التفلسف خلخلة واقتلاع لجذور البداهات

عزالدين الخطابي يتساءل: بأي معنى يمكن اعتبار الفلسفة نموذجاً للفكر المتسم بتنوع وتعدد واختلاف الآراء والمواقف؟


الباحث المغربي يتتبع ويرصد أبرز المحطات الفكرية وسبل ومسارات الفلاسفة في الفترتين الحديثة والمعاصرة 


الفكر ينخرط في عملية التساؤل للتخلص من صنميّة الحقائق المطلقة

يسعى الباحث المغربي المتخصص في الفلسفة والانثروبولوجيا د.عز الدين الخطابي في كتابه "سبل ومسارات فلسفية" إلى الإجابة عن سؤال إشكالي مركزي؛ هو: بأي معنى يمكن اعتبار الفلسفة نموذجاً للفكر المتسم بتنوع وتعدد واختلاف الآراء والمواقف، وأيضاً نموذجاً للثقافة الديمقراطية المدافعة عن قيم الاختلاف والحق والتقدم والتسامح؟ 
لمعالجة هذه الإشكالية، حاول المؤلف تتبع ورصد أبرز المحطات الفكرية وسبل ومسارات الفلاسفة في الفترتين الحديثة والمعاصرة على وجه الخصوص، عبر عرض لأبرز القضايا المهتمة بالقيم المذكورة والمدعمة لثقافة الحوار القائمة على فكر الإنصات لقول الآخر المختلف، والعمل على التفاهم معه أو الاعتراض عليه، في إطار تبادل حر ومتكافئ للأفكار. 
يرى الخطابي في الكتاب الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود أن فعل التفلسف اتّخذ مساراتٍ متنوّعة وغنيّة اقترنت بالمساءلة والاستشكال والنقد؛ فالتفلسف، كما هو معلوم، عبارة عن ممارسة فكرية يقوم فيها العقل بالتخلي عن كلّ أشكال الاعتقاد الدوغمائي، وبمتابعة البحث عن معنى وقيمة الحقائق، ونقد كلّ الأحكام المسبقة والمسلمات التي تدّعي الإطلاقية. فمن خلال النقد تبرز نسبيّة الحقيقة وقابليتها للتكذيب والتجاوز. 
ويشير إلى أن التفلسف هو، أيضاً، خلخلة واقتلاع لجذور البداهات، حيث ينخرط الفكر في عملية التساؤل للتخلص من صنميّة الحقائق المطلقة. بذلك، تتميّز عملية التفكير في الفلسفة باتباع سبل متنوّعة تسمح بالانتقال من بادئ الرأي "الدوكسا" إلى المعرفة "الإبستيمي"، أو، لنقل، من الأحكام المسبقة والجاهزة إلى المساءلة النقدية لمختلف الحقائق. 

philosophy
عزالدين الخطابي

وقد اتّخذت عمليات النقد في الفكر الفلسفي المعاصر تسميات عديدة مثل: الهدم والتقويض والمجاوزة والجنيالوجيا والأركيولوجيا والتفكيك. هكذا، وعلى سبيل المثال، سيُعدُّ مسار نيتشه "جنيالوجياً"؛ لأنّ هذا الفيلسوف لم يتوانَ، خلال مساره الفكري، عن فضح أوهام الميتافيزيقا والكشف عن أصولها. 
ويضيف الخطابي أن بصمات نيتشه وتأثيراته بطبيعة الحال، ستبدو واضحةً على أعمال المفكرين اللاحقين، ونخصّ بالذكر منهم مفكري الاختلاف، كما هو الشأن بالنسبة إلى فوكو وحفرياته المتعلقة بتاريخ المؤسسات الحديثة، أو هايدغر وتقويضه الأسسَ الأنطو ـ ثيولوجية للميتافيزيقا الغربية، أو دريدا وتفكيكه استراتيجياتِ هذه الميتافيزيقا. وستسمح هذه السبل والمسارات الفلسفية ببروز تصوّرات جديدة منتقدة لمركزية العقل ولكل النزعات المركزية الأخرى "العرقية والثقافية واللسانية... إلخ"؛ وهي تصوّرات داعية إلى بناء عقلانيات جديدة حجاجية وتواصلية "هابرماس، أبيل"، وإلى بلورة نقاش نقدي لا يقدّم أبداً أجوبة نهائية "بوتنام، رورتي"، وإلى تأسيس جديد للفكر الأخلاقي "ليفيناس" وللفكر السياسي "راولز"، وللنقد الأدبي "بلانشو"، والفني "دولوز".
ويلفت إلى أن هذه التوجهات قد مكّنت من الانفتاح على آفاق فكريّة خصبة ومتنوعة، ومن طرح أسئلة نقدية يتداخل فيها ما هو معرفيّ بما هو أخلاقي وسياسي وحقوقي، مثل سؤال الأخلاق، وسؤال العدالة، وسؤال الاختلاف، والديمقراطية، وحقوق الإنسان... إلخ. 
هي، إذاً، سبل ومسارات متنوّعة حاول الخطابي الإحاطة ببعض جوانبها في هذا العمل الذي وزّعه على خمسة فصول وملحق جاءت كالآتي: المنهج في الفلسفة - حجاج الفلسفة وبلاغتها - سبيل النقد - سبيل الحق - سبيل التقدم - ملحق: مسارات نيتشه. مؤكدا بأنّ الفلسفة نموذجٌ للفكر المتّسم بتنوع وتعدد واختلاف الآراء؛ وهي أيضاً نموذج للثقافة الديمقراطية التي يسعى كلّ مثقف غيور على مستقبل بلده نحو المساهمة في بنائها.