التعليم العالي يشهد اعادة نظر في مختلف دول العالم

القاهرة - من إيهاب سلطان
مصرون على اكمال المشوار

شهد العالم إقبالا كبيراً في التعليم الجامعي خلال العقدين الماضيين مما دفع من ثقافة المجتمعات وقدرتها على ملاحقة التطور العلمي في كافة المجالات، حيث رصدت الإحصائيات أن أكثر من نصف طلاب المرحلة الثانوية يستكملون دراستهم الجامعية وتزداد النسبة في أوربا الشرقية والصين وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.
وهذه النسب تضطر الطلاب الساعين لاستكمال دراستهم الجامعية للجوء الى الجامعات الخاصة هرباً من الزحام الطلابي في الجامعات الحكومية وأملاً في الحصول على أعلى الدرجات العلمية وهو ما تزامن مع اتجاه بعض الحكومات لرفع تكاليف التعليم ومطالبة الأباء بتحمل جزء من مصاريف التعليم خوفا من تعاظم أزمة التعليم في هذه البلدان.
وتختلف درجة استجابة أولياء الأمور حول العالم لزيادة تكاليف تعليم أبنائهم. ففي الولايات المتحدة تعتمد ميزانية نسبة كبيرة من الجامعات الأمريكية على تحصيل تكاليف التعليم من الطلاب والأباء حتى داخل الجامعات الحكومية التي تحصل على دعم مالي من الحكومة.
بينما يختلف الأمر في أوروبا وأجزاء من آسيا وفي كافة أنحاء أفريقيا وأمريكا اللاتينية حيث تعتمد ميزانية العديد من الجامعات على الضرائب المفروضة على هذه الشعوب أملا في دعم التعليم وتقليل تكاليفه على الطلاب والأباء قدر المستطاع لتشجيعهم على استكمال دراستهم الجامعية.
ومما يلفت النظر أن وزراء التعليم في الاتحاد الأوروبي أعلنوا في شهر مايو/ ايار الماضي من خلال بيان مشترك أن التعليم العالي مسئولية الحكومات إلا أن هذه التصريحات لم تعف الطلاب والأباء من تكاليف التعليم العالي. فعلى العكس زادت التكاليف التي يتحملها الطالب بصورة تدريجية.
حيث زادت تكاليف التعليم العالي في عشر بلدان من أوروبا من إجمالي ستة عشر دولة تعتبر من الدول الأغنياء. ففي كل من النمسا وبلغاريا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا وتركيا زادت التكاليف المقررة على الطلاب ثلاث مرات منذ عام 1995 إلى 1998 بنسبة 30% على عكس زيادة الرسوم المقررة من قبل الحكومات.
بينما زادت النسبة في كل من الدول الإسكندنافية بنسبة 3% و83% في كوريا الجنوبية وأيضا زادت الرسوم الحكومية المقررة في كل من كندا وإيطاليا.
وتمثل بريطانيا المعضلة الحقيقية في بلدان أوروبا حيث التزمت الحكومة البريطانية منذ توليها الحكم بتمويل التعليم الجامعي وبالتحديد في عام 1997 في حين ضاعفت نسبة الرسوم المقررة على الطلاب في أقل من عام.
وقد قامت الحكومة البريطانية بتمويل الجامعات بنسب متساوية مع نمو التعليم الجامعي ولذلك يمكن القول بأن تكاليف التعليم الجامعي بالنسبة للطلاب قد انخفضت بمقدار 25% مقارنة بما يتحمله الطلاب في البلدان الأوروبية الأخرى.
والجدير بالذكر أن التمويل الحكومي للتعليم في أوروبا ما يزال الشريان الحقيقي لاستكمال الطلاب تعليمهم الجامعي. إلا أن الاعتماد المتزايد على التمويل الطلابي يعتبر بمثابة اعتراف ضمني على أن الحكومات لم تعد راغبة في زيادة قاعدة التعليم الجامعي وأن رغبة الحكومات تنحصر في مساهمة الشباب في التنمية بدون الحاجة إلى استكمالهم الجامعي.
واللافت للنظر هو إصرار الطلاب على استكمال دراستهم الجامعية بسبب تطلعهم في الحصول على أفضل الوظائف وتحقيق أعلى دخل ممكن من وراء تعليمهم مما أدى إلى حدوث فجوة تنذر بأزمة حقيقية بسبب رغبة الحكومات التي تتعارض مع رغبة الطلاب.
وفي البلدان النامية تتقاضى الجامعات أجور تعليم إضافية من الطلاب لإبقاء الجامعات مفتوحة رغم المساعدات المالية المقدمة من البنك الدولي لدعم التعليم الجامعي والذي تزامن مع تراجع الدعم الحكومي للجامعات.
حيث انخفض الدعم الحكومي في كل من تشيلي والصين والهند وباكستان وروسيا وجنوب أفريقيا وفيتنام بصورة دورية ويتم تحصيل فارق الدعم من الطلاب رغم مخالفة ذلك لبعض القوانين مثلما الحال في روسيا التي يحرم فيها القانون تحصيل أي رسوم من الطلاب الجامعيين إلا أن الجامعات لا تلتزم بتطبيق هذا القانون وتقوم بتحصيل ما يقرب من ربع تكاليف التعليم من الطلاب منذ عام 1999.
وقد لجأت كل من الصين وباكستان وفيتنام لتحرير التعليم والاعتماد على الدعم الطلابي لفتح الجامعات.
فعلى سبيل المثال اكتشفت الصين أن رفع تكاليف التعليم الجامعي لا يقلل من إصرار الطلاب على استكمال دراستهم الجامعية رغم زيادة رسوم التسجيل الجامعي بنسبة 200% منذ عام 1999 إلى عام 2001 وهو ما يعني تحمل الطلاب نسبة 40% من إجمالي تكاليف التعليم الجامعي إلا أن الإقبال الطلابي يشهد زيادة مستمرة.
وفي البلدان الفقيرة والبلاد الغنية الأمر يتساوى حيث شهدت نيجيريا احتجاجات واسعة بسبب ارتفاع أجور التعليم الجامعي المقررة على الطلاب والتي منعت الكثيرين منهم من استكمال دراستهم الجامعية.
بينما في اسكوتلندا ألغت الحكومة المنح المالية المخصصة للعيش اثناء الدراسة على أن يتم تحصيلها من الطلاب مما أدى إلى ارتفاع طفيف في الرسوم المقررة على الطلاب وهو ما يفسر تراجع معدلات التسجيل الطلابي خاصة بين الطلاب الذين يعانون من الدخل المنخفض.
ثمة ما ينذر بتفاقم مشاكل التعليم الجامعي في بلدان العالم. فبرغم انخفاض المنح الحكومية للجامعات وزيادة الاعتماد على الطلاب في تحصيل النقص في الميزانيات إلا أن الإقبال الطلابي على التعليم الجامعي في زيادة مستمرة مما يجعل الحكومات مطالبة بتحقيق أحلام الخريجين في مستوى اجتماعي مرموق كنتيجة طبيعية لما قدموه من عناء على كافة المستويات لاستكمال تعليمهم الجامعي.