التكامل الإسلامي الأوروبي .. حان وقته

بقلم: حسام شاكر

سارت عملية التكامل الأوروبي بخطى متثاقلة، لكنها واثقة بالذات. فالقارة التي انهمكت في إنجاز مشروع وحدتها منذ أواسط القرن الماضي أيقنت أنّ خيارها هو الانصهار في بوتقة واحدة، دون أن تتخلى عن عنصر التعددية الداخلية على صعيد الثقافات واللغات والقوميات.
وفي ظل هذا المشروع الذي بدأت ثماره بالنضوج؛ آن للمسلمين في أوروبا أن ينهمكوا في ترتيب بيتهم الداخلي. فالتطور الذي طرأ على عملية التكامل الأوروبي يفرض عليهم أكثر من أي وقت مضى أن ينسجموا مع هذه الوقائع المتجددة بتشييد الجسور فيما بينهم.
وعندما نتطرق إلى واقع المسلمين في أوروبا لا يمكننا أن نغفل التباينات الواضحة التي طبعت هذا الواقع من منطقة إلى أخرى. ففي الجزر البريطانية يكتسب الوجود الإسلامي ملامح آسيوية، وفي فرنسا له طابع مغاربي، وأما في المنطقة الناطقة بالألمانية فتبرز المسحة التركية، وليس بعيداً عن ذلك تبدو أوضاع مسلمي شرق أوروبا والبلقان بخصائصها الفريدة.
إنّ هذه العلامات الفارقة تضيف مزيداً من الأعباء على جهود التكامل الإسلامية في أوروبا، فالمأمول أن تجري الإفادة من الوجوه الإيجابية لهذه التعددية في الحياة الإسلامية في هذه القارة، والقفز على الفجوات البينية، العميقة أحياناً، التي تنشأ عنها.
وبينما تعلو نداءات "الاندماج" في المجتمعات الأوروبية، ينبغي التذكير إلى جانب ذلك بالحاجة الماسّة إلى ما يستدعيه الواقع من عملية "اندماج" موازية بين المسلمين أنفسهم، خاصة إذا ما لاحظنا أنّ عرى التواصل بين فئات المسلمين القومية واللغوية، فضلاً عن المذهبية؛ تبدو مقطّعة، وبحاجة إلى حياكة ماهرة تستلهم قيم الأخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى التي شدّد عليها الإسلام.
لقد شهدت السنوات الأخيرة بالفعل مبادرات تكاملية إسلامية، وبرزت تجمعات وحدوية تضم العديد من الجمعيات الإسلامية على المستوى القُطري أو القاري، ولكنّ ذلك التوجه بحاجة إلى مزيد من التطوير، خاصة باتجاه تفعيل الجهد التنسيقي العام الذي ينعكس أثره الحميد على مسلمي أوروبا ككل بأطيافهم المختلفة.
واضحٌ تماماً ما كشفت عنه الهجرة البلقانية المسلمة إلى غرب أوروبا في السنوات العشر الأخيرة. فمسلمو البلقان الذين لجؤوا إثر الحروب الطاحنة إلى مجتمعات غرب أوروبا أضافوا إلى الواقع الإسلامي في الشطر الغربي من القارة مسحة من الأصالة والثراء الثقافي، لكنّ قابلية الاندماج الداخلي بين المسلمين في المجتمع الواحد لم تكن مشجعة لخلفيات عديدة.
وعلاوة على ذلك؛ فليس مستغرباً أنّ المجتمع الأوروبي ذاته قد يتقبل فئات من المسلمين أكثر من غيرها من فئاتهم أيضاً، فالتيارات العنصرية في أوروبا تشدِّد النكير على هذه المجموعة اللغوية من المسلمين أو تعرب عن استيائها من تلك بشكل خاص، بزعم عدم القابلية للاندماج، أو تبعاً للسحنة السمراء التي لا يقبلها أقصى اليمين سوى في الملاعب الرياضية على ما يبدو.
فحسب منطق هؤلاء يمكن التفريق بين من يُوصَف بـ"المسلم الجيد" وبـ"المسلم البغيض"، بحسب الانطباع الذي تحمله الذاكرة الجمعية والخلفيات التاريخية في هذا القطر الأوروبي أو ذاك إزاء الأمم الأخرى.
لعلّ هذه المفارقة تعيد إلى الأذهان نمو ظاهرة كراهية اليهود في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، بعد هجرة أعداد كبيرة من "يهود القبعات السوداء" من شرق أوروبا. وبالمقابل فلم تكن ثمة مشكلة مع "يهود ربطات العنق" الذين يعيشون منذ قرون في غرب القارة. والأغرب أنّ بعضاً من "يهود الغرب" لم يكونوا ليشعروا بالارتياح إزاء التدفق اليهودي من الفناء الخلفي للبيت الأوروبي على مجتمعاتهم.
إنّ مساعي الاندماج الإيجابي في المجتمعات الأوروبية ستحظى بزخم قوي مع تفعيل "الاندماج الداخلي" بين مسلمي أوروبا، سواء في البلد الواحد، أو على مستوى القارة التي انفتحت حدودها في السنوات الأخيرة على آفاق واعدة من التواصل والتداخل.
ولا ينبغي أن يتنصّل المسلمون من التعددية التي تطبع وجودهم، وإنما يتوجب عليهم أن يلتفتوا إلى جوانبها الإيجابية فيفيدوا منها بدلاً من أن تبعث انعكاساتها السلبية على التنافر والشقاق.
بل إنّ هذه الفسيفساء التي يقوم عليها الوجود الإسلامي تحمل دروساً إنسانية وحضارية بوسع أوروبا أن تستلهم مغزاها، كما أنها فرصة لامتزاج الثقافات والخبرات والتجارب بين المسلمين، بما يعين على قيامهم بدور فعال في مرحلة جديدة.
ولا جدال أنّ فرص تحقيق التكامل الإسلامي في أوروبا تبدو أوفر حظاً بالنسبة للأجيال المسلمة الصاعدة، ما يعني أنّ ظاهرة الانكفاء على الذات، التي عرفها الجيل الأول المهاجر، مرشّحة للضمور بالتدريج، فهل سيكون ذلك لصالح بروز المشترك الإسلامي؟!.
إنّ تمكين ناشئة المسلمين من التعايش الداخلي المشترك، بغض النظر عن اللون أو القومية أو لغة الآباء؛ ليس أقل من أولوية هامّة ينبغي أن تلتفت إليها المؤسسات الإسلامية الأوروبية. وينبغي الاستجابة لهذا التحدي، إلى جانب تهيئة الأجواء للاندماج الإيجابي في المجتمعات الأوروبية ذاتها.
بل يتوجب، زيادة على هذا؛ التماشي مع نزعة الشباب للانطلاق عبر المسافات؛ بالتواصل مع الواقع الإسلامي في الأقطار الأوروبية الأخرى. ومما لا شك فيه؛ أنّ حشد الشبيبة المسلمة من أرجاء أوروبا، ضمن برامج وفعاليات مثمرة؛ سيكون خطوة فعّالة في هذا الاتجاه، فلا ريب في أنّ هذه الشريحة هي عنوان المستقبل .. الذي نأمل أن يكون مشرقاً. (آفاق أوروبية) حسام شاكر