التفجيرات والعراق

بقلم: د.مراد الصوادقي

التفجيرات، هل يحسبونها الوسيلة الأقصر والأسهل لمصادرة شعب وتمزيق وطن، باسم السعادة الديمقراطية والرفاهية التي ينعم بها الذين لا يذرفون دمعة واحدة على البلد، الذي ينزف فيه الإنسان روحه وعمره وسط أهوال العناء والمقاساة الظالمة، وفي ظروف يتم إغفالها والتغاضي عنها وتضليلها وتجاهلها وإلهاء الناس بأمور أخرى.
التفجيرات، هل غدت وسيلة انتخابية وطريقة لاستعراض العضلات للأحزاب والفئات المتصارعة والساعية إلى تحقيق الرغبات الأنانية على حساب حقوق الله وعباده المقهورين بالويلات. ولأن الجريمة تمر بلا عقاب وتسجل دائما ضد مجهول، فقد تكون أحسن وسيلة للوصول إلى الهدف المطلوب، وبتفجيرات متواصلة دون أي ضمير أو إحساس بالعراقي، الذي أصبح في نظر الفاعلين وأعوانهم ومَن شابههم رقما بلا قيمة أو معنى.
التفجيرات، قد تكون للتغطية على جرائم حصلت وأخرى تحصل في وقت التفاعل مع الحدث المروع، أو على مشاريع وتحضيرات وعمليات كبرى ومداولات. وربما هي وسيلة حكم والمعبر الأمثل عن ديمقراطية الأحزاب والمنظمات والعصابات التابعة للطامعين بالبلاد والعباد واللاهثين وراء آبار النفط وامتلاكه حتى آخر قطرة ممكنة.
التفجيرات، ربما صارت هي الترجمة المطلوبة للديمقراطية المباركة على أنها سيارات مفخخة يتم تفجيرها عن بعد وفقا لأحدث التقنيات التكنولوجية، وعندما تسأل عن الفاعل، يكون الجواب بأنه لا يمكن معرفته، فكل جريمة ترتكبها الضحايا. وهل أن الجريمة الجديدة نجمت عن تفاعلات حزبية طائفية وغيرها، حاولت أن تغطي على جريمة بشعة قريبة وتلغيها من أذهان الناس باستحداث جريمة أخرى أكبر منها، ففي عالم الإجرام المطلق الجريمة تتستر على الجريمة. فإذا أردت أن تدافع عن جريمتك وتطمسها فعليك القيام بجريمة أفظع منها لكي توجه أنظار الناس إليها، فينسون الجريمة الأولى وهذا أسلوب قديم ومعروف. وما دام الفاعل مجهول دوما فأن عليه أن يمارس دوره ويحقق أعظم المكاسب على حساب نزيف الأبرياء وأحزانهم ومصائبهم التي لا ينظر إليها أحد.
التفجيرات، عندما تحقق جريمة كبيرة ومدوية لتبتلع جريمة سبقتها، فهذا يعني أن مسلسل الجرائم سيتواصل وبعنفوان، لأن الجهات المريضة المصابة بذهان السلطة وهوس القوة تريد أن تعبر عن أوهامها بأغلى الأثمان. ولا يمكن لمرهون بالآخرين ومأسور بإرادتهم أن يتمكن من الكشف عن المجرمين، لأن في ذلك تهديد مروع لوجوده. وبهذا فان الجميع أصبحوا متفاعلين لكي يحققوا رغباتهم الشخصية ويمعنوا في السلب والنهب والثراء، فيحسبون أن مالهم سيخلدهم وأن لم يرهم أحد.
التفجيرات، تمنح الجهلاء والتابعين مسوغا للتفسير الطائفي للأحداث، فالعقلية الفاعلة في الواقع والمؤثرة في مسيرة الأيام الدامية طائفية الطباع والنوايا، وتبحث عن ذرائع لكي تتمسك بهذا المرض الخطير وتقاوم أي علاج له. فتتبع أساليب إسقاطية وتبتعد عن التصدي العلمي المدروس للجريمة برغم توفر الإمكانات والطاقات. ولا يعقل ذي عقل أن كل الثقل الاستخباري العالمي المحتشد يعجز عن معرفة القائمين بالجرائم. ويتم تشغيل ذات الأسطوانة المشروخة، والتمسك بذات القميص الذي ترمي عليه بالأسباب. ولماذا تلجأ بعض القِوى والأحزاب إلى التفسير الطائفي السلبي، ألأن هذا ما يحقق مطامحها وغاياتها الخفية التي تتجه نحو أحلام مريضة وأهداف سيئة لا تريد بالبلاد خيرا وتضمر للدين شرا.
