التعصب الديني وسواه: الإنسان يسيل خراباً

عندما تتحول الكراهية إلى عقيدة؟

إن الذهن البشري - قبل أية إحالة موضوعية- ذو ماهية مزدوجة، إذ إنه مركز للحريات والاستعباد في آن معاً. إدغار موران في مقاربته للعقل البشري، عزا الاستعباد إلى الأسر للموروث البيولوجي، والإرث الثقافي، والأفكار التي تفرض قسراً، هذا فضلا عن الرقباء الإكراهيين في داخل المرء. في حين تبدأ أول اختلاجات الحرية الذهنية عندما يُرفض الخضوع للإكراهات والأوامر، والأساطير والمعتقدات المفروضة، أي يصبح الذهن كياناً متسائلاً، لا كياناً مستلباً.

والدماغ في ذاته لا يميز بين الهلوسة والحسّ، وبين الخيال والواقع، بين اليقظة والحلم، وبين الذاتي والموضوعي. إنه لا يميز بين تلك الشفرات التي تتسرب إليه من خلال منافذ الحواس.

إن ما يتيح التمييز حسب أطروحة موران، هو النشاط العقلاني للذهن، أو الممارسة العقلانية: أي التأثير في الأشياء، والثقافة (الرجوع إلى المعرفة المشتركة)، والآخر ( هل ترى ما أراه أنا؟ )، وإلى الذاكرة، والمنطق.

والعقلانية حسب هذا التصور هي مُجمل سمات التحقق، والتحكم، والمواءَمة التي تُتيح ضمان موضوعية العالم الخارجي، وتعمل على التمييز بيننا وبين هذا العالَم، وتحديد المسافة بيننا وبينه.

إن الإنسان في عمقه في عوالم اللاشعور وقواه الرهيبة ليس دائماً أنيساً ومؤنساً، سليماً ومسالماً، وليس وعياً محضاً أو قصدية خالصة، إذ يمكن أن يكون عصابياً وذهانياً وديماغوجياً وعدوانياً وقاتلاً، أو حليفاً على أقل تقدير للقتلة، آكلاً أو مأكولاً، بل هو كلّ ذلك، فالبربرية جزء من البشرية، كما قال رومان كاري، وأنّها تتجدّد "وَفْقَ قوة الغريزة، أو تتحجم وفق قوة الممنوع". إنه كائن رغبة، مسكون دائماً باللّذة: لذة المعرفة والتفوق والسلطة والمال والحب والجنس والحرية والعبودية، وأحياناً لذة القتل. وينبغي أن لا ننسى هنا، لذة التقليد الذي يمتاز بها الذهن البشري، والتي تجعلنا نتناظر نفسياً مع الذي نقلده، مما يؤدي إلى نوع من استحواذ المقلِد على المقلَد.

الممارسة العقلانية على ضوء ذلك، ليست بمنأى من الوقوع في فخاخ الانحياز والتوهم والخطأ، إذ إنّها يمكن أن تؤول إلى عقلانية مفرطة في غاية التطرف والجمود. شأنها في ذلك شأن الذهنية الدوغمائية، التي غالبا ما تقع فريسة للوهم، والكذب على الذات، والذكريات الخادعة، والهلوسات، لا سيما حين يستحوذ معبود، أو فكرة، أو حزب، أو رمز، أو شخص، أو أسطورة، أو إيديولوجيا، على فرد فتلغي المسافة بينه وبينها، فيصبح ممسوساً تماماً بها، لا يرى إلاّ من خلالها. وكما قيل قديما: مثل قلبك يكون إلهك أو معبودك.

