التكريتيون ينتظرون تحرير الموصل لمعرفة مصائر معتقليهم

يريدونهم أحياء أو ميتين

بغداد ـ ينتظر ذوو مئات المفقودين من المدنيين والعسكريين في صلاح الدين تحرير الموصل أملاً في العثور على أبنائهم الذين اعتقلهم التنظيم المتشدد وانقطعت أخبارهم بعد زجهم في المعتقلات.

يسأل مطاع (6 سنوات) أمه يومياً السؤال ذاته "متى سيرجع أبي؟" وتعيد الأم الثكلى جوابها الذي اعتادت على مرارته "سيرجع قريبا إن شاء الله بس تتحرر الموصل".

تقول ام مطاع (34 سنة) "خيم الحزن والتعاسة على بيتنا بعد أن اعتقل عناصر الدولة الإسلامية والد مطاع وهو أستاذ جامعي قبل سنتين من منزلنا في ناحية العلم (20 كيلومترا شرق تكريت) بتهمة التعاون مع القوات الأمنية العراقية ومذ ذاك الأوان نعيش على أمل عودته سالما".

وبدأت شعلة الأمل بالخبو والأفول مع كل منطقة تحررها القوات الأمنية من سيطرة الدولة الإسلامية وتعثر على سجون التنظيم خاوية وأصبحت الموصل بارقة الأمل الأخيرة التي ترنو إليها عيون وقلوب مئات المعتقلين لدى الدولة الإسلامية.

وقبل سنتين من الآن أي تشرين الأول/أكتوبر 2014، قامت مفارز الدولة الإسلامية الامنية بحملة اعتقالات واسعة شملت اكثر من مئة رجل من أهالي ناحية العلم شرق تكريت بحجة القيام بأعمال مسلحة سرية تستهدف التنظيم ورفع العلم العراقي على نصب يتوسط الناحية التي كان يسيطر عليها التنظيم المتطرف.

ويصف ميثم العباد (36 عاما) معاناة فقد عزيز وانتظار أمل العودة بعد ان فقد أخيه (واثق) في تلك الحملة قائلا لـ"نقاش" ان تفتقد أخا ذلك يعني انك تفتقد ذاكرة من الزمن الجميل، وأنت ترى أمك تحج عيناها صوب الموصل، صوب معتقل، صوب همس يؤذن بعودة الآتين من خلف الغياب".

ويضيف "نعيش الترقب يوميا، آخر اتصال أكد ان معتقلينا أحياء في الموصل بمنطقة الغابات وعددهم 84 ونتابع الاخبار ومواقع التواصل وكلما سمعنا خبراً او شائعة او همسة نستنفر كل علاقاتنا ومعارفنا لتقصي حقيقة الأمر لعل بارقة امل تلوح في افق التحرير، وها هي الموصل تمثل آخر معاقل الدولة الإسلامية تتهاوى وتسقط فيما ترتفع مع سقوطها آمال وأمنيات مئات المعتقلين؛ أطفال، نساء، أمهات، إخوة، أخوات لعل التحرير يجلب لهم سعادة وفرح عودة المعتقلين".

مئات المدنيين والعسكريين من أفراد الشرطة والجيش في محافظة صلاح الدين يعدون من المفقودين ويجهل مصيرهم حتى الآن، بعد أن اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية مناطق واسعة من المحافظة وقام باعتقالهم للتحقيق ولم يتبين مصيرهم حتى الآن.

ويقدر ناظم علي احد المسؤولين الحكوميين في محافظة صلاح الدين عدد المفقودين من اهالي المحافظة من العسكريين والمدنيين بمئات الضحايا.

ويقول "حاليا نفتقر الى سجلات وإحصاءات دقيقة بسبب الفوضى الإدارية وقلة البيانات بعد تحرير المناطق ولكن يمكن القياس انه في ناحية العلم يوجد اكثر من 130 مفقودا وفي بيجي أكثر من 160 في تكريت 115 وفي قضاء الدور تجاوز المفقودين 178 وغيره من مناطق المحافظة".

