'التصوف والتاريخ' يميط اللثام عن تناقضات الجبرتي

بيروت - من جورج جحا
روايات تاريخية متناقضة

يقول المؤرخ الباحث والدبلوماسي اللبناني خالد زيادة إن عبد الرحمن الجبرتي وعلى رغم بعض المواقف المشككة عنده والمنتقدة لبعض الشيوخ والعلماء ومن المجاذيب والدجالين احيانا اتخذ في مجالات اخرى موقف المعتقد من كرامات اولياء وعلماء ونساك.
وقال الدكتور خالد زيادة في كتاب جديد له وفي فصل عنوانه ( التصوف والتاريخ) إن اعتقاد الجبرتي الذي اعتبر أبرز وأهم مؤرخ مصري في القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر كان اعتقادا شائعا لدى الغالبية العظمى من سكان مصر.
وحفل الكتاب باستنتاجات لزيادة توصل اليها بصورة رئيسية من خلال بحثه في كتاب الجبرتي (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والاخبار) الذي اعتبر مرجعا رئيسيا لاحداث مصر في فترة التحولات قبل الحملة الفرنسية ( 1789ـ1801 ) وبعدها.
واضاف "واذا كانت الصوفية تعني من ضمن ما تعنيه الايمان بقوى غيبية تكون لبعض الافراد فتأتي على ايديهم الخوارق والكرامات فان جميع سكان مصر في القرن الثامن عشر وكذلك غيرهم من اهل الاقاليم الاسلامية الاخرى كانوا يشتركون فيما بينهم في هذا الايمان".
كتاب الدكتور زيادة وعنوانه (العلماء والفرنسيس في تاريخ الجبرتي) والذي جاء في 142 صفحة متوسطة القطع صدر عن دار "رياض الريس للكتب والنشر".
وقال زيادة ان الطرق الصوفية كانت مننشرة انتشارا واسعا من خلال حلقاتها المنتشرة في كل المدن وكذلك في الارياف ومنها الشاذلية والقادرية والخلوتية والاحمدية والرفاعية.
وقد كانت هذه الطرق الصوفية وغيرها تسيطر على الحياة المهنية من خلال امساكها بالطوائف الحرفية التي كانت تنظم الحياة اليومية في المدن. وكان الايمان بالخوارق والاحوال العجيبة اوسع انتشارا من انتشار الطرق ذاتها.
ويقدم لنا الجبرتي في تاريخه هذا "فكرة شاملة عن الحياة العقلية في مصر والتي يسيطر عليها الاولياء وارباب الاحوال واصحاب الخوارق والكرامات وذلك من خلال تراجم اولئك الاشخاص الذين ملكوا قلوب العامة..."
يضيف زيادة "ويظهر لنا ان عوام الناس و(ما اسماه الجبرتي) أصحاب المهن الخسيسة وكذلك النساء كانت لهم حساسية مفرطة تجاه المجاذيب الذين يدعون خوارق الاعمال...".
وقد اورد كثيرا من هذه "الوقائع" ويقول الكاتب "ان التعرف الى موقف المؤلف من هذه الوقائع ليس بالامر السهل فالجبرتي يبرز للقارىء مواقف متناقضة فتارة يبدو محايدا وتارة يظهر متشككا وقد يصرح بنقده لافعال بعض المجاذيب وسلوك العامة...".
والجبرتي اذن اتخذ مواقف متشككة من بعض العلماء والشيوخ "في اكثر من مناسبة.. وقد اتخذ موقف المنتقد المتشدد في بعض الاحيان من المجاذيب والدجالين".
لكن زيادة اضاف "وعلى الرغم من ذلك وبغض النظر عن هذه المواقف المشككة والمنتقدة والمتكررة في اكثر من مناسبة نجد الجبرتي في مناسبات اخرى وقد اتخذ موقف المعتقد من كرامات الاولياء والمؤمن (بقبطانية) بعض الائمة والعلماء والنساك بل ان ما ينكره من خروج الناس لزيارة ضريح السيد علي البكري يتقبله لدى زيارة ضريح السيد الرزوقي...".
واستشهد بأمثلة في هذا المجال فقال "ويظهر لنا الجبرتي مقتنعا بان الشيخ محمد القليني المتوفي سنة 1750 م. كان ينفق من الغيب لانه لم يكن له ايراد ولا ملك ولا وظيفة ولا يتناول من احد شيئا وينفق انفاق من لا يخشى الفقر..."
وتوصل زيادة في هذا المجال الى القول "إن حياد الجبرتي في عرضه الوقائع والاخبار وتركها من غير تعليق ولو قصيرا يعود بالدرجة الاولى الى اعتنائه بتسجيل ما سمعه وما رآه عناية المأخوذ بمهنته التاريخية. الا ان هذا الميل لدى الجبرتي لا يخفي شكه في بعض المنتمين الى طرق صوفية غير التي ينتمي اليها".
والجبرتي لا يظهر مقتنعا الا باولئك الخلوتيين المنتمين الى ذات الطريقة التي ينتمي اليها وانتمى اليها من قبل آباؤه واجداده.
أما الانتقادات الشديدة الى بعض المجاذيب من مدعي الكرامات والخوارق فينبغي ان ندرجها ضمن موقف الجبرتي العدائي للتصوف الشعبي العامي "حيث يبرز بين الحين والاخر دجالون متسرعون لحيازة قلوب العامة. "والجبرتي انتهز الفرصة اكثر من مرة للنيل من فقراء الاحمدية والرفاعية. وبالرغم من كل هذا فان الجبرتي لا يستطيع الا ان يظهر لنا اعتقاده ويقينه حين يتعلق الامر بكرامات ائمة ومشايخ الخلوتية التي ينتسب اليها...".