التضامن الاجتماعي في تونس.. أولويات وآليات

احتفل التونسيون يوم 8 ديسمبر/كانون الاول وككل عام باليوم السنوي للتضامن حيث تدفق آلاف المواطنين للمساهمة في التبرعات التي تقام قصد تعزيز روابط التضامن الوطني وتوفير العيش الكريم لذوي الحاجات الخاصة.
يوم التضامن الوطني هذا العام تميز بإشراف الرئيس التونسي زين العابدين بن علي على مجلس وزاري اتخذ خلاله جملة من الإجراءات التي تهدف الى مزيد تعزيز فرص التشغيل وإحداث موارد الرزق وإقامة المشاريع الخاصة.
والواقع ان فكرة التضامن الوطني تستمد في تونس روافدها من منهج الوسطية والرهان على الموارد البشرية ذلك ان الإنسان احتل في تونس المستقلة موقع القلب من المشروع الحداثي لدولة الاستقلال وظل على مدى الخمسين سنة الماضية على ما شهده هذا البلد العربي من تجارب وخيارات سياسية واقتصادية راوحت بين الاشتراكية والليبرالية والتخطيط التنموي المركزي وتحرير الاقتصاد والمبادرة المحور والأساس لكل جهد تنموي تأكيدا لوعي وطني منذ الاستقلال حتى اليوم مفاده أن الثروة البشرية تعد ثروة تونس الأولى.
وإذا كان البعد الاجتماعي في مخططات الدولة وبرامجها التنموية ميزة بارزة للمقاربات المنتهجة منذ استقلال تونس سنة 1956 تترجمه الأولوية التي حظي بها خيار نشر التعليم وتعميمه والارتقاء بحقوق المرأة ومكانتها في المجتمع وتطوير البنى التحتية الكبرى الاقتصادية والخدماتية فقد احتل بعد التضامن مكانة هامة في سياق سياسة طوعية استهدفت انتشال قطاعات واسعة من السكان من وضعيات الفاقة والفقر ونقص المرافق الاساسية.
وقد وجد هذا البعد الأخير ترجمته من خلال جملة من المشاريع والبرامج الخصوصية لعل أبرزها برنامج التنمية الريفية المندمجة وبرنامج التنمية الحضرية المندمجة اللذين شرع في تنفيذهما منذ سبعينات القرن الماضي وما رافقهما من تدخلات خصوصية وطنية وجهوية ومحلية كرست بالأساس للقضاء على جيوب الفقر والهشاشة الاجتماعية سيما في المناطق الريفية الداخلية والاحزمة السكنية المحيطة بالمدن الكبرى ولتنويع قاعدة الاقتصاد الريفي الذي يعتمد أساسا على الزراعة وتقليص الامية وتوفير خدمات رعائية اجتماعية وصحية وتوسيع شبكة المدارس ومؤسسات التعليم.
وقد أثمرت تلك السياسات رغم محدودية الموارد وصعوبات التنفيذ في بعض الفترات مكاسب على صعيد المؤشرات الجملية للتنمية البشرية أفرزتها بالخصوص سياسة تعميم التعليم وتوخي سياسة سكانية جريئة مكنت على مدى العشريات السابقة من التحكم في النمو الديمغرافي والترفيع في نصيب الفرد من الدخل الوطني.
ومنذ تحول 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 الذي قاده الرئيس زين العابدين بن علي ثاني رئيس لتونس المستقلة بعد الزعيم الحبيب بورقيبة وفي تواصل مع ثوابت السياسة التنموية الوطنية فتحت تونس صفحة جديدة في سجل التخطيط التنموي من عناوينها الكبرى الحرص على تكريس مبدأ عدالة التنمية بين الفئات والجهات ومن تجلياتها البارزة تدشين أجيال جديدة من البرامج التنموية الخصوصية التي أرفقت بآليات تضامنية مبتكرة صنعت لتجربة تونس التنموية مقومات فرادة أكيدة.. ومن هذه الآليات "صندوق التضامن الوطني" و"البنك التونسي للتضامن" و"الصندوق الوطني للتشغيل".