وما دام التوهم يزامل الفعالية البشرية على الدوام، فإن واجب العقلانية أن تناضل باستمرار ضده، لأن ثمة "انفعالاً وعاطفة داخل العقلانية نفسها، ولا وجود لذكاء حتى لو كان عقلانياً دون انفعالات" كما يقول جان ديدييه، بل ثمة "عاطفة تذوب العقل" كما أشار دامازيو، فالقدرة على التفكير يمكن "أن تتضاءل، بل تتحطم بسبب خلل انفعالي، وأن ضعف القدرة على رد فعل انفعالي يمكن أن يكون مصدر سلوك غير عقلاني"، والتفكير والانفعال ليس منفصلين. فالانفعال يصاحب التفكير، والانفعال في حقيقته تفكير منحاز ذاتي وغير عقلاني كما تخبرنا نظرية البرت أليس. ولكن حين تستبد "العقلانية" وتكف عن ممارسة النقد الذاتي، وتكاد تجعل من ذاتها "آلهة"، وتنتصب في موضع العليم ذي المعرفة المطلقة بكل شيء، يمكن حينئذ للسرد الميثولوجي الأكثر فنتازية أن يحظى بمقبولية لدى قطاع كبير من الناس، دون أن يحتاج إلى الحد الأدنى من الترابط المنطقي، فالمستعد للشيء تكفيه أضعف أسبابه كما يقول ابن سيناء.

إنّها الهستيريا الجماعية التي يمكن أن تجعل من "وقائع نفسية" واقعاً ملموساً، فكل أسطورة تستبطن بطبيعتها عنصراً هستيرياً، قد يكون مصدراً للهذيان، ودافعاً لتأليه المحبوب، أو شيطنة المبغوض، ويمكن أيضاً أن يتحوّل هذا التأليه إلى هوسٍ مرعب. والعصر الحديث "العقلاني"، ناهيك عن تاريخ الجنون للإنسان "العقائدي"، مكتظ بأبشع الجرائم والإبادات الجماعية في الصراعات بين الأديان، والأمم، والأيديولوجيات، التي تؤكد هذا الرأي.

ما يحدث أثناء هذه النوبات الهستيرية الفردية أو الجماعية أشبه بخواطر الأمير المصروع في رواية "الأبله" لدوستويفسكي: " لحظة من الحس العميق تفيض بالوجد والإخلاص.. لحظة من الانسجام والجمال في أرقى درجاتهما.. وإني لأجود بحياتي كلها في سبيل هذه اللحظة".

هذا ما أشار إليه لوبون في "حياة الحقائق"، إذ أننا لا نُدرك من العالم سوى الانطباعات التي يُؤثِّر بها على حواسنا لا الحقيقة نفسها، فمن مجموع هذه الانطباعات تتألف وتتشكّل حقيقتُنا و"حقائقنا". وما دام العقل الواعي يؤمن بأنها "حقائق خالصة"، فإن العقل الباطن سيحولها إلى واقع ولو كانت مجرد استيهامات وتخرّصات.

وهذا ما ينتج أسوأ أنواع التعصب، الذي هو من منظور علم النفس الاجتماعي نوع من أنواع الاستحواذ: أن تكون متلبساً بفكرة ما، تفقد حرية الحكم عليها، ومواجهتها بالتجربة.

ويتناسل التعصب بين أفراد الجماعة حين يعتبر التخريف بمثابة الحقيقة، والذاتي بمثابة الموضوعي، حينئذ سيتحوّل الإنسان "المتحضر" إلى إنسان ذهاني، مصاب بجنون العظمة، يعتقد باستمرار بأن ثمة دلائل للتآمر عليه وعلى جماعته. فالموقف الأكثر قدماً - حسب بحوث عالم الانثروبولوجيا كلود ليفي ستراوس - والذي يستند دون شك إلى أسس نفسانية راسخة، نظراً لأنه ينزع للظهور مجدداً لدى كل منا عندما نكون في موقع غير منتظر، إنما يتمثل في الرفض الكامل للأشكال الثقافية، الأخلاقية والدينية والاجتماعية والجمالية، البعيدة كل البعد عن القيم التي نعتنقها. فتعابير مثل: عادات متخلفة، إنهم متوحشون، عقائد شيطانية ...الخ، والكثير من ردود الفعل الفظة التي تعبر عن القشعريرة نفسها وعن التقزز نفسه أمام أساليب العيش والاعتقاد والتفكير الغريبة عنا.

