التشكيليون السوريون: جيل الرواد يقتل طموح الشباب

دمشق
غياب الهوية الفنية

يحظى المحترف التشكيلي السوري كل عام بعدد من خريجي كلية الفنون الجميلة يقدر بحدود 150 خريجاً في الاختصاصات الخمسة فضلاً عن عدد آخر من خريجي المعاهد الحكومية أو الخاصة إلى جانب أعداد ممن يقبلون عليه بعد دراسة خاصة.

وما بين تحقيق القيم الفنية والجمالية لأعمالهم التي يقدمونها ومتطلباتها المادية واستمرارية تجربتهم تتجاذب الفنانين الشباب عدة قضايا يقف في مقدمتها ابتعاد أساليبهم الفنية عن الواقعية الكلاسيكية حيث يميل معظمهم إلى التجريد والحداثة وما بعد الحداثة في الطرح الفني إضافة إلى ابتعادهم شيئاً فشيئاً عن التراث والبيئة في حين يقع بعضهم في مطب التقليد فضلاً عن عدم استيعابهم لعملية تسويق العمل الفني وسعيهم لتكوين سلسلة علاقات تكون عوناً لهم في ظل ضعف إمكاناتهم المادية.

عبد اللطيف الجيمو واحد من الخريجين الجدد الذين اختصروا الصعوبات في تأمين المورد المالي، لكنه يؤكد أن ذلك لن يمنعه من أن يصر على الفن كصيغة حياة ويرى أن الفنان الحقيقي لا يتخلى عن فنه بسبب قلة المال "لأن الشغف الحقيقي بالفن هو ما يجعل أحدنا يستمر ويحقق النضج التكنيكي والفكري لموهبته".

ونفى الجيمو الذي تخرج عام 2009 باختصاص تصوير زيتي أن يكون الغرض المادي همه الأساسي واعتبر أن ما يشغل باله هو تحقيق عمل فني يرضيه ويكون حاملاً لأحاسيسه ومشاعره.

ورغم الحركة الفنية النشطة التي شهدتها سورية في الفترة الأخيرة إلا أنها تحمل برأي الجيمو من السلبيات ما يعادل الإيجابيات فهناك عدد من الصالات الخاصة الحديثة التي لا تسمح بعرض أي عمل لفنان شاب وإن فعلت فإنها تتحكم بنتاجه الفني بحيث تقيده بمواضيع وأسلوب وشروط فنية قد يريدها.

وتؤكد ربا كنج المتخرجة حديثاً من قسم النحت أن الزمن كفيل بإظهار غث الجماليات من سمينها، وتقول "شيئاً فشيئاً سأحقق طموحي مشيرة في هذا الصدد إلى أن عدم وجود هوية فنية خاصة لا يقع في مطبها الفنانون الشباب فقط بل هناك فنانون كثر لهم تجربتهم لا يملكون هذه الهوية ولم يصعدوا السلم الفني درجة بعد أخرى مستغلين الكثير من النواقص ومستسهلين العمل الفني على حد تعبيرها".

لكن ربا ترى أن لكل اختصاص فني معوقاته فمشاكل النحت تتمثل في صعوبة تأمين محترف مستقل وهذا ما دعا الفنانين الشباب لتشكيل محترفات مشتركة.

وإذا كان للوعي الجمعي للفنون دور مهم في ازدهارها فإن ربا تلفت الانتباه لغياب فعلي للنقد الفني عن الساحة الفنية السورية وتقول.. قلة هم النقاد الذين يفهمون ما يقولون.

ومن المؤكد أن هناك قسماً كبيراً من الفنانين الرواد المؤمنين بضرورة وجود فنانين شباب لإكمال الرسالة الفنية التي يحملونها فيقفون إلى جانبهم.

ولكن كاميران خليل وهو من الفنانين الجدد يؤكد أن هناك قسماً من الرواد يتفانى في التضييق على الفنانين الصاعدين خوفا من أن يتفوقوا عليهم ويعلل ذلك بأن كثيراً من الفنانين الشباب استطاعوا أن يحققوا نجاحات وإبداعات منحتهم التميز بفضل مثابرتهم على العمل رغم الصعوبات.

وترى الفنانة الشابة دوللي فضول أن العلاقات الشخصية هي المحدد للدعم الذي يحصل عليه الفنان الشاب سواء من قبل التشكيليين ذوي الخبرة أو من قبل صالات العرض التي تسعى لتحقيق الربح وتقول إن هذه الصالات تبحث عن فنانين يحققون هذه الغاية ويحرصون على إنشاء علاقات شخصية قوية معهم تضمن حضورهم المستمر عندهم.

أما النحاتة الشابة رهف جوخدار فتشير لوجود صالات تتبع أسلوب المعارض الجماعية لتشجيع الجيل الجديد من الفنانين وفي المقابل تسعى غيرها لتحقيق الربح فلا تعمل على تقديم واستضافة الفنانين الشباب.