التفجيرات، جرائم يتم الإعداد لها في مختبرات السوء المتطورة وتستند على نظريات وأبحاث واستنتاجات من جرائم سابقة، ولا يمكن لمواطن أن يقوم بها إلا إذا تم مصادرة عقله وتصنيع نفسه وغسلها وحقنها بمولدات الشر الأسود. وغايتها الأساسية هو أن تتحقق حرب أهلية لا تنتهي إلا بعد أن تنتفي الحاجة للنفط. وليعي مَن يعي وليبقى متجاهلا مَن يريد. ويبدو وفقا للقراءات العميقة أن حدثا جللا ربما سيحصل عن قريب ليجعل الناس تفتك ببعضها وبدينها فتكا عجيبا.
التفجيرات، جرائم مدروسة لترسيخ إرادة الانتقام والبغضاء وتحقيق تفاعلات مأساوية في البلاد، بقيادة المغشية أبصارهم بأوهام الظنون البشرية والتابعين لمن يسيرهم وفقا لمنهج السراب و"الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا". (الكهف 104).
وفيها إعداد نفسي وعاطفي للناس لكي تتولد عندهم كراهية شديدة للدين ورجاله ونكران كبير لقيمته الإيجابية في الحياة، ولهذا سيتحقق نفور عارم من الدين، كما حصل سابقا في الغرب بسبب ما فعلته الأديان وسلطاتها التي سفكت الدماء دون مسوغ.
ويسألونك عن التفجيرات أيها الإنسان، فقل أنها من إنجازات الأحزاب والمتطرفين والطائفين وجميع أعداء العراق، والجهات البعيدة والقريبة وغيرها الكثير المتوافد من الأصقاع، والعصابات المفخخة بالأحقاد التي تريد الانتقام لأباليس الشراهة والطمع والأنانية الحمقاء من كل ذي عقل رشيد. ويمكنك أن تضيف إليهم ما شئت من المسميات التي تخاف من ذكرها الأقلام وترتعش من اسمها الأبدان. وهي أفعال متقنة تغيّب الأدلة وتمحق كل ما يشير إلى مصادرها والقائمين بها، وتضعك في مواضع التشويش والافتراض والاتهام والإستعار الانفعالي لكي تحقق مراميها البعيدة.
ولكن لينظروا عقاب أمكر الماكرين وسيعلمون أي منقلب سينقلبون. فكلمات الضحايا أكبر من بلاغة الصمت وأعلى من رعد السماء وستنير الآفاق كأنها البرق الخطاف. كلمات الضحايا الذين يتساقطون دون ذنب إلا لأنهم عراقيون. وتبقى عدالة السماء أقوى من قوانين البشر ورغبات القِوى المسخرة لتحقيق الغايات الأخرى، والتي تلبس قناع الدين وترفع راياته بأيادي كل شيطان رجيم. فلا يمكنكم أن تزوروا العدالة إن بقي لها أثر في أرض حمورابي ودستوره الخالد. فالعدالة الإلهية ستقضي بجزاء الظالمين.
ولابد من هبة جماهيرية واعية منيرة لا تهدأ تزعزع البهتان وتقدم الحقائق الناصعة للناس , لكي يتم ردم المستنقع الإجرامي النتن وتقديم الرؤوس الكبيرة المدبرة للقضاء والقانون. فهذه جرائم ضد الإنسانية وعلى منظمات حقوق الإنسان والبشرية جمعاء أن تقف بوجهها وتدين مرتكبيها وتقبض عليهم، فلديها كل القدرات لكشف الفاعلين.
فهل أن الأطماع أغلى من دماء الأبرياء؟
ومَن سيطفئ نيران المحرقة العراقية؟!
وهل للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان دور؟
والضحايا شاكية إلى الله، وشكواها أقرب إلى أبواب العرش العظيم فهل من إنصاف أيتها السماء. ويبقى العراقيون أخوة متحابين متضامنين ومتفاعلين بإيجابية ووطنية تسمو على جميع الويلات التي تسعى إلى أسوأ النوايا.
"فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم" (الزخرف 65). د.مراد الصوادقي، كركوك