التسوّل يؤرّق السوريين، اسأل عن التفكك الاجتماعي

آثار اجتماعية خطيرة

دمشق - تجلس دعاء (8 سنوات) على أحد الأرصفة وتثني إحدى رجليها لتبدو وكأنها مقطوعة لاستثارة عطف الناس وجمع أكبر قدر من المال، وتقول دعاء إنها تتسول لتعيل أسرتها بعد وفاة والدها ومرض والدتها.

‏وفي الطرف المقابل تجلس زينة التي تبرر تسولها بأنها تعيل عائلتها بعد طلاقها من زوجها، فيما يقول خالد (13 سنة) "أشعر بالخجل عندما أتسول ويراني أحد من أصدقائي أو أي شخص أعرفه، وأبي هو من يجبرني على ذلك وله النصيب الأكبر من هذه الأموال إضافة إلى أنه يجعلني أقوم بتغيير المكان خشية الملاحقة أو تعرف الناس علي بشكل مستمر".

وتثير ظاهرة التسول جدلا كبيرا في سوريا، وخاصة بعد تنامي هذه الظاهرة وتكاثرها في المناسبات الدينية وخاصة شهر رمضان المبارك واستغلالها لعدد كبير من الأطفال.

ويؤكد الدكتور صالح بريك (اختصاصي علم النفس) أن ظاهرة التسول منتشرة في كل مجتمع و"ليست وقفاً على مجتمعنا بالتحديد لكن طريقة تعامل كل مجتمع من المجتمعات مع هذه الظاهرة تختلف بحسب القوانين وآلية عمل المنظمات الاجتماعية والهيئات الأهلية". ‏

ويضيف لصحيفة "تشرين": "هناك جوانب مختلفة للتسول منها جوانب اجتماعية كالحالة الاجتماعية للأسرة وطبيعة المهنة الأسرية التي لها علاقة كبيرة بالعنف الأسري، أي أن الأمر يتعلق بطبيعة الأسرة من جهة والخصائص والمستويات الثقافية والاجتماعية من جهة ثانية، إضافة إلى أن المكان الذي تعيش فيه الأسرة له الدور الأكبر في انتشارها. ‏ فضلاً عن الجوانب النفسية عند المتسول ذاته فهو لا يملك دافعية للعمل والانجاز". ‏

وكانت الحكومة السورية اعترفت مؤخرا بأن تسول الأطفال هو ظاهرة اجتماعية منظمة ومعقدة في سورية ولها و تشابكاتها.

وأشار معاون وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل الدكتور عيسى ملدعون لضرورة تطوير التشريعات السورية المتعلقة بالتسول "لأن الإجراءات التي تتخذ بسيطة ولا تتناسب مع وجود تسول منظم".

وتؤكد مصادر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن هناك إجراءات تتمثل في إيواء المتسولين والمتشردين الذين يتم توقيفهم من قبل دوريات مكافحة التسول في دور تشغيل المتسولين والمتشردين وتقديم الخدمات النفسية والاجتماعية والتربوية والصحية وخدمات التأهيل المهني طيلة فترة توقيفهم أو حكمهم في الدور إضافة إلى وجود دار تشغيل المتسولين والمتشردين الموجودة في منطقة الكسوة والتي تقوم وفق الأنظمة الخاصة بها بإعادة تأهيلهم من خلال تدريبهم على المهن المتوفرة في الدار ومن ثم ادماجهم في المجتمع. ‏

وكانت جمعية شباب المستقبل الخيرية وقعت عقداً مع الوزارة يقضي بتأمين فرص عمل للمتسولين المحتاجين الذين ليس لديهم عمل. ‏

وكشف رئيس جمعية شباب المستقبل خلدون داوود عن بعض العائلات التي تقوم بتأجير أطفالهم المشوهين أو المعاقين بأجر يومي لبعض المتسولين مقابل مبالغ مالية تصل في بعض الأحيان إلى 3 آلاف ليرة (حوالي 60 دولار) باليوم .

ويؤكد الدكتور أكرم القش (اختصاصي علم الاجتماع) أن التسول يترك آثار سلبية كثيرة على المجتمع، مشير إلى أن "ظاهرة التسول ظاهرة متجددة تكثر في المناسبات الدينية لأن مجتمعنا مجتمع ديني يمارس فيه نوع من البر والإحسان، بينما لو كان مجتمعاً مؤسساتياً حديثاً بكل أبعاده لربما قلّت هذه الظاهرة بشكل كبير". ‏

ويضيف "هناك تفكك علاقات الترابط والقرابة بين العائلة كذلك قلة التكافل الاجتماعي الأمر الذي يجعل الفرد يقع أمام مواجهة احتياجاته لمؤسسات أو عائلة تؤمن هذه الاحتياجات له لأنه غير قادر على تأمينها بنفسه وهذا عامل آخر لانتشاره". ‏

ويشير موقع "داماس بوست" إلى أن منطقة السيدة زينب بدمشق تحوي أكبر نسبة من الأطفال المشردين الذين ينامون على سطوح بعض الأبنية العامة ويعمل قسم منهم في جمع النفايات من أكوام القمامة التي تنتشر بكثرة في المنطقة، وقسم آخر يمتهن التسول من الزوار الخليجيين على وجه الخصوص.

ويضيف "يكاد لا يخلو شارع في السيدة من المتسولين، وهم من الجنسين (ذكور وإناث) ومن كل الأعمار، ولكن الأمر الخطير في موضوع التسول هو أن هناك مستثمرين للعاهات، يتعاملون مع أصحاب الإعاقات الشديدة كاستثمار رابح يتم تأجيره فيما بينهم، فقد تجد شخصاً يجر عربة تشبه عربة نقل اسطوانة الغاز بداخلها شخص عبارة عن جسم ورأس فقط دون أيدي أو أرجل، يتم استجداء الزوار من اجل مساعدته فيما يكون المستفيد من الأموال هو المستثمر الذي استأجر هذا الشخص من ذويه".

ويوضح القش أن للتسول أشكالاً مختلفة "حيث نجد أحياناً شخصاً لا تظهر عليه علامات الحاجة أو الفاقة وإنما يستغل ذكاءه عن طريق عطف الناس عليه ببعض الأمور كأن يقول انه يريد أن يسافر وفقد حقيبته أو ما شابه ذلك".
‏وينوه إلى أن الفقر ليس عاملاً للتسول "لأن هناك الكثير من الفقراء لا يتسولون بل يعملون لتأمين قوتهم لذلك يجب أن تقوى شبكات الضمان الاجتماعي كذلك يجب أن تتضاعف جهود الجمعيات الأهلية في البحث عن المحتاجين فعلاً وتأمين آلية عمل معينة تدعمهم وتهتم بهم". ‏