التغيير المطلوب في البوصلة السياسية التركية

بقلم: عبداللطيف المنيّر

يبدو أن الأمل التركي للحاق بالقافلة الأوروبية، بات مستحيلا، بعد سلسلسة الطلبات، وقائمة الإملاءات، والتي لم ولن تنتهي من أصحاب القرار الأوروبي. وعلى الرغم من ان تركيا نَفذت مُعظم تلك الطالبات، إلا أن واحدة منها ما تزال من اعقد المشكلات والتحديات التي تواجه سياسيّي تركيا.
فقد دعت منظمة هيومان رايتس ووتش الإتحاد الأوروبي في مايو/أيار الماضي الى دفع تركيا "الى أن تغير على نحو عاجل من تشريعاتها وسياساتها لصالح حماية المثليات والمثليين وذوي التفضيل الجنسي المزدوج والمتحولين جنسياً، من المضايقات الكثيرة والقسوة في التعامل بالطرقات والمنازل والمؤسسات التي تديرها الدولة". كما دعت هيومن رايتس ووتش الإتحاد الأوروبي إلى الربط بين طموح تركيا في العضوية بالإتحاد والكف عن الإساءات المُزمنة وضمان المساواة في الحقوق والحماية للمثليات والمثليين وذوي التفضيل الجنسي المزدوج والمتحولين جنسياً".
هذه التوصية، ربما أكدت لتركيا أنها لن تستطع أن تكون أوروبية بالفعل ما لم تقبل الشذوذ الجنسي، وذلك على الضد من هويتها الإسلامية المتأصلة.
ويبدو ايضا أن تركيا أدركت تماما، ولو بعد حين، أن الخطر القادم من الخلف بشقيه الكوردي، المتمثل بإنشاء دولة كوردية في شمال العراق من جهة، والمد الإيراني الشيعي لمنطقة الشرق الأوسط من جهة اخرى، يوجب على عليها أن تبدأ بتحويل البوصلة السياسية، وتلجأ إلى المجموعة العربية، تعبيرا عن حاجة الطرفين الملحة لبعضهما البعض، وإيماناً من النخبة السياسية التركية في الحزب الحاكم، بأن رياح التغيير يجب أن تأتي بما تشتهي المصلحة التركية والإقليمية في آن، وايضاً للحيلولة دون أن تفقد فرصتها الإقليمية الأخيرة، لتكون دولة شرق أوسطية بإمتياز قبل فوات الآوان.
لعل تركيا تستطيع ان ترى الآن أن النحت على المياه الأوروبية جهد مهدور وضائع. لذا فانها لو سعت لإعادة تموضعها السياسي في اتجاه الجمع بين مصالحها ومصالح الدول العربية على السواء بمن فيها سوريا، فان أنقرة تستطيع ان تكون لاعبا أساسيا في قضايا الشرق الأوسط، ولعلها تنجح في مد الجسور لإعادة الثقة بين العرب، الذين انكشف ظهرهم، بُعيد الغزو الأميركي للعراق، وسقوط نظام صدام، وحاجتهم إلى تركيا، لما تتمتع به الأخيرة من قوة عسكرية وسياسية، وإسلامية سُنية، حتى يتحقق التوازن الإستراتيجي في الشرق الأوسط.
أن مصلحة تركيا تكمن في تبني سياسات جديدة داخليا واقليميا، ولو على حساب الغاية المرجوة من لحاقها بالركب الأوروبي. ويمكن لتركيا ان تقدم للمنطقة نموذجا لدولة إسلامية-علمانية هي الأولى من نوعها، تتلاءم مع خصوصياتها الذاتية، وتستجيب لقواعد العقلانية السياسية والتكوين الإنساني الفطري.
حكومة رجب طيب أردوغان الحالية، ومن خلال قراءتها المتأنية لللتاريخ توصلت الى نتيجة تسمح لها بأن ترفع القبعة بيد احتراما للدستور العلماني، وتسعى باليد الاخرى لسلسلة اصلاحات تبدأها من القضاء، ولكن بمراجعة حساباتها نحو الشرق الأوسط، فان السؤال هو: هل تستطيع تركيا أن تعيد الحرف العربي إلى ابجديتها السياسية، ويصلح حزبها الحاكم ما أفسده أتاتورك، بقطعه الجسور الإسلامية بين العرب وتركيا؟
هل يمكن لتركيا ان تكشف جوهر الإسلام الذي يحاول علماؤه المتشددون ان يدفنوه، فتُؤسس لخطاب ديني اصلاحي يحقق السلم الأهلي ليس في تركيا وحدها بل لسائر دول المنطقة؟