التضليل الإعلامي وثقافة الأطباق البيضاء، من عصر الفضائيات الى صراعات الساسة

بقلم: د. طاهر علوان
نحن... ما تقوله لنا الفضائيات

لا توجد مدينة عربية واحدة تزورها الا ويلفت نظرك الكم الهائل من اطباق استلام البث الفضائي. البعض عدها نوعا من التشوهات الواضحة لجمال المدن وشكلها وهو كلام اشبه بالخرافة بسبب اسبقيات ما هو مهم وما هو اهم. فالأعلام الفضائي وثقافة الأطباق البيضاء صارت تشكل اسبقية على الشكوى من تشوهات المدن.

لكن هذا المد ما يلبث ان ينسحب الى احياء الفقراء ومدن الصفيح ايضا. "الستالايت" يتحول الى اداة مشاركة يومية و"الريموت كونترول" الى فعل يلامس الحواس ويشغل البصر. لم يعد مهما كم وماذا تحقق الملايين في العالم العربي من نتائج وفوائد وكم من الاف الساعات تهدرها امام الشاشات الفضائية لمشاهدة وتلقي اي شيء. هذا سؤال مؤجل ومنسي وحتى غير مهم في مقابل نعمة "التعود" اليومي وصولا الى الإدمان على الشاشات.

هي في الحقيقة علاقة ملتبسة وملفتة للنظر تلك التي جاءتنا محمولة على اجنحة عصر التكنولوجيا؛ علاقة قائمة على "جاهزية" في تلقي المستحدثات في مجال التكنولوجيا كمثل اقتناء جهاز استلام البث التلفزيوني الفضائي الذي صار يشترك فيه الوزير مع الغفير على السواء لا فرق بينهما وصار القاسم المشترك هو الصورة ونزعة المشاهدة ولن اقول متعة المشاهدة.

كيف تحول التلفاز الى جزء حيوي واساسي من وجود الإنسان اليوم، حتى انك لا تستطيع تخيل اي بيت لغني او فقير من دون التلفزيون والستالايت؟ المساحة التي صار يحتلها التلفاز تتسع وتتعاظم وتجد انه تعدى حدود الوجود المادي الى الإسهام في تشكيل الوعي.

الملفت للنظر هنا هو اندفاع المشاركين في هذه اللعبة ما بعد الحداثوية واهمهم اصحاب الأموال من مستثمرين وتجار وسياسيين الى تفصيل الفضائيات على المقاس وارضاء للرغبات ليس فقط على صعيد فضائيات المتعة والترفيه بل وصولا الى نقل النزاعات الطائفية وصراعاتها المقيتة الى الشاشات وصارت هنالك شاشات فضائية طائفية بامتياز. وبذلك وقعت تلك الفضائيات سواء بشكل مكشوف او مستتر في دائرة "التضليل" الأعلامي ما دامت قد غادرت وتخلت عن الوظيفة الأساسية للأعلام في نقل الحقيقة بحياد وموضوعية ومصداقية والقيام بدور فاعل وايجابي في توعية الجمهور.

تذهب الدراسات الحديثة في هذا المجال الى تعريف التضليل الإعلامي على انه "عملية تقديم معلومات خاطئة او غير دقيقة وبشكل مقصود ومتعمد لغرض توجيه الرأي العام الى وجهة محددة".

وقد تتطور عملية التضليل الأعلامي الى ما يعرف بـ"الدعاية السوداء" وهي العملية التي يتم من خلالها اعطاء معلومات مضللة وخاطئة ومحرفة ومنحازة لغرض زعزعة قناعات الرأي العام وتغييرها بأخرى محرفة ومضللة. وعلى خلاف الدعاية او "البروباغاندا" فأن عملية التضليل الأعلامي بسبب ما وفرته التكنولوجيا الإعلامية والاتصالية من امكانات قد تحولت الى عملية دقيقة تختلط فيها الحقائق والمفاهيم وتجري فيها عملية تشويش مقصودة باتجاه الإساءة الى اشخاص او جماعات او حكومة او احزاب باتجاه تلطيخ السمعة والتسقيط المعنوي.

ولعل اعادة قراءة هذا الواقع وتحليله تقودنا الى جملة من المؤشرات المهمة منها:

- ان التكنولوجيا المتطورة الممثلة في البث الفضائي قد وصلت الى اكثر الشعوب والجماعات تخلفا وفقرا وبذلك اشرت الفارق الأجتماعي والتعليمي على اساس التفوق التكنولوجي وردمت الهوة في كون الفقراء كما الأغنياء يتلقون خطابا متماثلا من جهة اخرى.

- ان هذه التكنولوجيا كانت وستبقى من صنع اثرياء من تجار ومستثمرين وسياسيين وحكومات، فلا يوجد مالك لقناة فضائية هو من عامة الناس او بسطائهم ولا من اولئك اللذين يحملون هما ثقافيا او تنويريا في الصدق والنزاهة، ربما توجد استثناءات لكنها لا تكاد تذكر.