وقد كان لجملة هذه البرامج والآليات المنصهرة ضمن مكونات المقاربة التنموية التونسية المتسمة بتلازم البعدين الاقتصادي والاجتماعي والمتفردة لجهة الأدوات وطرق ومناهج التنفيذ التي رافقتها الأثر الكبير على صعيد التحسين المطرد لمؤشرات التنمية البشرية ومقاييس الرعاية والخدمات الاجتماعية ومستوى عيش السكان من حيث تراجع نسبة الفقر إلى حدود 3 فاصل 9 بالمائة وتعميم التعليم على مجمل الأطفال التونسيين في سن الدراسة وتقليص ظاهرة الأمية لدى كل الفئات العمرية سيما الشريحة بين 15 و29 سنة وتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى التي تنتمي إليها اليوم 80 بالمائة من الأسر التونسية.
وقد وجدت هذه النتائج صداها في تقارير الأجهزة الدولية والأممية على غرار البرنامج الأممي للتنمية ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ومؤسسات الترقيم العالمية والمنتديات الاقتصادية المتخصصة وتجلت أيضا في التقرير الذي عرضه الامين العام للمنتظم الاممي في سبتمبر 2005 على الدورة الاخيرة للجمعية العامة والمتعلق بالتقدم الذي أحرزته مختلف الدول على صعيد تنفيذ أهداف التنمية التي ضبطتها قمة الألفية الاممية. صندوق التضامن الوطني 26/26 حقق هذا الصندوق الذي يعرف اختصارا في تونس بصندوق 26/26 كناية عن رقم الحساب البريدي الذي تودع به تبرعات المواطنين والمؤسسات في رصيد الصندوق نجاحات هامة ونوعية بمناطق تدخله التي تشمل بالأساس المناطق الريفية المعزولة والنائية التي ظلت على مدى عقود طويلة بمنأى جزئيا أو كليا عن المسارات التقليدية للتنمية.
وقد شملت تدخلات هذا الصندوق منذ دخوله طور العمل الفعلي سنة 1993 (تم الإعلان عن إحداثه من قبل الرئيس بن علي في ديسمبر 1992) ما لا يقل عن 1800 منطقة تقطنها أكثر من 250 ألف عائلة أي أكثر من مليون نسمة وهو ما يزيد عن عشر مجموع السكان التونسيين الذي يبلغ زهاء 10 ملايين نسمة حسب إحصاء 2004.
وقد تم تخصيص اعتمادات تناهز 800 مليون دينار لتمويل هذه التدخلات التي شملت بالخصوص تهيئة البنى الأساسية والمرافق الجماعية من طرقات ومسالك ريفية وتزويد بالماء الصالح للشراب وتنوير كهربائي وبناء مدارس ووحدات صحية أساسية إضافة إلى البرامج المرافقة التي تعنى بخلق موارد الرزق من خلال تمكين السكان من مساعدات مالية وعينية لبعث مشاريع صغرى تؤمن لهم دخلا منتظما يرتقي بهم من منزلة المواطن المكفول إلى مرتبة المواطن المسؤول الذي يعول بالدرجة الأولى على الذات لمجابهة حاجيات أسرته ومتطلبات حياته بمختلف أوجهها.
وقد مثلت التدخلات الناجعة لهذه الآلية الرائدة قاريا وعربيا أحد روافد إشعاع التجربة التونسية في مجال التضامن التي حرصت عديد البلدان ولاسيما الإفريقية منها على استلهامها والنسج على منوالها في مجهودها لمقاومة الفقر ومعالجة مظاهر الإقصاء والتهميش الاقتصادي والاجتماعي.
كما أشعت تجربة صندوق التضامن التونسي على آفاق عالمية أوسع ترجمه التجاوب الدولي الكبير مع المبادرة التي أطلقها الرئيس بن علي والداعية إلى إحداث صندوق عالمي للتضامن مكافحة الفقر الذي صادقت الجمعية العامة الأممية على بعثه في ديسمبر 2002. كما اعتمدت الجمعية العامة باقتراح من الرئيس التونسي في ديسمبر 2005 قرارا يقضي بإعلان يوم 20 ديسمبر من كل سنة "يوما دوليا للتضامن الإنساني". البنك التونسي للتضامن وفي مسعى يرمي إلى إثراء المنظومة التضامنية الوطنية وفتحها على مدارات وشرائح ومطالب واحتياجات مستجدة وفي نطاق الأولوية المطلقة التي يحظى بها ملف التشغيل بادرت القيادة التونسية سنة 1997 بإحداث "البنك التونسي للتضامن" الذي تنص أنظمته وتراتيبه على إجراءات ميسرة تكفل لسكان المناطق الهشة والشبان المفتقرين للموارد والضمانات الكافية للاقتراض من البنوك التجارية الحصول على قروض لبعث مشاريع صغرى وموارد رزق.
