التقوقع أو الهروب <br> حكاية مواطن سوري في زمن الثورة

يدخل مصطفى السجن بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، ربما كانت لحيته الكثيفة أحد أسباب الشك به، رغم كونه مسيحياً، بعد أحداث الثمانينات في حماة، كانت الاعتقالات والإعدامات في سورية على أشدها، وكان مصطفى أحد الأشخاص قليلي الحظ الذين فوجئوا بالاتهامات الموجهة إليه، وفي داخل السجن المعتم وجد نفسه وجهاً لوجه مع ممثلي التيار المتهم بالانتماء إليه، مجموعة من الشبان الملتحين ينزوون على أنفسهم، يتلون الآيات ويبشرون بالجنان.

يوماً بعد يوم أخذ الشبان الملتحون يوجهون غضبهم وحقدهم تجاه مصطفى، حيث وجدوه شخصاً لا يشبههم، بل انتشرت في أوساطهم شائعة كونه ملحداً وكافراً ويجب التخلص منه، عانى مصطفى مرارة السجن وعذابه بشكل مضاعف، مرة على يد الدولة الظالمة ومرة أخرى على يد المجموعات المتحكمة بالسجن وأفكارها المتطرفة، فما كان منه إلا أن تقوقع على جسده منزوياً داخل بطانية معتمة ليس فيها سوى ثقب صغير للتنفس ورؤية ما يجول في السجن، مستمراً في محنته وآلامه، هو الذي بحث عن الحرية وناضل في سبيلها وكانت سبباً في وضعه المأساوي في سجن النظام.

اصطدم بالواقع المفجع الذي وجده في السجن، واقع العقلية المتعصبة الرافضة للآخر، فكانت روايته القوقعة إحدى أجمل الروايات التي فضحت العقلية الديكتاتورية للحكم وأساليبها القمعية في التخلص من معارضيها كما بينت العقلية المتخلفة للمتشددين الإسلاميين الذين يرفضون الحوار والقبول بالآخر وهم الذين يحاربون الطغيان.

أجل ما أشبه الوضع في سوريا اليوم بما عاناه مصطفى في سجنه، لقد تحولت أغلب المدن السورية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين المجموعات المسلحة المتناحرة في سبيل السيطرة وإخضاع الساكنين لإيديولوجيات متطرفة بعيدة عن العصر وبقوة السلاح.

من القامشلي إلى حمص مروراً بدير الزور والرقة وحلب، تتصارع الجماعات والنظام وكل من منطق الشرعية والأحقية بحكم الشعب، هذا الشعب الذي بات أشبه بجثث متحركة بعد أكثر من سنتين من المعاناة والألم والتعب النفسي والعوز الاقتصادي، باسم الثورة والتغيير وتسيير شؤون المناطق الحرة أقيمت المحاكم الشرعية والمحاكم الثورية ومحاكم الشعب لتقاضي وتحاسب من يخالفها الرأي، من فوهة الكلاشينكوف بات نشر الأفكار والإيديولوجيات والتبشير بالمستقبل الزاهر، المستقبل الذي سيفضي إلى مدن بلا سكان، أطفال بلا أمهات، وأمهات بلا أزواج، تراب برائحة الدم وهواء برائحة السارين وماء عكر مليء بالعفن وحكايات الموت، التقوقع الذي يعانيه أغلبية السوريين، بات الحقيقة الواضحة والمتجسدة في ملايين الصرخات التي تطالب بحل سياسي، بات الإنسان العادي يبحث عن علبة دواء يسكن ألم طفله المصاب بالسرطان والحائر، الى أين يأخذه في ظل انقطاع كل الطرق المؤدية إلى المدن الكبيرة؟

بات الإنسان السوري البسيط يحتار في تأمين رغيف الخبز بعد أن باتت الليرة السورية بلا قيمة وبات الدولار يتحكم في كل شيء، يا ترى هل فكر الأوروبيون حينما أفتوا بضرورة رفع الحظر على السلاح وإبقاء الحصار على دخول الغذاء والدواء؟ هل فكروا بملايين السوريين الجوعى أو هل يعتقدون بأن الحصار الاقتصادي سوف يؤدي إلى سقوط النظام؟

لقد جرب الغرب كل هذا في العراق وبقي صدام عشر سنوات فيما مات أكثر من مليون عراقي من قلة الدواء والغذاء رغم وجود برنامج النفط مقابل الغذاء، في سوريا لا يوجد حتى هذا البرنامج.

الحصار الاقتصادي الخارجي، والحصار العسكري الداخلي الذي يفرضه النظام القمعي، إضافة إلى الممارسات الظالمة التي تتبناها المجموعات المسلحة واستغلالها لطرق التهريب وفرض الضرائب والإتاوات على كل سلعة يشتريها المواطن العادي، كل هذه العوامل تدفع اليوم بأكثر من عشرين مليون سوري إلى البحث عن وسائل للهروب من الموت جوعاً وكمداً، والتقوقع داخل غرف مظلمة صغيرة منتظرين مسلحاً يدخل ليحتل بيوتهم أو صاروخاً غادر يسقط من طائرة النظام لتحيلهم وبيوتهم إلى ركام وذاكرة وطن يمحى شيئاً فشيئاً، أو ربما انتظار قدر لم يتبلور بعد في الغرب لشرق أوسط قادم من وسط الموت والفوضى والجثث المتعفنة في الطرقات وفي ساحات الحرية المبتورة.