- يقوم الخطاب "الفضائي" بعمل انتقائي، فعلى صعيد الساسة الذين يستحوذون على هذا الخطاب فأن هنالك الكثير من المؤشرات على استخدام هذه الوسيلة المتاحة لتصفية الحسابات مع خصومهم من جهة وترسيخ خطاب اعلامي يكفل تدفق الأموال لهم وبذلك نكون قد توصلنا الى النقطة المفصلية الأهم وهي حجم ومقدار ومساحة التضليل الإعلامي. ولعل الصراعات السياسية التي واكبت ما عرف بالربيع العربي خير دليل على ذلك اذا لا يوجد بلد عربي واحد ممن مرت بهم رياح التغيير لم يشهد حملات تضليل اعلامي تبناه الخصوم السياسيين في مرحلة ما بعد اسقاط الأنظمة وتسلم من كانوا معارضين سدة الحكم كما هي الحال بشكل خاص في تونس ومصر رائدتا الربيع العربي وقدوته.

- مما لاشك فيه ان التضليل الإعلامي يقترب كثيرا مما هو سياسي ويتفاعل معه، ولهذا لا يعد التضليل الإعلامي ذنبا ولا جريمة في عرف القائمين به انطلاقا من مبدأ ان الغاية تبرر الوسيلة

- ان التضليل الإعلامي الذي ينطلق من مفهوم الربح والخسارة هو نوع خاص من التضليل وهو ذلك الذي يحول الفرد الى مستهلك دائمي لمواد الترفيه. فما يسمى قنوات المنوعات والفوازير والأزياء وما اليها هي نموذج آخر للتضليل الإعلامي. ومع علم صانع الخطاب ان لديه قرابة 60 بالمئة في العالم العربي هم من الفقراء والأميين فأنه مع ذلك يوجه لهم خطاب الفوازير وشراء المجوهرات والأزياء والسيارات الفارهة وبذلك يتعمق الشعور بالعجز والإحباط والقهر.

- ان هنالك نزوعا يقود الى التقليد والتماهي مع اشكال من الأعلام الغربي، والحقيقة ان ذلك الخطاب الغربي ما هو الا ابن بيئته وزمانه ومكانه وصانعيه ومتلقيه، وبذلك يجري نوع آخر من التضليل الأعلامي القائم على اعادة انتاج "الخطاب الفضائي" من زاوية اخرى اكثر افتعالا ولا واقعية مهما كان الأدعاء بالمهنية والألتزام بمواثيق الشرف الأعلامي وذلك انطلاقا من مسلمة بسيطة لاخلاف عليها وهي ان تلك المؤسسات الغربية العملاقة في الغرب وحتى الأقل حجما منها لم يكن اي منها يوما محافظا على ما يسمى مواثيق الشرف الإعلامي وبالرغم من مساحة الحرية الواسعة في التعبير عن الرأي وملاحقة الأحداث الا ان كل ذلك لم يكن كافيا ابدا عن اشكال شتى من الانحيازات.

مما لاشك فيه بعد كل هذا ان الأعلام العربي – الفضائي يمر بمأزق اثبات الهوية والرسالة واثبات البراءة من التضليل الإعلامي. فالأعراض التي اعتاد المشاهد تشخيصها من مثل التهويل والمبالغة، تحريف وتغيير الحقائق، التحريض الظاهر والمبطن، التعتيم والتجاهل، قلب الصورة، والتخليط واثارة البلبلة، هذه الأعراض وغيرها هي مما لا يختلف على تشخيصها اثنان وهي السائدة في تغطيات السواد الأعظم من الفضائيات.

ان الأمر الأهم في هذا الباب انه بلجوء المتخاصمين الى استخدام الفضاء الإعلامي لأغراض التضليل فأنهم يضربون بعرض الحائط "الآثار الجانبية" التي تترتب على استخدام الجرعات العالية من ذلك التضليل الذي يتمثل في الحملات الإعلامية والدعائية المركز والمصممة مسبقا. فالآثار الجانبية لا تضرب الخصوم فقط بل انها قد تضرب المجتمع او شرائح اجتماعية في الصميم اذ يعتقد صانع خطاب التضليل انه يوجه رسالته الى خصمه شخصيا سواء أكان زعيما حزبيا او وزيرا او رئيس حكومة او اي زعيم سياسي وفي الحقيقة انه يذهب بعيدا بالمساس بكثير من المقتربات الأجتماعية الحساسة والخطيرة مما يترتب عليه تهييجا شعبيا واذكاء للأحقاد والكراهية والصراعات.

ولعل المسألة المهمة هنا هي افتراض متفق عليه مفاده ان الطبقة السياسية هي اكثر رشدا ووعيا وطليعية من شرائح واسعة من الشعب وانها قدوة حسنة والا لماذا اختيرت من بين الملايين لتكون قدوة حسنة للشعب ما لم تكن تتمتع بمواصفات خاصة؟ وهذا يرتب عليها ان تكون اكثر مسؤولية ويقظة عقلية ويقظة ضمير للحيلولة دون ان يؤسسس التضليل الأعلامي والدعائي السياسي الى ارتهان الشعب في وسط معمعة الصراع.

