التقرير الأممي ومشكلة الفقر في العراق

بقلم: طالب الرماحي

بصورة عامة لا تخشى الشعوب من زيادة السكان، فهذه السنة الكونية جعل الله لها حلولاً، وثقتنا بالخالق تجعلنا نجزم أن الله يخلق العبد ومعه رزقه، إلا أن الخشية من الإنسان ذاته الذي لا تملأ عينيه إلا حفنة التراب، فهو نهم شره ليس لطمعه حدود، ويحزننا أن نرى نماذج صارخة لذلك النهم في الحكومات السابقة وبشكل أحدث صدمة لكل المراقبين في الشأن العراقي ما بعد سقوط النظام السابق.
ليس ثمة ما يضع حدود لذلك الطمع في عصرنا هذا إلا وضع القوانين التي تعطي كل شيء حقه، وتكبح جماح من يتعدى على حقوق غيره بإرساله للقضاء والمعاقبة، وهذا ما فعلته الشعوب الغربية ونجحت فيه، بل حتى الشعوب الشرقية كالهند والصين وضعت ضوابط معينة تخفف من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
في تقرير أخير لمكتب الأمم المتحدة للإسكان أكد أن عدد نفوس العراق سوف يتضاعف خلال العشرين سنة القادمة، وأن ما يثير القلق أيضا أن التقرير أشار إلى أن ما يقرب من ربع الشعب العراقي يعيشون تحت خط الفقر، وأن ما يجعلنا نعيش الكثير من هواجس الخوف أننا وبعد سبع سنوات من سقوط النظام السابق، لم نر أي تقدم في محاربة الفقر ولم نشهد أي تغيير مشجع لتطور الخدمات الأساسية، كما أن البطالة متفشية ونصف أبناء العراق لا يملكون دور سكن، وهذا يعني أن من تولى مسؤولية الشعب العراقي السياسية خلال السنوات السبع الماضية لم يمتلك مصداقية رجل الدولة الذي يضع هموم الناس والوطن في المقدمة، ولم يمتلك الكفاءة في قيادة الشعب، بل لم يمتلك برنامجا محددا يعالج به مشاكل البلد أو يضع خطط إستراتيجية مستقبلية تعالج المشاكل المتوقعة.
وكل المؤشرات التي نعيشها الآن تدل على أن السياسات الماضية كانت ارتجالية فوضوية، وأن الوزارات كانت وما زالت تعمل بشكل عفوي من غير خطة مرسومة خمسية أو عشرية بل وحتى سنوية، ولعل من أكبر الأدلة على ذلك هو غياب الحسابات الختامية لكل الوزارات بل وحتى للحكومة، وغياب مثل تلك الحسابات الختامية الدقيقة لواردات ومصروفات الحكومة تدلل - وهذا ما يؤكده الخبراء في التخطيط والميزانية والحسابات - على عدم وجود خطط تنموية أو خطط عمل علمية تسير عليها الحكومة أو الوزارات، وكما تفعل كل دول العالم المتقدمة ودول العالم الثالث.
لقد أكد الكثير من العاملين في الوزارات حقيقة أن الوزير لا يعلم ما يحصل خارج غرفته، وأن ليس له سلطان على أي من الموظفين العاملين معه، وأن أداء غالبية الوزارات، من المسؤولين الكبار وحتى أصغر موظف، هو عمل رتيب روتيني، لا يفكر فيه الموظف في طبيعة الإنتاج بل هو عملية حرق للزمن وانتظار استلام الرواتب والتي غالبا ما تكون خيالية.
قد يبدو الأمر طبيعيا للجهلاء ممن يتولون مناصب كبيرة في الدولة، وقد يخفى الأمر بأبعاده الخطيرة عن عامة الناس الذين لا يفهمون تداعيات غياب الكثير من القوانين والإجراءات التي يجب أن تقدم عليها الحكومة لتنظيم عملية إدارة وزاراتها حسب ما تمليه الأعراف الحكومية الدولية في عصر التقدم السريع والمسابقة الاقتصادية المحمومة. ولذا فإن جهل المسؤولين وعدم اكتراث العامة من أبناء الشعب، وصمت المخلصين أو عدم قدرتهم على التأثير بسبب المشهد السياسي السلبي، سوف يؤدي إلى ظهور أزمات اجتماعية مفاجئة، تؤثر بشكل خطير على كل مفاصل الدولة وتقلل من قابليتها في وضع الحلول، وهذا يعرض الطبقات الفقيرة من أبناء الشعب إلى معاناة إضافية ويزيد من عمر المشاكل إن لم يجعل تلك المشاكل عصية على الحل.
إن التقرير الأممي الأخير، ايقظ في دواخل الشرفاء من الأمة ضرورة الإسراع في تشخيص الأسباب الرئيسية التي أدت إلى عدم اكتراث الدولة بالمشاكل القائمة أو المتوقعة، ونحن نعتقد أن بعض الأسباب هي :
أولاً: قلة إخلاص المتصدين لإدارة الدولة وتغليب المصالح الحزبية والذاتية على المصالح العامة، فغياب الشعور بالمسؤولية وقلة الإحساس بآلام الطبقات المسحوقة، يدفع أولئك المتصدين إلى عدم التفكير الجدي بإيجاد حلول ناجعة لأغلب المشاكل.
