التلوث يدمر شواطئ لبنان

بيروت - من عمر الحلبي
القفز في اعماق البحر بعيدا عن التلوث

يشكل الشاطئ اللبناني الذي يبلغ طوله 220 كيلومترا سببا في وفاة العديد من مرتاديه نتيجة التلوث الخطير الحاصل في مياهه، والناجم عن سموم النفايات وتدفق مخرجات الصرف الصحي وعدم وجود أنظمة سلامة.‏

وتنتشر على طول الساحل اللبناني، الممتد من الشمال في عكار الى الناقورة في ‏جنوب لبنان، عشرات المسابح العائلية، بعضها يخضع للمواصفات العالمية وبعضها الآخر وجد بشكل عشوائي. ‏ويعتبر الشاطئ الممتد من بيروت الى صيدا من أخطرها نظرا لرمي النفايات قربه وتدفق مخرجات الصرف الصحي اليه وانعدام السلامة البحرية فيه.


واذا أراد شخص أن يمضي يوما على هذا الشاطئ فستشاركه بقايا مأكولات وزجاجات مهشمة وعظام حيوانات ومكبات للنفايات، بالاضافة الى مجاري الصرف الصحي التي تصب في البحر بشكل مستمر وكأنها ينابيع لا تجف.

ولم يدفع هذا المشهد المتكرر يوميا المسئولين في وزارتي السياحة والبيئة حتى الآن الى التدخل للحد من تلوث الشاطئ على الرغم من شكاوى المواطنين المستمرة، والحوادث الاليمة والمفجعة التي يتعرض لها من يسبحون فيها نتيجة الغرق او الاصابات المختلفة في أجسادهم. ‏

وكشف رئيس تجمع الشباب اللبناني للتوعية الاجتماعية، والذي يعرف اختصارا باسم "اليازا" ايلي فرح أن 70 شخصا قد غرقوا، فيما أصيب 600 شخص في الموسم الواحد باصابات مختلفة مثل الكسور والشلل والجروح.‏

ودعا فرح المسئولين اللبنانيين الى وضع برامج توعية من خلال التليفزيون، وانشاء مراكز توعية في مختلف المناطق اللبنانية وانشاء مراكز لتعليم السباحة من اجل الحد من الحوادث البحرية.

وقال رئيس تجمع الشباب اللبناني للتوعية الاجتماعية ايلي فرح"ان 80 في المائة من الاولاد يغرقون نتيجة عدم انتباه الاهل لهم"، مشيرا الى أن ‏الغرق يتم بسرعة قياسية لا تتعدى بضعة دقائق وبالتالي فان عملية الانقاذ "قد ‏لاتكون مجدية في معظم الاحيان".

وحسب احصاءات أعدها تجمع الشباب للتوعية الاجتماعية أفاد فرح أن حوالي 30 الى 50 في المائة من الاشخاص الذين غرقوا كانوا تحت تأثير الكحول أو المخدرات أو ‏لتناولهم المهدئات مثل الادوية العادية.‏

وشهد العام الحالي حوادث غرق في معظم الشواطئ اللبنانية خصوصا العامة والمجانية مثل مسبح الرملة البيضاء. وتوفي عدة أشخاص نتيجة انعدام الرقابة واصابة ‏عدد من المواطنين بجروح مختلفة.

وعند تجولك على الشاطئ الجنوبي لمدينة بيروت، والذي يقصده السواح والمواطنون بشكل كثيف خصوصا في هذه الايام في منطقة الاوزاعي وخلدة، ‏يمكنك أن تشاهد عددا كبيرا من الشبان يسبحون في مياه خضراء نتنة ويخرجون وقد ظهرت ‏على أجسادهم علامات المرض الجلدي مثل الفطريات والالتهابات.‏

ويقول مواطن من منطقة خلدة يدعى مصباح مزهر أن مجاري الصرف الصحي مفتوحة على مدار الساعة، وتمر في الشاطئ وبعضها الآخر ممتد الى حوالي 500 متر داخل البحر حيث ‏ ‏تفرغ ما في جوفها من نفايات مما أحدث تلوثا خطيرا في مياه البحر بالاضافة الى ‏ ‏تأثيراته في الثروة السمكية على طول الشاطئ الواقع في تلك المنطقة.

وأكد أن من ثمانية الى تسعة أشخاص يتوفون سنويا في هذه المنطقة نتيجة الغرق أو الامراض مضيفا بأن هناك حوالي 200 اصابة مختلفة بين المواطنين الذين يقصدون شاطئ ‏البحر في تلك المنطقة تتراوح بين أمراض جلدية خطيرة "سرطانية" أو معوية وغيرها ‏ ‏نتيجة التلوث الحاصل.