وتابع "كل تلك الحالات تخلق بالإضافة الى المعاناة الإنسانية معانة أخرى تتعلق بإيقاف حصول ذويه على حقوقه القانونية والمادية والتي تقتضي مرور أربع سنوات ليعلن وفاته وهذا بحد ذاته أزمة يعيشها المجتمع نتيجة الفقد".

طبيعة سجون الدولة الإسلامية تتميز بالغموض وقلة المعلومات عنها وعن نظامها الداخلي وطرق ادارة التحقيق فيها والذي يتميز بالاستقلالية واللامركزية والتي تدار حسب الولايات.

ويقول ابو فرح الجبوري (38عاما) كاسب من اهالي صلاح الدين ان "رحلة أشقائي في السجون بدأت في اكتوبر2014 بعد وشاية من مخبر سري ابلغهم ان إخوتي يقاتلون الدولة الإسلامية ضمن القوات الأمنية، كانت اولى مراحل الرحلة في سجن عبارة عن منزل كبير يعود للنائبة في البرلمان العراقي أشواق الجبوري استولى عليه الدولة الإسلامية واستخدموه كسجن مؤقت، وجدت نفسي مع عشرة أشخاص معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي وسمعنا كلمة واحدة هي (تسفير، تسفير)".

ويتابع "نقلنا من ناحية العلم الى قضاء الدور (25 كلم جنوب شرق تكريت ) ثم اودعنا في سجن تحت احدى العمارات السكنية يضم (96) معتقلاً جميعهم من اهالي العلم بقينا فيها اسبوع عانينا من الضرب والإهانة والتعسف والاتهام بالعمل بالضد من تنظيم الدولة الإسلامية وكانت الحراسة مشددة وقاسية والمكان مكتظ جدا".

ويتابع الجبوري "نقلنا بعدها الى منطقة الحويجة عبر حافلات ومن ثم الشرقاط ومن ثم القيارة لنستقر في مقر عمليات نينوى السابق والذي استخدمه التنظيم كسجن للتحقيق وكان من اقسى السجون، عانينا هناك من البرد القارص وقلة الطعام والزحام والمعاملة الخشنة والضرب، وعلى عجالة بسبب كشف السجن السري وخشية الاستهداف من قبل القوات الامنية تم نقلنا شمال الموصل في سجن عبارة عن سرداب تحت احد منازل المسيحيين قرب نهر دجلة وبقينا عدة أشهر فيه وكان أفضل السجون من حيث المعاملة وظروف السجن".

ويبين الجبوري طبيعة التحقيق والإدارة في تلك السجون بالقول "بما انك من سكان ولاية صلاح الدين حسب تقسيماتهم فيجب ان يكون المحقق والقاضي من الولاية نفسها حتى وان كنت مسجونا في ولاية أخرى، ولهذا كنا نتأخر عدة أشهر ننتظر لجنة تحقيقية وقاضيا للبت في قضايانا والتي كانت مدونة في سجلات عند اللجنة الأمنية للولاية، وهذا ما حدث بعد ستة اشهر فقد تمت محاكمتنا من قبل قضاة من صلاح الدين وقرروا الإفراج عنا وأطلق سراح 45 بينما لا نعرف مصير 46 آخرين اخذوا إلى جهة مجهولة".

آخر اتصال من الضابط في الشرطة طارق الفراجي المعتقل لدى تنظيم الدولة الإسلامية منذ فبراير/شباط 2015 اكد أنه بصحة جيدة وهو في تكريت ولم يصل بعدها أي خبر يؤكد مكانه او كونه حيا او معدوما.

وتقف أم طارق الفراجي (52 عاما) هي الاخرى صباحا ومساءً أمام منزلها في ناحية المعتصم جنوب سامراء املا بعودة ابنها الوحيد الضابط في الشرطة العراقية المعتقل عند الدولة الإسلامية منذ عامين، لكن الامل بدأ يتلاشى كون مقاتلي الدولة الإسلامية فاقوا كل المجرمين في استسهال القتل والمبالغة فيه.