ثانياً: قلة كفاءة المتصدين في المجالات التي يعملون بها، فجهل الموظف بطبيعة عمله يقلل من اهتمامه بتطور العمل، فيتحول إلى مستهلك فقط، ويشغل مكانا كان الأجدر بالكفء أن يشغله، ونحن نعلم أن مناصب رفيعة وحساسة في الدولة يشغلها أميون وجهلاء بطبيعة مسؤولياتهم، وفشل غالبية وزاراتنا في تقديم الحد الأدنى من المشاريع التي ينبغي أن تقدمها للمواطن، هو دليل على هذا الأمر.
ثالثاً: اهتمام الأحزاب والكتل السياسية الحاكمة بمستقبلها السياسي وتثبيت مواقع لها في الحكم، جعلها تفكر بجمع الأموال بشكل غير شرعي، لضمان المستقبل، وعلى حساب آلام وآمال الفقراء والمعدمين من أبناء الشعب، وهناك أدلة تثبت تورط الأحزاب بمشاركة الوزراء المفسدين والمرتشين في سرقاتهم، وبذلك تم امتصاص ميزانية الدولة من قبل الأحزاب، وبدل أن تذهب لبناء مشاريع تنموية فإن تلك الأموال ذهبت لحسابات الأحزاب في الخارج، وتهرب الحكومة من تقديم ميزانية ختامية لوزاراتها من المؤشرات على حصول مثل هذه الجريمة.
رابعاً: ضخامة الرواتب التي يتقاضاها الوزراء ووكلائهم وأعضاء البرلمان ومنتسبو الوظائف الخاصة، كان وما يزال له الأثر الكبير في خلق طبقية اجتماعية يرفضها الخلق الإنساني والديني، علما أن الرواتب التي يتقاضاها موظفي الدولة الكبار هي الأعلى في العالم.
خامساً: تفشي الفساد وسرقة المال العام، وأن المبالغ الكبيرة التي يتقاضاها الآلاف من منتسبي الأحزاب وموظفي الوزارات (كعمولات) لإرساء المناقصات على شركات خاصة، شكلت النسبة الأكبر من الأموال العامة التي تذهب إلى الجيوب الخاصة وحسابات بعض الأحزاب. ولا ننس أن نذكر أن هذه الممارسات أصبحت حديث الشارع العراقي.
ولوضع حد لكل هذه المشاكل وتداعياتها المستقبلية، يجب أن يعاد النظر في الصلاحيات الممنوحة للأحزاب الحاكمة في توزيع المناصب والوظائف، وأنا أعتقد أن الأمر ليس هينا في الوقت الحاضر لهيمنة تلك الأحزاب على المشهد السياسي، ولذا فنحن في حاجة إلى وعي جماهيري، يمكن من خلاله الضغط على الأحزاب بفتح المجال أمام الكفاءات المستقلة لتولي المسؤوليات المهمة وإبعادها عن عناصر الأحزاب الجاهلة وغير الكفوءة والتي تفتقد للإخلاص. كما أن مشروع مجلس الخدمة الوطني ربما يعتبر الخطوة الصحيحة الأولى في طريق تحقيق هذا الهدف، على أن يكون منتسبو المجلس جميعا من المستقلين ومن العناصر الكفء. كما نقترح ما يلي :
أولاً: تشريع قانون الأحزاب، والتأكيد على فقرات تمويلها ووضعها تحت الرقابة المالية وإجبارها على تزويد السلطات المتخصصة بالكشوفات الواضحة بمصادر تمويلها، من أجل قطع الطريق عليها في أن تجعل المال العام مصدر تمويل نشاطاتها الإعلامية أو الانتخابية.
ثانياً: وضع سقف لرواتب المسؤولين الكبار وبقية الموظفين، للقضاء على الفوارق الطبقية، واحترام مشاعر الطبقات المسحوقة، ومحاولة رفع مستواها المالي والاجتماعي والصحي.
ثالثاً: إقامة حملة للقضاء على مظاهر الفساد والسرقات وهدر المال العام، ويتولى ذلك مؤسسات مستقلة تدعم نشاطاتها من الخزينة العامة، وعدم فسح المجال لأي الأحزاب من التحكم بتلك المؤسسات.
رابعاً: مطالبة الحكومات السابقة بتقديم حسابات ختامية واضحة تثبت بها المصروفات، لمعرفة قيمة الأموال المهدورة، وأن تشمل تلك الحسابات جميع الوزارات والمؤسسات التابعة للحكومة، على أن يشرف على دراسة تلك الحسابات خبراء مستقلون يتصفون بالنزاهة والكفاءة.
خامساً: الاهتمام بوزارة التخطيط، وباستقلاليتها عن كل الأحزاب الحاكمة، وتطعيمها بالخبراء والكفاءات العلمية، من أجل وضع خطط آنية ومستقبلية لبناء البلد، وتشكيل لجان تخطيط مستقبلية بعيدة الأمد، لمواكبة التقدم الحضاري في البلدان الأخرى، ووضع مقترحات للأزمات المستقبلية المتوقعة.
فالعراق وحسب ما ورد في التقرير الأممي سوف يصبح عدد السكان فيه أكثر من 60 مليون نسمة، وهذا يعني أننا بحاجة إلى جهود استثنائية للتعامل مع الأزمات التي يعاني منا العراق، ومن حالة الفقر المدقع الذي ينشر بظلاله القاتم على شعبنا المظلوم، وبغير القضاء على تلك الأزمات خلال السنوات القادمة يضع العراق على أبواب كارثة أكيدة، بيد أن علينا أن ندرك، أن تلك الأزمات لا يمكن لها أن تحل إلا من خلال الشرفاء والمخلصين من أبناء العراق. طالب الرماحي