التضامن الديني والوطني

بقلم: أحمد شهاب

يتجلى الإمام الحسين عند العارفين بمبادئه والدارسين لحركته النهضوية الخالدة، أبعد من مجرد رمز تاريخي انتهى وقته وانقضى زمانه، أو كرجل ثائر عارض الحكم القائم فقتل ظلما وعدوانا، وإنما هو العنوان الأبرز للمبادئ والقيم الدينية الخالدة، ورمزا للحرية الإنسانية المتجددة، والتعبير الصادق عن الاستعداد للتضحية والفداء في سبيل الغايات العليا، في مقابل ظهور أعدائه كرعاة للظلم والفساد، ودعاة للاعتداء على القيم والمثل الإنسانية بغية تحقيق مصالح وغايات دنيا.
إن الباحثين الذين ينطلقون من القراءة المذهبية للحسين، ووقائع يوم عاشوراء، سواء تحت عنوان المغالاة في الحب أم المغالاة في البغض، إنما يرتكبون خطأ متعمدا يستهدف التعمية على الأهداف الحقيقية التي نهض من أجلها الحسين ورهطه الأطهار، وينتخبون مسارا آخر في الحياة، بخلاف منهج الحسين عليه السلام، فيعمدون إلى تحويل عاشوراء من قضية ذات طموحات رفيعة التطلعات لمصلحة الأمة بجميع تقسيماتها وتوجهاتها، إلى مادة للصراع المذهبي والتقسيم الديني والسياسي والاجتماعي، وينقلون الحسين من كونه إماما وهاديا للأمة إلى جزء من الصراع الدائر في ساحة المتخاصمين.
مبالغات في إبداء المواقف عند ابتداء كل موسم عاشورائي جديد من أجل المزيد من التعصب والتمذهب، وأطروحات تُمهد لعزل كل طرف عن الطرف الآخر، وكأننا في رحلة نحو حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، فلا يحلو الحديث عن بعض المظاهر الشعائرية ونقدها إلا عند دخول الموسم السنوي الحزين، إذ يتفنن البعض في تأجيج المشاعر والاستهانة بالشعائر، على الرغم من أنها فرصة لإبداء التضامن مع الواقعة من باب المواساة الرمزية لشركاء الوطن التي بإمكانها أن تفتح مدخلا لهدم الحواجز النفسانية والاجتماعية بين المختلفين، والتخفيف من المشاعر السلبية التي يختزنها كل طرف ضد الآخر.
القليل من المبادرات الحيّة من قبيل تبادل الزيارات الدينية بدلا من منطق القطيعة، وإعلان موقف الاحترام من هكذا مناسبات بدلا من إعلان حالة الحرب، كفيلة بإغلاق أبوب الشر، والفتنة أمام دعاتها، وقطع الطريق أمام من يعمل في الخانة المضادة لأهداف وتطلعات الحسين، والتي على رأسها طلب الحق وإقرار المعروف وإنكار الظلم والاستبداد والاستعباد، والتي هي في المحصلة أهداف ذات طابع إنساني وليس إسلاميا فقط.
هذه المبادرات لا تعد تنازلا عن العقيدة، أو ضعفا في التدين، بل أكاد أقول أنها من صلب العقيدة، لأنها تنتصر لقيم كبرى ركز عليها الدين، بل وجعلها مقياسا على إيمان الأفراد، فالتعايش والتعارف والتآلف والمودة ليست خيارا فرديا يقرره، أو ينفيه زعيم جماعة، أو عالم دين، أو شيخ عشيرة، وإنما هي ضرورة ملحة لصحة الجسد الإسلامي وتعافيه من وباء الفرقة والفتنة، وهذا التعافي لا يتم من دون إظهار المودة وارتفاع درجة التراحم بين المسلمين على انتماءاتهم المذهبية كافة، وقد قلت مرة إن مشروع الحسين في إيجاز، هو مشروع الوحدة في مواجهة مشروع الفرقة.
