التعارف

قصة: علي القاسمي
سلمت عليه باحترام

لا أذكر كيف تعرّفتُ إليه أوّل مَرة. ولا أدري كيف أصبحنا صديقَين. فقد كان ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطيّة في العاصمة، في حين كنتُ قد قدِمتُ حديثاً من قرية صغيرة في جنوب البلاد. وفي الوقت الذي كان يحتلّ منصباً رفيعاً في إدارة الجمارك، كنتُ مجرّد طالب في كلّيّة المعلِّمين. وعلاوة على ذلك، هناك فارق السنّ بيننا، فقد كان هو في أواخر الأربعينيّات من عمره بينما كنتُ لم أتعدَ سنّ العشرين.
لا، تذكّرتُ الآن كيف التقيتُ به أوّل مَرّة.
كنتُ أسير في أحد شوارع الحيّ السكنيّ الراقي القريب من الكلّيّة حين وقع نظري على إعلان كبير مُلصَق على واجهة أحد المنازل الفخمة. ساقني حبُّ الاستطلاع إلى الاقتراب من المنزل وإلقاء نظرة على الإعلان (كثيراً ما تُسبِّب لي غريزة حبّ الاستطلاع المكثّفة لدي مشكلات ومآزق).
يحمل الإعلان صورةً لأحد المُرشَّحين في الانتخابات البرلمانيّة التي كانت ستجري بعد مدة قصيرة، والخطوط الرئيسة لبرنامجه ووعوده الانتخابيّة.
وبينما كنتُ على وشك الانصراف، انفتح باب المنزل وخرج منه رجل طويل القامة يرتدي بذلة رسميّة أنيقة ويحمل بين أصابعه سيجاراً طويلاً لم أرَ مثله إلا في الأفلام السينمائيّة البريطانيّة.
بادرني بالتحية وقال بابتسامة أخّاذة:
ـ أنا المرشَّح.
وعند ذلك سلّمتُ عليه باحترام، فدعاني لحضور مؤتمرٍ صحفيّ سيعقده مساءَ ذلك اليوم في منزله للتحدّث عن برنامجه البرلمانيّ إذا ما انتُخب، وأضاف قائلاً بلطف:
ـ أنتَ طالب، أليس كذلك؟ برنامجي يهمّ الطلبة كذلك، ويؤمِّن مستقبلاً زاهراً لهم.
وعلى الرغم من أنّني لم أكُن صُحُفيّاً، ولم يكُن امتهان الصحافة يراود ذهني أبداً، ولم ينتابني القلق على مستقبلي بعد التخرُّج، لأنّ الدولة كانت بحاجة إلى كثير من المعلِّمين لسدّ احتياجات المدارس التي شرعت في إنشائها، ونحن ـ طلبةَ الكلّيّة ـ نسكن في أقسام داخليّة على حسابها، فإنّ حبَّ الاستطلاع هو الذي دفعني إلى قبول دعوته وحضور مؤتمره الصحفيّ، لا لشيء إلا لأعرف كيف تكون منازل هؤلاء الأغنياء من الداخل، بالمقارنة مع بيوتنا في القرية، وغرفنا المتواضعة في القسم الداخليّ.
وتكرَّرت لقاءاتنا بعد ذلك. وقدّمني إلى أفراد أُسرته.
وأعجبني في الأُستاذ عبد المجيد (هكذا كان يدعوه أصدقاؤه وأفراد أُسرته) دماثة خُلُقه، وسلاسة حديثه، ولغته المُطرَّزة بعبارات المجاملة الرقيقة.
فهو يخاطبني بـ "سعادة الأستاذ أحمد" أو "أستاذ أحمد بك".
كما بهرتني الطريقة التي تُقدِّم بها زوجته المشروبات والمأكولات.
تبدأ أوّلاً بعصير البرتقال، ثمّ الفواكه الطازجة، ثمّ الشاي والحلويّات، في كلّ مَرَّة زرتُهم فيها. وكنتُ أنال قسطاً وافراً من مأكولاتهم اللذيذة التي لا يُقارَن طعمها اللذيذ بوجبات القسم الداخليّ الهزيلة عديمة الطعم والمذاق.
بَيْدَ أنّ الأُستاذ عبد المجيد كان يحتدّ أحياناً، ويرتفع صوته بانفعال ظاهر حينما ينتقد بعض الأوضاع الاجتماعيّة ويطرح وجهة نظره السياسيّة، وعلى الأخصّ عندما يهاجم الأفكار اليساريّة، أو "الهدّامة " كما يصفها هو.
حدّثني أثناء لقاءاتنا عن عمله في الوزارة (كانت إدارة الجمارك تابعة لوزارة الماليّة آنذاك)، وعن خططه لتطوير البلاد وتنميتها إذا ما تمّ انتخابه أو أُسنِد إليه منصب وزاريّ، وعن حياته العسكريّة السابقة، فقد سبق له أن درس في الكلّيّة العسكريّة وتخرَّج منها وعُيِّن ضابطاً في الجيش وترقَّى حتّى بلغ رتبة نقيب.
ولكنّه ذات مرَّة رفض الانصياع إلى أوامر رئيسه واشتدّ الجدل بينهما فما كان منه إلا أن وجّه عدّة لكمات إلى وجه رئيسه (يبدو أنّه كان يزاول رياضة الملاكمة في أحد النوادي)، فأُحيل إلى مجلس انضباط عسكريّ قرَّر تجريده من رتبته العسكريّة وطرده من الجيش. ومع أنّه استطاع الالتحاق بالخدمة المدنيّة بفضل المكانة التي تتمتّع بها أسرته العريقة، فإنّه ظلّ يحمل مُسدَّساً تحت سترته المدنيّة مشدوداً إلى حزامه عند خاصرته اليسرى، تماماً بنفس الطريقة التي يحمل بها الضباط مُسدَّساتهم (كان يحقّ لبعض المدنيّين حمل السلاح بعد حصولهم على ترخيص من وزارة الداخليّة).
لم يكن لديّ الكثير لأحدّثه به، فخِبراتي آنذاك كانت محدودة، وأنشطتي تقتصر في معظمها على الدروس، ولم أجد في حكاياتي عن الأغنام التي كنتُ أرعاها في القرية ما يثير اهتمامه، ولهذا حدّثته عن "جليل" أحد زملائي الذي أصبح صديقي الحميم في الكلّيّة.
ففي حياة جليل أحداث مثيرة تستحقّ السرد. وكنتُ معجباً بقراءات جليل الواسعة وثقافته العميقة وقدرته على الكتابة والتأليف، فهو ينشر مقالاته في الصحف والمجلات وتذاع بعض قصائده في الإذاعة الوطنيّة.
ويعود الفضل في ثقافة جليل واتساع معارفه إلى السجن. كان جليل طالباً في الكلّيّة قبل خمس سنوات من دخولي إليها. ولكنّه كان ينتمي إلى تنظيمات يساريّة "تقدميّة" كما يسميها هو، على حين تسمّيها الحكومة آنذاك بـ "الهدّامة"، وأُلقِيَ القبضُ عليه إثر صدامات مع الشرطة في مظاهرة غير مرخَّص بها، وحُكِم عليه بالسجن مدّة خمس سنوات أمضى منها ثلاثة أعوام في سجن، كان يستعين على تزجيتها بالرياضة والقراءة والبحث. وعندما أُطلِق سراحه، عاد إلى الكلّيّة لاستئناف دراسته. وكنّا نحن زملاءه الطلاب نعترف بتفوّقه علينا جميعاً بفضل ثقافته الرصينة إضافة إلى موهبة الكتابة التي يمتلكها.
حدّثتُ الأستاذ عبد المجيد بإعجاب عن صديقي جليل. وشعرت بشيء من الاعتزاز والفخر عندما قال لي إنّه قرأ بعض مقالاته الأدبيّة بإعجاب. ودُهِشتُ عندما أضاف قائلاً:
ـ أودّ أن أتعرّف إلى صديقكَ السيد جليل.
أجبتُ بانشراح ظاهر:
ـ سأرتِّب لقاءكما بكلِّ سرور. سآتي به إلى منزلكَ.
حدّدنا موعداً للقاء. وفي الموعد المضروب كنتُ أقرع جرس المنزل وجليل إلى جانبي. فتح الخادم لنا الباب وقادنا إلى صالة الانتظار، وانصرف لإخبار سيده بوصولنا.
بعد لحظات قليلة وصل عبد المجيد بقامته الفارعةِ الطول، الرياضيّة البنية، فنهضنا من مجلسنا احتراماً له. وخاطبتُه قائلاً بطريقة رسميّة:
ـ يسعدني أن أقدِّم إليكم الأديب جليل.
قال الأُستاذ عبد المجيد بنبرة استنكار: "هو هذا؟" وبصورة مفاجئة، مدَّ يده اليمنى إلى مسدسه، وسحبه من تحت سترته، وصوبّه نحو قلب جليل الذي لم يكن يبعد عنه إلا بخطوتين أو ثلاث، وأطلق النار.

