التفكير الآمن!

اعتدنا على خوض السجالات السياسية انطلاقاً من تعدد موجود في الواقع. نختلف، نتفق ولا يخلو الامر من حدة تفسد الخلاف وتحوله الى شيء عبثي. الحدة والعبثية ناجمتان في معظم الاحيان عن فقدان المعايير الموحدة، فهناك معيار متطرف للوطنية يشطب عدداً كبيراً وفئات واسعة من الخندق الوطني، وهناك معيار آخر يعمل العكس.
عندما يتعرض السجال لقضايا اجتماعية يكون الوضع اصعب وأكثر تعقيداً. فنحن لم نعتد السجال في مشاكل مجتمعية، ولم نتدرب على ذلك. علماً ان قضيتنا الوطنية تحتاج الى معالجة القضايا المجتمعية بجرأة وحزم من أجل تعزيز مناعة المجتمع. فالمجتمع المريض لا يستطيع الاستمرار في الصمود والمقاومة والاقتراب من تحقيق أهدافه الوطنية. هذا ما قاله رواد الفكر الفلسطيني أمثال روحي الخالدي وخليل السكاكيني في اوائل القرن الماضي. وبناء عليه وضعوا مهمتين مترابطتين، الاولى: تفكيك المشروع الخارجي المعادي (مقاومة المحتل). والثانية: مكافحة التخلف وكل عناصر ضعف المجتمع بجرأة ومسؤولية وحزم (مقاومة الذات).
في غياب طرح القضايا المجتمعية ضمن منهج دائم للتغيير والتطوير، يتكشف ضعفنا ونبدو مرتبكين اكثر ونتلعثم عندما نفاجأ بطرح مشكلة اجتماعية ما. والدليل على ذلك، السجال الدائر حول دور "البيت الآمن" الذي طرح قبل اسبوعين من قبل الصحافية امتياز المغربي وما زال يتفاعل حتى الآن.
اللافت للنظر في كتابات امتياز المغربي وردودها هو: الإنكار الكامل لوجود مشكلة اسمها "العنف ضد النساء والفتيات في المجتمع الفلسطيني". الانكار الكامل لظاهرة العنف ضد النساء يحول المشكلة الى وزارة الشؤون الاجتماعية ووزيرتها، وقسم حماية الاسرة التابع للشرطة، ومركز إيواء (محور) او البيت الآمن ومجموعة الاعلاميين الذين لهم رأي آخر. فهؤلاء جميعاً متهمون باختلاق المشكلة. الوزيرة تفرض على البنات شهادة مزورة: يجب ان تقلن ان هناك اعتداءً جنسياً. ومشرفات يقمن بتحريض الفتيات ضد أهلهن، ويشجعنهن على إطلاق الاكاذيب.. ورئيسة قسم حماية الاسرة ترهب الاهالي باسم قوة القانون. جميع هؤلاء... عصابة هدامة تستدرج الفتيات الى مكان يتاجر بأعراضهن من اجل اليورو! ورسم صورة سلبية للسلطة! والأسوأ هو إغراق البنات في الانحلال وإلغاء شرف العائلة والمرأة والمواطن... وتشتيت الاسر التي قدمت بناتها وأبناءها شهداء وأسرى من أجل الكرامة والحرية! وكل هذه الاتهامات أطلقتها امتياز المغربي..
اتهامات خطيرة جدا، لا يوجد ما يسندها من أدلة وبراهين، وهي متعاكسة مع النصوص الدينية اولاً، ونصوص قانون المطبوعات، ومدونة السلوك، والقانون الاساسي، إضافة لشرعة حقوق الانسان واتفاقية عدم التمييز ضد المرأة ثانيا. المشكلة هنا لا تتعلق بأسلوب تعبير خاطئ او رد فعل متسرع، او محام فاشل يدافع عن قضية عادلة، المشكلة هي بإطلاق اتهامات لا حصر لها، وبإصدار أحكام قاطعة مانعة انطلاقاً من فوضى المعايير التي قد تلغي ابسط القواعد والانظمة والقوانين وتستبدلها بشريعة الغاب، والتي لا تحترم عقل القارئ او المستمع..