ويبدو لي أن القليل من المبادرات من شأنها تعزيز أواصر المحبة والتعاون والتداخل بين المسلمين، بما يمنحهم القدرة على وضع الكثير من القضايا محل الجدل على طاولة الحوار الموضوعي البعيد عن عقلية التَّصيد والاستهداف، ومن الواضح أن عجز المسلمين عن إحسان الظن ببعضهم البعض تعتبر العقبة الأولى التي تقف في طريق إصلاح وضعيات مجتمعاتنا الراهنة، ولا تزال هي نقطة الضعف الأبرز التي تُستغل لضرب الوحدة الوطنية والأهلية.
المسلمون اليوم بحاجة إلى مبادرات عملية وجريئة للخروج من حلقة الهواجس الطائفية، والتقدم نحو مواقع جديدة على مستوى العلاقات الداخلية، بقيادة ومبادرة رجال الدين وأصحاب الرأي والمثقفين، بصفتهم المعنيين اولا وأخيرا بتوجيه الشارع نحو الصدام أو التعايش.
نحتاج إلى مبادرة خصوصية جدا من أهل السنة والجماعة في دول الخليج، تكون بحجم ما قررته الطائفة المسيحية في مدينة البصرة هذا العام، وذلك وفق ما ذكره موقع «الميدل ايست»، من أن الأسقف عماد البنى، رئيس أساقفة الكلدان في البصرة، طلب من «أبناء الطائفة وقف الاحتفالات واستقبال الضيوف خلال عيد الميلاد، احتراما لمشاعر المسلمين في شهر محرم الحرام، وبخاصة الشيعة منهم». وطالبهم بعدم إبراز مظاهر الاحتفال، لكونه يتزامن مع ذكرى «عاشوراء»، وما يرافقها من مراسم شعائر استشهاد الإمام الحسين في كربلاء.
هذه المبادرة لم تقلل من قيمة الطائفة المسيحية، بل عمقت من قربهم إلى باقي النسيج الاجتماعي العراقي، وخففت من مظاهر الاحتقان السابقة، ومن شأنها أن تؤسس لعلاقة جديدة أساسها المواطنة الصالحة، بعيدا من أي اعتبارات دينية أخرى.. فالعراقي المسيحي يقف على مستوى واحد من جهة الحقوق والواجبات من نظيره الشيعي، والأخير لا يتمايز، من حيث درجة المواطنة عن العراقي السني، والجميع يسهم في بناء عراق آمن، أو هكذا يفترض ان يكون طموح كل المواطنين.
في هذا السياق، وعلى المنهج ذاته، يمكن لكبار العلماء والوجهاء من الطائفتين، من الذين يحبون أن يصنفوا أنفسهم على خط الاعتدال والوسطية، أن يبادروا إلى زيارات دورية للجوامع والحسينيات والمراكز الدينية، بروح التعارف وليس التنابذ، نحوّل من خلالها الجوامع إلى جامع واقعي غير متلبس بمشروع الفرقة، وأن نأكل جميعا على مائدة الحسين يوم عاشوراء.
انتصر الحسين للإنسان، كرامة ومعنى، وينبغي على الجميع أن يتعاطى مع الواقعة بحجمها الذي تستحقه، بعيدا من القراءات المذهبية الضيقة، فلولا معركة كربلاء لانتفى المثال الصائب للنهضات الحية في سبيل الدفاع عن المبادئ والقيم، ولولا الحسين لانتفى الأنموذج الأرفع للتضحية بالذات من أجل الحرية والكرامة، وهذه الشعائر ينبغي أن تقرأ بوصفها وسيلة من أجل بقاء هذا المثال والأنموذج حيا، وحاضرا، على الرغم من مرور الأزمان. أحمد شهاب
كاتب من الكويت ahmed.shehab@awan.com