صمّ دويّ الطَّلق الناريّ أُذنيّ، وغشت النار المنقدحة من المُسدّس عينيّ، وشاهدتُ باندهاش وهلع صديقي جليل يسقط منهاراً على الأرض.
لم أرَ في حياتي من قبل جريمةَ قتل حيّة، وبهذه البساطة. شعرتُ برجفة تسري في أوصالي، وأحسستُ بدوار في رأسي ورعشة في ركبتيّ، وأوشكت ساقاي أن يخذلاني، وكنتُ على شفا السقوط أرضاً. نظرتُ بهلع إلى الأستاذ عبد المجيد وحاولت أن أتكلَّم، ولكنَّ شفتيَّ كانتا جافتَين تماماً ومرتعشتَين. وبذلت جهداً لأخرج عبارة متقطِّعة فيها حشرجة الموت:
ـ لِـ .. لِـ..لماذا قتلتَه؟
أجاب الأستاذ عبد المجيد وقد بدا شيء من الاندهاش على ملامح وجهه:
ـ لم أقتله. إنّه حيّ يُرزق.
ردّدتُ ببلاهة:
ـ حيٌّ يُرزق؟!
ـ نعم، هذا مسدَّس سينمائيّ.
لم أستوعب جواب الأستاذ عبد المجيد تماماً، ولكنّني رأيته يخرج من الصالة ويعود بعد قليل بقدح ويصبّ الماء منه على وجه جليل. حدّقتُ في وجه جليل، رأيته يفتح عينيه، يستفيق من إغمائه، يحرّك وجهه ببطء يميناً وشمالاً، ثم ينهض بصعوبة، ويتوجّه إلى الباب ليخرج من المنزل ببطء ووجوم.
بقيتُ لحظةً واقفاً بذهول دون أن أتكلَّم، ثم أسرعتُ خارجِاً لألحق بجليل. وكان ذلك آخر عهدي بالأُستاذ عبد المجيد. د. علي القاسمي