التكهن بالمستقبل: مهمة شبه مستحيلة لخبراء الاقتصاد

ستوكهولم - من يورغن هيكير
في زمن العولمة، التنبؤ بحجم المخاطر بات امرا من الماضي

تعرض المؤسسات والحكومات ومراكز الابحاث او مكاتب السمسرة جسورا من ذهب على خبراء الاقتصاد طالبة منهم جميعا شيئا واحدا: توقع ما يحمله المستقبل لتقليص المخاطر على استثماراتها او على سياساتها الاقتصادية.
ولهذا الغرض يستعين خبراء الاقتصاد بتشكيلة واسعة من الانظمة العلمية او الاجتماعية، ابتداء من الرياضيات وصولا الى علم النفس، لكن اكثرها صدقية يبقى علم الاحصاء.
ومهما بدت مملة مقارنة لوائح طويلة من الارقام وتراكم المعطيات على مدى السنين او العقود، او حتى امتحان كم من الفرضيات تزداد غموضا واحدتها عن الاخرى، فان خبراء الاقتصاد يعلمون جيدا ان المسألة تستحق العناء.
فالميزانيات العامة تتوقف على صحة توقعاتهم، وكذلك الحكومات وثروة المستثمرين او افلاسهم.
وفي هذا السياق تعتبر مساهمات الفائزين بجائزة نوبل للاقتصاد لعام 2003، الاميركي روبرت انغل والبريطاني كلايف غرنغر في غاية الاهمية لما تحمله من ادوات افضل لفك رموز الاحصاءات واستخلاص العبر منها.
الى ذلك فان استرجاع تجارب الماضي للاستعانة بها من اجل التنبؤ بالمستقبل يعد ممارسة قديمة العهد مثل علم الاقتصاد نفسه. لكن فاعليتها لا تكفي لحجب حدودها.
اذ ان اقل ذرة تراب -"اضطرابات مؤقتة" او "تقلبات" بحسب لغة الاقتصاديين- في اطار دورة معينة او في معدل احصائي من شانها ان تشوه تسلسل احداث بكامله وتسيء بشكل جدي الى مصداقية الخبير الذي وضع التوقعات.
غير ان بعض الاحصاءات مثل تلك المتعلقة بنفقات الاستهلاك لا تتأثر كثيرا بهذه الظواهر. واذا كان النمو الاقتصادي (اجمالي الناتج الوطني) او التضخم هما الاكثر تأثرا فان الاسواق المالية هي الاقل وضوحا.
فتقلباتها تصيب حتى اكثر المتنبهين والمحترسين: ففي العام 1997 ورغم استعانته بخدمات حائزين على نوبل الاقتصاد، لم ينج صندوق الاستثمار الاميركي من الافلاس لعدم توقعه انهيار الاسواق.
وذلك رغم ان انغل وغرانغر هما اسمان معروفان جدا بين خبراء الاقتصاد ويحظيان بتقدير نظرائهما على اعمالهما حول توقع المخاطر.
وهذا ما حدا بستيف بارو الاقتصادي المكلف المنطقة الاوروبية في مصرف الاستثمار "بير ستيرنز" في لندن للقول عنهما "انهما استحقا الجائزة لابحاثهما الطويلة حول وضع نماذج انطلاقا من سلوك وتصرفات الماضي".
الا انهما لم يتوصلا الى حل كل المشكلات المتعلقة بالتوقعات وثمة خطر سيظل ماثلا لفترة طويلة فوق اسواق الاسهم والسندات والعملات وكذلك العقود الآجلة والمنتجات المشتقة.
ويرى بارو ان "الاحصاءات حول صرف العملات على سبيل المثال تشكل جزءا في ما نسميه معطيات غير مؤدبة لانها لا تتصرف بشكل متناسب. ولنكون صادقين فما من احد قادر حتى الان على فك رموزها رغم ان انغل وغرنغر مهدا الطريق لذلك".
وبناء على حيثيات جائزة نوبل فان "عمل غرانغر غير الطريقة التي يتعامل بها خبراء الاقتصاد مع التسلسل الزمني للمعطيات"، بينما قام انغل بتطوير التقنيات التي تساعد على سيطرة افضل في مجال تقييم المخاطر.