ولكي يبتعد الفنانون الشباب عن الصالات الخاصة التي تأخذ نسبة من مبيعات لوحاتهم ما يعرضهم للخسارة المادية ولعدم استطاعتهم مجاراة ما تتطلبه هذه الصالات فإنهم كثيراً ما يطرقون باب مديرية الفنون الجميلة واتحاد الفنانين التشكيليين للمشاركة في المعارض الجماعية والفردية والمسابقات والملتقيات التي يقيمانها لدعم الحركة الفنية الشبابية.

ويؤكد الدكتور حيدر يازجي رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين أن الاتحاد يأخذ على عاتقه تشجيع المواهب الشابة وإتاحة الفرص أمامهم ورعايتها وتسويقها وقال.. إن الاتحاد مؤسسة غير قادرة على شراء الأعمال واقتنائها لكنها تحرص على التواصل مع المؤسسات الخاصة والعامة في إطار التعريف بموهبة عدد من الفنانين الشباب الذين يحاولون إثبات جدارتهم الفنية.

ويلفت يازجي إلى أن الاتحاد لا يستطيع مجاراة الصالات الخاصة فيما يتعلق بأسعار العمل الفني ولكنه يشكل مرجعية فنية صادقة لكل من يرغب في اقتناء الأعمال الفنية مشيراً إلى أن الاتحاد يعد خطةً يرصد من خلالها مبلغاً لشراء بعض الأعمال لتشجيع الشباب واستمرارية فنهم.

ودعا رئيس الاتحاد المؤسسات الخاصة والعامة لاقتناء الأعمال الفنية الشبابية لتنشيط الحركة التشكيلية في سورية والإسهام في استمرارية الفنانين الشباب حتى لا يضطروا لإنجاز أعمال شبه فنية تتماشى مع ما يطلبه السوق مشيراً إلى أن ذلك يحقق غايات أخرى كتحسين الذائقة الفنية لدى العامة وينقذ الفنانين الشباب من الشروط التعجيزية للصالات الخاصة.

وأكد يازجي أن الاتحاد يقيم في شهر أيار من كل سنة مسابقة للفنانين الشباب من كل الاختصاصات يهدف من خلالها إلى تقديم دعم مادي فعال للفنانين الشباب رغم أنه بسيط لكنه يشجعهم على التنافس.

وقدم يازجي مقترحاً آخر يتمثل في إشراك الفنانين الشباب في الملتقيات الفنية الداخلية والخارجية بهدف زيادة الغنى الفني والمعرفي لدى الشباب وإعطائهم حافزاً لتأصيل العمل الفني فضلاً عن مشاركة التشكيليين في الأسابيع الثقافية الدولية إلى جانب السينمائيين والمسرحيين والأدباء.

ورأى يازجي أن أغلب الشباب يسعون إلى حرق المراحل وعدم التدرج الفني المطلوب وبالتالي هذا يوءثر على الفنان أولاً وعلى الحركة الفنية بشكل عام.

ويرى رأى عميد كلية الفنون الجميلة الدكتور محمود شاهين في توجه الفنانين الشباب نحو الأساليب الفنية الحديثة انحرافاً عن بيئتهم وانتمائهم وهويتهم البصرية والفنية والاجتماعية.

ويقول "إن هذه التوجهات تحطم المعايير الكلاسيكية للجمال وتجعل الفنانين الشباب يميلون نحو العبث تحت عناوين الفن المفاهيمي والحداثة وما بعد الحداثة".

وأوضح شاهين أن العالم يشهد هجمة على الجمال للتأكيد على القبح وفصل فنون الحضارات عن تاريخها تمهيداً لنزعها من أي انتماء.

وعن دور الكلية في رفد طلابها بالأسس الفنية الصحيحة بين الدكتور شاهين أن كلية الفنون الجميلة بصدد إعداد منهاج دراسي جديد حالياً يعتمد على تزويد الطلاب بالضوابط الكلاسيكية الواقعية اللازمة لبناء شخصية الفنان المتوازنة وبعد التخرج يكون لهوءلاء الفنانين الشباب الحرية في التوجه الفني الذي يريدون مع المحافظة على العلاقة بينهم وبين حضارتهم وتاريخها وفنها.

ولا يخلو المشهد التشكيلي الشبابي من توجه نحو الواقعية المتطرفة الأقرب للتصوير الفوتوغرافي وهذا ما شبهه عميد الكلية بالتوجه الموازي نحو التجريد المغرق مؤكداً توجه الكلية العام نحو التوازن وعدم التطرف في الأساليب الفنية التي يتبعها الطلاب بما يخدم هموم مجتمعهم ويحافظ على ارتباطهم ببيئتهم.(سانا)