فثمة ميل لدى الناس بوجه عام إلى اعتبار جماعتهم (العائلة، أو القبيلة، أو المجموعة الاثنية أو الأمة أو الدين أو الثقافة) أفضل من الجماعات الأخرى ومتفوقة عليها بشكل أو بآخر، وغالباً ما يكون هذا الميل نتيجة لمعتقدات منمطة حيال الآخرين الذين ينتمون إلى مجموعات إثنية أو معتقدات أو ثقافات مختلفة، وعادة ما تغذي المعتقدات المنمطة والنسق القيمي المبني على ثنائيات صارمة، وبالطبع التنشئة الاجتماعية، النزعة إلى معاملة الآخرين بطريقة سلبية، تصل إلى حد معاملتهم كأنواع مختلفة، وبالتالي توليد مفهوم "العدو". وقد أطلق خبير السلوك الألماني إيبلايبسفلدت عليها اسم "تحديد الأنواع الزائف". ويعني به الميل الغريزي لدى البشر إلى تحديد أنواع زائفة للبشر الآخرين ومعاملتهم كما لو أنهم نوع مختلف.

فالأفراد يشعرون بعضويتهم للجماعة عندما يدركون أوجه التشابه بينهم وبين أفراد آخرين من الجماعة عينها وهذا ما يسمى بـ "تأثير التشابه الافتراضي"، بل يتعزز أيضاً شعورهم بانتمائهم للجماعة حين يدركون أوجه الاختلاف بينهم وبين الجماعات الأخرى، كإدراك فروض الحب والكره، وإدراك فروض الموافقة والمعارضة، والتعاون والصراع، على سبيل المثال: حين يصنف المرء نفسه في المجتمعات الدينية بوصفه متحرراً في مقابل فئة المتزمتين، فإنه يميل بالضرورة إلى تأكيد إدراك أوجه التشابه بينه وبين غيره من "المتحررين"، وفي الوقت نفسه يقلل من الاختلافات الشخصية أو الذاتية معهم، في حين أنه يعزز حد التشاوف من اختلافاته النمطية المدركة في مقابل فئة "المتزمتين"، وقس على ذلك.

إن التوحد والمقارنة الاجتماعية والتصنيف، كلها عمليات سيكولوجية تستند عليها "الهوية/ العصبية"، وقد أشار جون تيرنر في نظريته " تصنيف الذات/ الهوية الاجتماعية" إلى أن التوحد شرطٌ مسبق وضروري لتفضيل الجماعة/ الحزب، والتوحد بهذا المعنى ما فتئ يفرز أسوأ أشكال وأنواع الانحياز الأعمى للجماعة والأفكار النمطية إزاء الجماعات الأخرى. وتختلف بالطبع درجة الانحياز ضد "الجماعات الخارجية"، فليس من المعقول أن يكونوا متساوين في درجة الكراهية مثلاً، فالعوامل العقائدية والايديولوجية تلعب دوراً لا يستهان به في تحديد درجة الكراهية.

أما عملية المقارنة الاجتماعية التي تنشأ بين الجماعات والأحزاب المختلفة فهي لا تقل أهمية عن التوحد، وذلك لأن الدافع وراء عملية المقارنة يكمن في مفهوم الذات الذي يعتبر جزءاً من "الوظيفة النفسية"، فبمجرد أن نتعامل مع العالم من حولنا نحتاج إلى أن نشعر بأن لذاتنا أهمية/ قيمة بمعنى ما، وعليه نخضع دائماً إلى تقييم ذواتنا من خلال المقارنة أو الصراع مع "الآخرين"، ومن هنا تنبثق النزعات التبشيرية: صراعات السنة مع الشيعة، الشيوعيين ضد الليبراليين، وفئة المؤمنين مقابل فئة الماديين ...إلخ.

