التشكيلي العراقي اسماعيل الترك يلامس 'الوجوه'

عمّان ـ من نضال برقان
هُوية مميزة

استعادت العاصمة الأردنية عمان تجربة النحات والرسام العراقي إسماعيل فتاح الترك (1934ـ2004) من خلال المعرض الذي افتتح الاثنين في مركز رؤى للفنون، والذي يتواصل لغاية التاسع عشر من الشهر الجاري (نوفمبر/تشرين الثاني) تحت عنون "ذكرى ووفاء".
والمعرض الذي ضم أربعة وثلاثين عملا فنيا، يشكل تنوعا في إنتاجه الفني، إذ يتنقل من غربة الذات الإنسانية الجمعية على مر العصور، إلى رصد لذائذها الحسية على صعيد فردي من خلال استنطاق الجسد البشري، الذي بدا ذاهبا باتجاه ذاته بعيدا عن اشتراطات الراهن والمُعاش.
ومن خلال اشتغالها على بُعد الجسد، عاينت لوحات المعرض يباب الراهن على صعيد خارجي، الأمر الذي جعل تلك الذات ترتد إلى الداخل في محاولة لاستيعابها أولا، ثم إخراجها لاستيعاب الآخر تاليا، ولأن المرأة أكثر دراية بذاتها من دراية الرجل بذاته، فقد بدت أكثر فعلا وحركة في الأعمال التي عاينت الرجل والمرأة كموضوعة، ولأنها أكثر ثراء من جهة أخرى، فقد قدمت في لوحات المعرض بوحا وجرحا كذلك.
كما حوى المعرض الذي ضم لوحات أنجزها الراحل خلال العقدين الأخيرين على مجموعة من الأعمال التي قرأت الذات الإنسانية من خلال اشتغالها على بُعد الوجه، الذي استله الترك من رحم الحضارات، حيث بدا ذا ملامح نبطية تارة وسومرية تارة أخرى، لما بدا الوجه النبطي ـوكأن الترك قد زار البتراء وأعجب بآثارهاـ مستطيلا، في حين بدا الوجه السومري دائريا نوعا ما.
وإذا كان التبسيط في الشكل حاضرا رئيسيا في المعرض، فمردّه إلى التكثيف الذي تطلع له الترك على صعيد الوجود الإنساني، بمعنى اختصار ما يمكن أن يشكل تشتيتا لذلك الوجود، كما يعكس ذلك التبسيط/التكثيف حالة من الصفاء على صعيدي الرؤية والرؤيا، بعيدا عن لوثة الواقع والمعاش.
كما امتد ذلك التكثيف على العناوين التي أطلقها الفنان الراحل على لوحاته ومنحوتاته، حيث جاءت منحازة للجوهر الإنساني، على غرار "رجل وامرأة" و"وجه ملون" و"وجه أسود" و"وجه في الأسر" و"ثلاث أشخاص" و"وجه بدون رأس".
وعلى الصعيد اللوني فقد جاءت لوحات المعرض ضاجة بالطاقة وعامرة بالحركة ومحافظة على بساطتها من جهة، وكينونتها من جهة أخرى، بمعنى أن اللون وإن بدا بسيطا في اللوحة فإنه بدا محافظا على هويته الخاصة، وهي الهوية الأكثر حضورا في الأعمال التي خصصت فيما يبدو للوجوه/البورتريهات البدائية.
والترك الذي توفي بعد صراع مع المرض في أحد مستشفيات بغداد، كان قد ولد في البصرة وتخرج في أكاديمية روما للفنون الجميلة عام 1962، ثم عمل أكثر من 30 عاما مدرسا في كلية الفنون الجميلة ببغداد، وتتلمذ على يده معظم فناني جيل السبعينيات والثمانينيات.
وجاء هذا المعرض إحياء لذكراه الثانية، واحتفاء بتجربتة الفنية التي شكلت مفصلا مهما في مسيرة التشكيل والنحت العربيين.

وللترك أعمال فنية عديدة منها تماثيل ما زالت حتى اليوم في ساحات وشوارع بغداد، بعضها لشخصيات بغدادية معروفة مثل الشاعرين معروف الرصافي وعبد المحسن الكاظمي والشاعر العباسي أبو نواس والرسام العباسي الواسطي.
وقد أقام الترك العديد من المعارض الفنية في النحت والرسم في عدد من العواصم العربية والأجنبية، ولعل من أهم وأبرز الأعمال الفنية التي نفذها الفنان العراقي الراحل نصب الشهيد الضخم وسط العاصمة العراقية، ويعتبر النقاد العالميون، الذين زاروا نصب الشهيد، العمل غاية في العبقرية المعمارية والتصميم الفني.
وتتويجاً لرحلته مع الإبداع التشكيلي في الرسم والنحت حصل الفنان الراحل على عدد متميز من الجوائز المحلية والعربية والعالمية، ففي عام 1962 حصل على الجائزة الأولى للفنانين العرب في مسابقة سان فيتا في روما، وعلى الجائزة الأولى أيضاً في معرض قصر الفن في روما وهي جائزة للفنانين التشكيليين العرب، كما حاز الترك على جائزة النحت الأولى للفنانين الأجانب في حي ماركيتا بإيطاليا وذلك عام 1963، وبين عامي 1966 ـ 1986 فاز الترك بالعديد من مسابقات النصب النحتية في بغداد.
يشار إلى أن مركز رؤى للفنون سيقيم الأربعاء المقبل ندوة خاصة عن أعمال الفنان الراحل.