وأشار المواطن اللبناني من منطقة خلدة مصباح مزهر الى أنه "ليس هناك تواجد لاي جهة حكومية تعنى بالسلامة البحرية في هذه المنطقة".‏

من جانبه علق الصياد عزت ابراهيم، الذي حمل سنارته ورماها في البحر ليتصيد ‏الاسماك قرب أنبوب مياه الصرف الصحي التي يمكن مشاهدة مياه الصرف الصحي وهي تنبع من بينها بقوله "انني اتصيد السمك ‏لاقتات أنا وعائلتي".‏

ولدى سؤاله لماذا لا يصطاد في مكان آخر أجاب قائلا "لقد تعودت على أكل هذا ‏ ‏السمك أنا وعائلي ولم نصب بأي أذى حتى الآن ونتمتع بصحة جيدة".‏

وعلى صعيد متصل يقول أحد السباحين ويدعى سعيد أبو قلفونه أن شاطئ الرملة ‏البيضاء في بيروت يعد من أوسخ الشواطئ اللبنانية نظرا لمواسير الصرف الصحي العديدة التي تصب في شاطئه من المقاهي والمنازل المجاورة له، وللاوساخ الموجودة في ‏مياهه.‏

وقال ان هناك حوالي خمس حالات وفاة سنويا سببها الامراض الناتجة عن تلوث مياه ‏البحر مشيرا الى أنه من بين كل سبعة أشخاص تقريبا هناك واحد مصاب بامراض جلدية ‏وخصوصا الالتهاب الجلدي.‏

وأضاف "ان تفشي هذه الامراض ناجم عن غياب المسئولين في وزارتي السياحة ‏والبيئة عن هذه المناطق فيما تنعم مناطق أخرى برقابة كثيفة" مشيرا الى أن "معظم ‏المقاهي والمطاعم الموجودة على ضفاف الشاطئ، وخصوصا في منطقة الروشة، تصب مجاري الصرف الصحي التابعة لها في البحر". ‏

من ناحيته يقول المنقذ المتخصص في أحدى مسابح جنوب العاصمة بيروت رشيد أبوذياب ‏"ان بعض حالات الوفاة أو الاصابات الجسدية مثل الشلل تأتي عندما يقفز السباح من علو مرتفع بحيث يعطي للدماغ صورة وهمية مما ينتج عنه سوء تقدير لدرجة عمق المياه وتكون الوفاة حتمية في معظم الاحيان". ‏

ونصح أبو ذياب الراغبين في السباحة بعدم تناول وجبات الاكل قبل اقدامهم على السباحة لان المعدة عندها ستتعرض للتقلص مما سيؤدي الى عملية استفراغ وانحباس في التنفس مما قد يؤدي الى الغرق مشيرا الى ضرورة الانتباه الى درجة حرارة المياه ‏ ‏قبل النزول الى البحر.

وقال المنقذ المتخصص في أحدى المسابح رشيد أبوذياب ان "الاشخاص الذين ‏يتعرضون لاشعة الشمس لوقت طويل هم الاكثر عرضة لمشاكل صحية عندما ينزلون الى البحر بشكل سريع لان درجات الحرارة تكون باردة بالمقارنة مع حرارة الجسد مما ‏ ‏يؤدي الى ارتفاع حاد في ضغط الدم وزيادة ضربات القلب وثم موت مفاجئ".‏

من ناحية أخرى أكدت المسئولة في منظمة السلام الاخضر"غرين بيس" في لبنان زينة الحاج أن مياه البحر في شاطئ صيدا، والذي يبلغ طوله حوالي أربعة كيلومترات، ملوثة بشكل كبير يصل الى 90 في المائة، وذلك نتيجة وجود مخرج ‏النفايات على الشاطئ وتدفق مجاري الصرف الصحي عليه.‏

ويشكل مكب صيدا، والذي أقيم منذ 30 عاما، رمزا للمخاطر الصحية والبيئية حيث تبين أن النفايات الصناعية والكيميائية ترمى في هذا المكب منتجة مزيجا ساما من المواد التي تسهم في تلوث البيئة.‏

وأظهرت تحاليل المنظمة، التي أخذت عيناتها من مياه البحر في عام1997 وجود نسبة مرتفعة من المعادن الثقيلة في بحر صيدا مثل الكروم والفاندوم وتأثير هذه المواد ‏على الثروة السمكية والبيئة البحرية مما يؤدي الى اضرار صحية للانسان.
من جانبه يؤكد رئيس مستشفى الجنوب في صيدا الدكتور وهبي شعيب "أنه ‏ ‏بات يفكر بالرحيل عن المنطقة بسبب وجود المكب" مشيرا الى "أن حوالي ثماني حالات ‏وفاة احصيت خلال العامين الماضيين مصابة بأمراض خبيثة نتيجة السموم التي تقتحم المنازل والشواطئ والاماكن العامة والخاصة فضلا عن الامراض الجلدية الاخرى".‏

يذكر أن هناك أكثر من 17 مخرج للصرف الصحي تتدفق بشكل مستمر على طول شاطئ ‏ ‏صيدا.‏

ويؤكد النائب في البرلمان اللبناني مصطفى سعد أنه في حال استمرار عدم معالجة مشكلة النفايات في مدينة صيدا فانه سيلجأ الى تقديم دعوة قضائية ضد ‏بلدية صيدا ووزير البيئة ميشال موسى ومحافظ الجنوب فيصل الصايغ محملا اياهم ‏مسئولية المخاطر الصحية والبحرية الناجمة عن مكب صيدا للنفايات.‏

ويرمى مكب صيدا، الذي يلقبه أهالي المدينة بـ"ناطح السحاب"، الى مياه البحر ‏ ‏يوميا بحدود 100 طن من النفايات المنزلية ونفايات المستشفيات السامة.