وقد مكنت تدخلات هذه المؤسسة المالية التضامنية من انتشال عشرات الآلاف من التونسيين والتونسيات من أسر البطالة والفاقة. وقد استفاد حاملو شهادات التعليم العالي بنسبة 15 بالمائة من هذه التمويلات في حين خصصت نسبة 50 بالمائة لتمويل مشاريع في المهن الصغرى ونسبة 38 بالمائة لإنجاز مشاريع في قطاع الخدمات.
وعلى صعيد آخر أسند البنك التونسي للتضامن 3.4 بالمائة من مجموع قروضه خلال السنوات الأخيرة للفئات ذات الاحتياجات الخصوصية وفي مقدمتها الأشخاص المعوقون وذلك تجسيما لسياسة الدولة التونسية الهادفة إلى مقاومة كل مظاهر الإقصاء والتهميش والتشجيع على الانخراط في اقتصاد المعرفة. ووفقا لنفس الفلسفة التضامنية وتكريسا للحرص على تأمين استفادة كل العائلات التونسية أيا كانت ظروفها الاقتصادية والاجتماعية في كنف العدل والمساواة من مزايا الثورة المعلوماتية الحديثة أسند هذا البنك ما قيمته 550 مليون دينار في شكل قروض لتمويل المشاريع الصغرى.
من جهة أخرى وإثراء لمنظومة تمويل القروض الصغيرة تم منذ سنة 1999 تخصيص خط تمويل لدى البنك التونسي للتضامن على ذمة الجمعيات لإسناد القروض الصغيرة التي يقدر حجمها الأقصى بـ4 آلاف دينار للأنشطة المنتجة ولا يتجاوز 700 دينار بالنسبة للقروض المخصصة لتحسين ظروف العيش. وتسند هذه القروض دون ضمانات عينية وقد تكون بمبالغ متزايدة ومتتالية حسب درجة نجاح المشروع واحترام آجال الاستخلاص.
وقد كان من ثمار هذا التمشي أن شهد عدد الجمعيات المرخص لها بإسناد القروض الصغيرة تطورا مطردا ليبلغ 180 جمعية قامت بإسناد مئات القروض بحجم تمويل جملي قدره 158 مليون دينار. وقد اكتسب أداء هذه الآلية مزيدا من النجاعة وتعززت قدراتها على مواصلة تمويل المشاريع بفضل تحقيق نسبة استخلاص للقروض فاقت الـ80 بالمائة وهو مؤشر يبرهن على توفقها في احداث مشاريع وموارد رزق ذات مردودية فعلية. الصندوق الوطني للتشغيل 21/21 وضمن المسار الطوعي لتنويع أدوات ومكونات المنظومة التونسية للتضامن وتحقيق شموليتها وتكاملها تم سنة 2000 في تونس إحداث "الصندوق الوطني للتشغيل" الذي يسمى اختزالا "صندوق 21/21/ إحالة للقرن الجديد والألفية الثالثة/ تجسيدا للبعد المستقبلي الذي تنطوي عليه تدخلات هذا الصندوق الموجه بالأساس لطالبي الشغل من الشباب.
وقد شملت تدخلات هذا الصندوق التي أنجزت على مدى السنوات الخمس الماضية بالتنسيق والتعاون مع الأطراف المعنية من وكالات تشغيل وتكوين ووزارات وهياكل مهنية ومؤسسات اقتصادية أكثر من 629 ألف منتفع من الفئات صعبة الإدماج مهنيا خاصة من حاملي الشهادات العليا.
ويسهر هذا الصندوق على تنفيذ برامج تهدف إلى تعزيز قابلية التشغيل لدى خريجي منظومة التعليم والتكوين بمختلف اختصاصاتها وذلك أساسا عبر تنظيم دورات تدريبية وتكوينية تستجيب لمتطلبات سوق الشغل في مجالات مستحدثة ومطلوبة مثل الإعلامية والملتميديا والجودة وحفظ الصحة إضافة إلى الإشراف على برامج التدريب بالمؤسسات ولدى الحرفيين خاصة في مجال الصناعات التقليدية. ومما يبرز الطابع الإنساني التضامني لهذه الآلية كون تدخلاتها قد تركزت في المناطق ذات الأولوية التنموية لدفع التشغيل بها من منطلق الوعي بأن الشغل يظل الشرط الحيوي لتحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي ويعد من مقومات حقوق الإنسان التي تكتمل بها كرامة المواطن. جمال الشريف
كاتب تونسي