احترام القانون والناظم الاخلاقي وعقل القارئ لا يعني حرمان امتياز وغيرها من الاعلاميين من نقد المؤسسات والمسؤولين، وفتح ملفات لها علاقة بالفساد وبالاخطاء والتقصير والاستخدام الشخصي للوظيفة الحكومية. إن ما نحتاجه هو حضور النقد والرقابة والمساءلة على اسس ومعايير ديمقراطية وشفافة، وليس بمنطق فوضى المعايير. للأسف لم تطرح امتياز اي نقد ملموس على المؤسسات المتهمة، بل كالت سيلاً جارفاً من الاتهامات تكفي واحدة منها لاحتجاز المتهمات وتقديمهن للمحاكمة بأسرع وقت ممكن.
لماذا انكرت امتياز وجود عنف داخل المجتمع، ولم تقر بوجود حالة واحدة من اللواتي ذهبن الى(البيت الآمن) بسبب العنف، لم تقل لماذا انتحرت الفتاة داخل (البيت الآمن). وتحدثت فقط عن محاولات تصنيع او انتاج للعنف فيما يشبه تخييلات لا وظيفة لها سوى السكوت على العنف المادي والرمزي داخل المجتمع.
ان واحدة من كل ثلاث نساء في العالم تتعرض للعنف، والمجتمع الفلسطيني يعاني من مشكلة العنف ضد النساء بأشكاله المختلفة النفسي والجنسي والجسدي والسياسي. النساء يتعرضن مع الرجال الى قمع الاحتلال ويتعرضن وحدهن لقمع المجتمع. تقول احصائية الجهاز المركزي للاحصاء ان 52% تعرضن لعنف نفسي، و25% تعرضن لعنف جسدي و11% تعرضن لعنف جنسي. وهناك 308 حالة انتحار في العام 2009، و34 محاولة انتحار لنساء في الشهر الاول من العام 2010. اما قتل النساء على خلفية ما يسمى بالشرف يتجاوز العشرين جريمة ضمن المعدل السنوي.
كما نرى ظاهرة العنف ضد النساء في العالم وفي المجتمع الفلسطيني موجودة دون افتعال من احد، ويتبدى الاختلاف من مجتمع لآخر في مستوى الاعتراف واختراق جدار الصمت، وفي مدى التوعية والتوقف عند الاسباب والدوافع، وفي وضع منظومة من القوانين الحامية للمرأة، وفي وجود هياكل حماية وإعادة تأهيل وبناء. ان إخفاء العنف وممارسة الصمت إزاء الانتهاكات هو عنف، والدفاع عن العنف وتشجيع الضحايا على الصمت هو عنف، وعدم اللجوء الى سلطة القانون هو عنف. إن أسوأ انواع العنف هو اشتراك الضحية والجلاد في موقف واحد يبرر ويقبل التمييز والقهر والعنف. واقسى انواع العنف هو ثقافة العنف السائدة داخل المجتمع التي تعني مصادقة المجتمع على العنف.
للاسف، يمكن الزعم بأن نفي امتياز المغربي للظاهرة يندرج في الخانات السابقة، مثل إخفاء العنف، وتشجيع الضحايا على الصمت إزاء الانتهاكات، ومقاومة العلاج وبخاصة رفض وجود هياكل حماية وإعادة تأهيل.
بقي القول، انه ليس من حق اي صحافي عدم احترام عقول القراء وعقول الزملاء والزميلات من الاعلاميين على وجه خاص. فعندما تتهم "مديرة المركز بترك علامة فارقة في يدها لكي تتأهل لادارة مكان يتاجر بأعراض النساء"، ويتبين فيما بعد ان العلامة الفارقة هي بفعل رصاص الاحتلال حسب اقوال صحافية ميدانية، وان المكان ليس للاتجار كما تقول شهادات زملاء وزميلات في حقل الاعلام. هل يجوز عرض معلومات غير موثوقة؟
وعندما تتهم ماجدة المصري "ببذل كل جهدها لايصال الفتيات الى بيت العنكبوت لكي يقعن في فك الافتراس"!! والكل يعرف ان ماجدة المصري قبل ان تصبح وزيرة هي مناضلة نسوية مشهود لها بالانحياز لتحرر المرأة، وبمصداقيتها ودأبها وتفانيها في العمل من أجل تحرر المجتمع نساءً ورجالاً، وكل ذلك وضع هذه المرأة ضمن اهم رموزنا النسوية، فإذا أردنا تسمية أهم عشر نساء تركن بصمات قوية في النضال النسوي التحرري فإن السيدة ماجدة هي واحدة منهن. إن تشويه الرموز يسيء الى عقولنا والى تاريخنا قبل كل شيء. ختاما دعونا نفكر بشكل آمن انطلاقا من معايير تحترم التعدد والعقل معا. مهند عبدالحميد
رام الله – فلسطين المحتلة