ثقافة الأطباق البيضاء في العراق

لا بد من المضي مع ثقافة الأطباق البيضاء السائدة ولكن من خلال مثال حي يتمثل في الفضاء الإعلامي العراقي بعد العام 2003.

فمما لاشك فيه ان دخول العراق هذا العصر الإعلامي لم يكن ممنهجا ولا منظما ولا متدرجا، بل كان انتقالا حادا من حالة الانسداد والانغلاق الإعلامي التام الى انفتاح مطلق اتاح مساحة هائلة لوسائل الأعلام ان تمارس ادوارها وهي تحاول ان تختط مساراتها من جهة وان تجد لها موقعا ما على صعيد الخارطة الإعلامية من جهة اخرى.

واما وقد وجد الشعب نفسه امام هذا التدفق الفضائي وغزو الأطباق البيضاء وبسبب اجواء الخلافات والصراعات وصولا للعمليات الإرهابية والاقتتال الطائفي خاصة خلال السنوات (2004-2006)، كل ذلك منح هذا الإعلام الفضائي ادوارا عاجلة لا سيما وان الأعلام بصفة عامة والفضائي بشكل خاص يكون امام مصيره وقدره ومستوى نجاحه وذلك ابان النزاعات والصراعات وحيث يتأسس مفهوم التضليل ليتحول الى اداة فاعلة ومحركة ومنطلق اساسي للتغطيات الأعلامية.

من هنا وجد الإعلام الفضائي العراقي نفسه امام سباق سياسي بامتياز: الأحزاب تتسابق فيما بينهما لتملك حيزا ومساحة في الفضاء الأثيري من جهة ولإطلاق ايديولوجياتها ومواقفها السياسية تجاه شتى القضايا المطروحة ومن بينها بل ومن اهمها مسألة العلاقة مع الخصم سواء أكان حزبا او طائفة او تيارا او حكومة ووجدنا ان اقصر الطرق للوصول الى هدف الفوز بالمشاهد/المواطن العراقي والاستحواذ على عقله هو ترسيخ فكرة الإخلاص والنزاهة والوطنية التي تنطلق منها تلك الوسيلة الإعلامية.

لهذا صار من الملفت للنظر ان الكل يتحدث عن النزاهة وحفظ الأمانة وخدمة الوطن بإخلاص والتعبير عن الوطنية الصافية التي تلغي الطائفية. فإذا كان الكل ينادي بذلك عبر الأطباق البيضاء فلم اذا الأحوال في داخل البلاد كما هي عليه اليوم ومنذ سنوات؟

وفي واقع الأمر اننا نكون قد اقتربنا من فكرة "التضليل الإعلامي" وكون الكثير من الفضائيات العراقية تمارس بشكل متعمد ويومي ومتواصل مثل ذلك التضليل لغرض المبارزة مع الخصوم من جهة والفوز بالمواطن من جهة اخرى وذلك في اطار نزعات تعطل العقل وتؤجج العاطفة، تشل المنطق المتوازن وتترك للانفعال والهيجان ان يأخذ مداه.

لعل هذا الجانب الحيوي والمهم يغيب بشكل شبه تام عن وعي وخبرة الكثيرين ممن يصممون ويخططون للخطاب الإعلامي الفضائي، فهم غير قادرين على استيعاب ان ما يضطلعون به هو نوع من انواع التضليل. ولو اجريت مسحا شاملا لمساحة التضليل من خلال عينة محددة مثل نشرات الأخبار في الفضائيات العراقية على اختلافها لتأكدت من فداحة الموضوع.

ولتعميق الفكرة والوصول الى النتائج فيمكن تلمس حجم ومساحة وحقيقة التضليل الإعلامي ابان الصراعات والتناحرات والخلافات والأزمات، فحيثما وجدت هذه المشكلات وجد في موازاتها خطاب منحاز يقوم على التضليل، فالأزمات ما هي الا امتحان للمصداقية والموضوعية وعدم الانحياز لطرف ضد طرف آخر. ومن هنا وجدنا ان المسألة ليست اتهاما لطرف ضد طرف او تخوينا او ادانة بل هي حقيقة موضوعية وبدهية اعلامية فحيثما وجدت الأزمات والصراعات تحولت الفضائيات الى ساحات للتصفية السياسية والنيل من الخصوم.

واذا سحبنا ذلك الى مستوى العلاقات بين الدول فأن المسألة تكتسب مدى ابعد من التضليل المرتبط بالمصالح بالدرجة الأولى فكل ما يتعارض مع المصلحة السياسية فأنه اكثر قربا من عملية التضليل.

د. طاهر علوان

اكاديمي عراقي