في حين قد يستبطن التصنيف نزعات تمييزية عنصرية، وذلك عندما تعتقد جماعة ما أن أعضاءها يشتركون في سمات وخصائص إيجابية، بينما الذين ينتمون إلى جماعة أو فئة مغايرة يشتركون بالضرورة في سمات وخصائص سلبية.

لكن الأمر ليس آلياً وحتمياً لهذا الحد، فقد يتحول بعض الأفراد من فئة إلى نقيضها، وذلك حين يكتشفون أن اتجاهات وتصنيفات ومعايير جماعتهم تستند على كثير من المبالغة والتهويل والتزييف سواء فيما يتعلق بخصائص الذات أو سمات الآخر. وقد يصاحب هذا التحرر من الوهم السقوط في وهم آخر، مثلا: من التطرف السني إلى التطرف الشيعي، أو من التطرف الديني إلى التطرف الإلحادي. فالبنية لم تتغير بقدر ما تغيرت عناوينها الخارجية، لأنها لم تكن يوماً بنية حوارية تداولية، إنما كانت مجرد إملاء فوقي. وفي كلتا الحالتين تتسم بطبيعة استرقاقية، حيث يحتل المعبود أو الزعيم أو السيد أو الشيخ نواتها. ولهذا تغيرت المعبودات ولم تتغير سلوكيات العابد/ المنتمي.

ليس يسيراً أن تغيّر الأفكار التي تتحرك من خلال الدين عبر الأجيال، لأن الحواضن الدينية تعمل باستمرار على إيهام المتطرفين بأن سلوكياتهم الإقصائية والاستئصالية على الأرض هي استجابة لأوامر السماء. ولذلك من الصعوبة على من تشبعوا بتعاليم ديانة ما، أن ينظروا للآخر دون تحامل. والأمر هو نفسه عند إيديولوجيات العصر الحديث، التي أنشأت آلهة وشياطين، وأرباباً وأرقاء، والتي لم تؤنسن "الإله" إلا لتؤله الإنسان، ولم تحرر الفرد من الوصاية الدينية إلا لتخضعه لطغيان الدولة، ولم تضع حداً للعبودية الخارجية إلا لتجعلها أثقل قيداً وأكثر ديمومة عن طريق تحويلها إلى عبودية داخلية. وفي هذه الحالة، فإن استعداد الناس للتضحية سيضعف حين يُفكك البعد الإيماني والإيديولوجي. ولعل سيوران كان محقاً حين اعتبر العقيدة تدفع إلى الوقاحة، "ما أن تعتنقها حتّى تنشّط فيك غرائزك الشرّيرة. كلّ من لم يشاركك فيها يأخذ هيئة المهزوم العاجز الذي لا يستحق غير الشفقة والازدراء".

إن كل المطلقات السلطة، الدين، المادية، القومية، الحرية، الثورة، المساواة.. إلخ) حين يتعذر لسبب أو لآخر الحكم عليها أو نقدها أو إعادة قراءتها، هي قيود وعبوديات سواء أكان مصدرها "إلهياً" أو "إنسانياً". لا يمكن للتعصب أن "ينعدم" من الجسد الاجتماعي إلا إذا انتفى "وجود" كل "مطلق" من هذا القبيل. في نهاية الأمر، كلنا فيما يبدو نحمل في دواخلنا بذور تعصبية إزاء فكرة "مطلقة" من أي نوع. وربما لا نختلف في ذلك إلا في الدرجة، وفي تباين المقدرة في التحكم بجنوننا، أو تحويره.

هوامش

موران، إدغار. الحوراية بين العقلانية والعاطفية والأسطورة.

زايد، أحمد. سيكولوجية العلاقات بين الجماعات. (قضايا في الهوية الاجتماعية وتصنيف الذات).

شتينر، ماكس. الأوحد وملكيته.

ستراوس، ليفي. العرق والتاريخ

سيوران، إميل. المياه كلها بلون الغرق

نضال البيابي

كاتب سعودي