التمدن السريع يبدد مياه اليمن

التهافت على المدينة يجفف صنابير المياه

صنعاء - "ليست هذه هي المدينة التي أريد أن أتذكرها" هكذا قال يحيى الضماري (80 عاماً) وهو يقف على مدخل صنعاء القديمة مشيراً بيديه إلى أعمال التمدن التي تخترق المدينة على مد البصر.

فصنعاء اليوم توسعت بشكل كبير لتتعدى أسوار الطين القديمة التي كانت تحيط بها قديماً. فقد كان سكانها في عام 1975 لا يتعدون 135 الف نسمة، في حين تجاوز عددهم اليوم 2 مليون، حسب تقديرات الحكومة.
وهذا يعني بأن نسبة النمو السكاني في المدينة تتراوح بين 7 و8 بالمائة سنوياً، في الوقت الذي تعتبر فيه نسبة النمو السكاني في اليمن عموماً، والتي تصل إلى 3.5 بالمائة، واحدة من أعلى النسب في العالم.

ولا زال أكثر من 70 بالمائة من سكان اليمن البالغ عددهم 21 مليون نسمة يعيشون في المناطق الريفية، إلا أن عمليات التمدين باتت تشكل تحدياً كبيراً في هذا البلد الذي يعتبر واحداً من أكثر البلدان جفافاً وفقراً وأقلها نمواً.

وتفيد تقارير مكتب الأمم المتحدة الإنمائي بأن النمو السريع للمدينة، الذي ساهمت فيه وفرة الاستثمار وازدهار أعمال البناء والتعمير ووفرة اليد العاملة نتيجة الهجرة المتواصلة لسكان القرى إلى المدينة، لم يخل من السلبيات. فالعديد من المهاجرين يعيشون في فقر مدقع ويواجهون الأمراض ويفتقرون إلى أبسط ضروريات العيش الكريم.

البلدية عاجزة عن تقديم الخدمات

وفي الوقت الذي لازال فيه توفير الخدمات الصحية والتعليم والإسكان يشكل تحدياً كبيراً للحكومة، فإن التحدي الأكبر الذي تواجهه الآن هو الاستنزاف السريع لموارد المياه القليلة في المدينة والذي يهدد استمرارها في البقاء.
وعلّق الدكتور محمد الحامدي، نائب وزير المياه والبيئة عن التهديد الذي تواجهه المدينة نظراً لندرة مصادر المياه فيها قائلاً "ستصبح المدينة مدينة أشباح (...) فلا يمكن تصور الحياة بدون ماء. وسيضطر سكانها حتماً إلى مغادرتها والهجرة إلى مكان آخر".

وما قاله الدكتور الحامدي هو ما يردده العديد من المسؤولين الحكوميين، الأمر الذي ينذر بقرب حدوث أزمة على هذا الصعيد. فقد تحدث عبد الغني جميل، نائب محافظ صنعاء قائلاً "تكمن المشكلة الأساسية في الماء، فمن دونه لن تكون هناك أية حياة. كما أن كل المشاكل الأخرى ستبدو ثانوية (أمام ندرة المياه)".

ندرة المياه في كافة انحاء البلاد

وليست مشاكل المياه في صنعاء سوى صورة قاتمة نوعاً ما لمشاكل المياه في مجموع البلاد. فاليمن يعاني من عدم توازن مزمن بين نسبة السكان المتزايدة باستمرار وبسرعة كبيرة ونسبة الموارد المائية المتناقصة.
وتقدر الهيئة الوطنية للموارد المائية موارد المياه العذبة المتجددة بما لا يتعدى 2500 مليون متر مكعب سنوياً، 1.500 منها مياه سطحية والف مياه جوفية. في حين يقول الخبراء بأن الطلب الحالي يصل إلى 3200 مليون متر مكعب سنوياً، أي بعجز يصل إلى 700 مليون متر مكعب.
كما أوضح عبد الله الضاري، رئيس الهيئة العامة للموارد المائية بأن معدل حصة المواطن اليمني من المياه المتجددة يصل إلى 155 متر مكعب بالسنة، وهو عشر حصة الفرد في دول الشرق الأوسط وواحد من خمسين بالنسبة لمعدل حصة الفرد في العالم. غير أن هذه الحصة تضمحل أكثر فأكثر بموازاة النمو السكاني بحيث لن تتعدى "في السنوات القادمة أكثر من 80 متر مكعب".

كما تفيد الهيئة العامة للموارد المائية بأن هذا التقدير قد يكون منطبقاً على صنعاء في الوقت الحالي، إذ أن مستويات المياه في حوض صنعاء تشهد هبوطاً مستمراً بنسبة 6 متر في السنة.

