأعظم الذين يرونه ملء السموات والأرض الذي يسمونه بالخفي (آمون) فالتمساح في اللاهوت المصري ليس إلا رمزاً يرون فيه صفات الإله الخالق وقدرته وهم يؤمنون بإله واحد ويعظمونه في الرموز التي تدل عليه وتحمل بعض خصائصه وصفاته.

أما أنثى التمساح ففي أي مكان تضع بيضها، يعرف مسبقاً أن هذا المكان هو حد ارتفاع النيل في أقصى ارتفاع له عند الفيضان في هذه السنة فهي لا تستطيع وضع بيضها في الماء وتخشى أيضاً أن تضعه بعيداً عن الماء. وفي نظر المصريين الذين تأملوا هذا أن ذلك إدراك دقيق للمستقبل، وأرجع بلينى صاحب كتاب "التاريخ الطبيعي" أن هذا يرجع لغريزة التنبؤ التي تكشف للتمساح المستقبل، وكشف المستقبل صفة من صفات الإله.

وفي كتاب "الموتى" أن الفرعون هو التمساح الذي إذا قبض على شيء لا يتركه ثم هو أوزوريس المخصب لإيزيس وهو رمز الشمس المضيئة المهيمنة على الكون المتسلح بالقوة والنور لطرد الظلام والشر، فالتمساح ليس له لسان ولا يأكل في الشتاء ودائماً ما تكون عينه وأذنه فوق الماء، له 60 فقرة 60 عصبا 60 عضلة 60 سنه ويصوم 60 يوماً ويبيض في 60 يوما ويفقس بيضه في 60 يوماً، وظهره سميك مثل السلحفاة وأبسط طول له 10 بوصات، وليس له بطن ويمكنه أن يغوص في الماء الشتاء كله ويمتاز بالقوة والشراسة وكل متوفٍّ يتمنى أن يصبح سوبك، وعندما يموت سوبك يصبح أوزوريس وهو الذي ساعد إيزيس في جمع أشلاء أوزوريس وارتبط بعبادة آمون وحورس.

سوبك ذو الريشة الخضراء المتوج بالتاج الأبيض ابن رع السمكة العظيمة حاكم مجرى الأنهار الواحد دون رفيق، حاكم حافة الصحراء، سيد الدولة، عظيم الوقار، أقوى الأقوياء، حاكم طيبة البازغ من نون، ولا يزال الناس خاصة في صعيد مصر يتبركون بالتمساح ويعلقونه محنطاً فوق دورهم وحوانيتهم. وتباع في أسوان والقاهرة تماسيح صغيرة حية كأحد السلع السياحية وإن كان هذا محظورا قانوناً.