آخر الطبقات المائية

ووصلت مشكلة العجز في المياه العذبة المتجددة بالمدينة إلى حد من الخطورة بحيث أصبحت السلطات تغوص في حفرياتها للحصول على المياه إلى مستويات أعمق بكثير مما كانت تغوص إليه من قبل. وهذا من شأنه أن يؤثر على الطبقات المائية وعلى جودة المياه.
وقال قحطان الأصبحي، مسؤول البرامج بمكتب الأمم المتحدة الإنمائي وملحق بالهيئة العامة للموارد المائية بأن "الماء أصبح أكثر ملوحة من ذي قبل"، مما سيؤدى إلى ظهور مشاكل صحية خصوصاً لدى مرضى الكلى. كما أشار إلى الرأي السائد الآن في أوساط خبراء المياه والذي ينذر بنفاذ موارد المياه في صنعاء في غضون 15 إلى 20 سنة نتيجة عمليات التمدين وندرة المياه وسوء الإدارة.

وفي الوقت الذي لا يتعدى فيه عمق الآبار 200 متر في معظم الدول المجاورة، فإنه قد يصل في صنعاء إلى 600 أو حتى 1200 متر، مقترباً بذلك من آخر الطبقات المائية.
وقال الأصبحي معلقاً على الموضوع "هذه آخر الطبقات المائية ولن يتبق لدينا أية موارد للمياه بعد ذلك".

شراء المياه

أما بالنسبة للعديد من سكان المدينة، فإن المياه نفذت منذ مدة طويلة، إذ يشكو حيدر محمد (21 عاماً) والطالب في كلية الآداب، وضعه وهو يشير إلى حنفية الماء التي نفذ منها الماء قائلا "أنا أسكن هنا منذ سنتين، كنت اضطر خلالها دائماً إلى شراء ما أحتاجه من مياه من الخارج".

ولا تتعدى نسبة سكان المدينة الذين يحصلون على مياه شربهم من شبكة المياه الرسمية 15 إلى 25 بالمائة فقط. أما الباقي فيشتري مياهه من مجموعة كبيرة من التجار الذين يجوبون شوارع المدينة لبيع المياه المستقاة من الآبار الخاصة في المدينة أو من القرى المجاورة.

ولأن أنابيب المياه وأنظمة الصرف الصحي تمشي جنباً إلى جنب، فإن نسبة كبيرة من السكان لا يستفيدون من شبكة الصرف الصحي أيضاً.
وفي هذا الصدد، شرح الأصبحي الوضع "إن توفير المياه مربوط بالصرف الصحي وليست هناك أية طريقة للدوران حول ذلك"، مشيراً إلى أن العديد من مشاريع بناء البيوت المنتشرة في المدينة الآن لديها شبكاتها الخاصة للماء والصرف الصحي.

الإستراتيجيات المستقبلية

ولا زال النقاش حول أفضل طريقة لاحتواء أزمة المياه في المدينة قائماً، فقد طرحت الحكومة إمكانية تغيير الأسس الاقتصادية للبلاد بحيث ينتقل السكان من الأنشطة المعتمدة على الماء إلى أنشطة لا تعتمد عليه. غير أن طرحاً مثل هذا يبقى حساساً للغاية في بلد يعتمد 50 بالمائة من سكانه على الزراعة.

كما تمت أيضاً مناقشة إمكانية بناء مجموعة من السدود لتجميع مياه الأنهار، ولكن التكلفة الباهظة لهذا المخطط الطموح قد لا تمكنه من رؤية النور.
وعلق الحامدي على هذا المشروع قائلاً "للأسف، تكلفته جد باهظة". وفي الوقت الذي أوضحت فيه دراسة جدوى بأن بناء سد قرب صنعاء قد يوفر حوالي 7 مليون متر مكعب من المياه في السنة، فإن أنظمة الري وحدها تتسبب في إهدار 8 مليون متر مكعب من المياه.

واقترح الحامدي بدلاً من ذلك "استعمال الأموال المخصصة لبناء هذا السد في تحسين أنظمة الري وترشيد استهلاكها للمياه على المدى البعيد". كما أكد على الحاجة إلى إدارة متكاملة للموارد المائية بما فيها ضمان فعالية استهلاك الماء وأنظمة الري.

وبينما يستمر هذا النقاش، يداهم الوقت المدينة. ويقول نائب الوزير بصراحة شديدة "العاصمة مهددة بأن تصبح أول مدينة في العالم تنفذ مصادر المياه فيها (...) ونحن لا نريد أن نصبح مشاهير لمثل هذا السبب". (ايرين)