التسامح واحترام الآخر في شعر أحمد شوقي

بقلم: صبري أبوعلم
الوحدة الوطنية والإنسانية

مقدمة أول ما يتبادر إلى ذهن المواطن المصري عندما يستمع إلى حديث عن الوحدة الوطنية، أن الحديث يدور عن المسلمين والمسيحيين، وهذا صحيح. لكنه جزء من الوحدة الوطنية، فالنسيج الواحد الذي يتكون منه الوطن يشمل كل سكان الوطن عرقياً وعقائدياً وسياسياً ولغوياً. ولذا تسوده حالة من الوئام والسلام تفرضها المصالح العليا والسعى للتقدم والسعادة. فقديماً – وربما لا يزال - كان الصراع قائماً في محافظتي قنا وسوهاج بين عائلات الهوارة والأشراف رغم أصلهما العربي ودينهما المشترك. وكانت تدور المعارك بينهما ويسقط منهما عشرات القتلى والجرحى رغم محاولات الحكومة للإصلاح بينهما.
وفي القرن التاسع عشر دارت المعارك في الصحراء الغربية بين قبائل أولاد علي الأحمر وقبائل أولاد علي الأبيض. وكلاهما كان يغير على الجانب الغربي لدلتا النيل، حتى أدبهم الخديوي إسماعيل وأخضعهم للنظام مع احترام قانونهم العرفي ومحاكمهم القبلية.
وفي محافظات عديدة في مصر قامت عداوات بين عائلات كبيرة. وبعد تزايد الهجرة الداخلية إلى مدينة الإسكندرية منذ منتصف القرن التاسع عشر دار صراع بين الصعايدة والبحاروة وبالذات بين أبناء سوهاج وأبناء المنوفية. وشهدت منطقة باكوس منذ سبعين سنة معارك بينها. بل أن أبناء الإسكندرية ذاتها دارت معارك بين أحيائها بقيادة فتوات كبار وشهد حي رأس التين معارك بينه وبين منطقة السيالة المجاورة لها. ودار بينها صراع تافه يقوده فتوة السيالة حميدو الفارس.
وقد قال بيرم التونسى الزجال الذي يجله أمير الشعراء شوقي بك: أنا اللى جيت م السياله ** فيها العيال والرجاله
جدعان ولكن بهباله * يا ننتصر يا أكلاناها
يقصد (أكلنا العلقة) فأولاد السيالة يخرجون في مظاهرة تجاه منطقة رأس التين المجاورة لهم هاتفين:
(قفة زفت وقفة طين على دماغ رأس التين).
فيخرج إليهم أولاد رأس التين هاتفين: أحيه عليكي يا سياله ** ياللى ما فيكي رجاله ويلتحم الجمعان في معركة منطقها (يا ننتصر يا أكلناها) وغيرها من الوقائع كثير.
أقصد من هذه الأمثلة أن القلق والتوتر فى الوطن يأتي من جهات عديدة. ولذا نحن في حاجة إلى الوحدة الوطنية إدراكاً للمصلحة العليا للناس والوطن، فالحروب والكوارث والأوبئة لا تفرق بين الناس. علاوة على أهمية التعاون لبناء وطن سعيد مستقر.
وهذا ما حدث في الدولة القومية الحديثة التي بدأها محمد علي باشا وأضاف إليها الحكام والمصريون على مدى مائتي سنة. واستقرت في مصر الوحدة السياسية والثقافية ونجحت لأسباب عديدة:
أولها: أن طبيعة المصريين جبلت على السلام والتسامح وحسن العشرة والمجاملة والذوق منذ استقر سكانها على ضفاف النيل، وبرعوا في الزراعة والصناعة والحضارة.
وثانيها: هو سيادة القانون في الدولة المدنية فلا تفرق الحكومة بين الناس في الدين أو العرق أو اللون. وساد نظام يجعل الناس سواء أمام القانون.
ثالثها: انتشار التعليم الذي وحَّد المناهج الدراسية، فخلق مناخاً فكرياً مشتركاً قارب بين المصرين في شمالهم وجنوبهم.
وفي القرن العشرين جاء التقدم العلمي بوسائل جديدة كان لها فعل السحر في تقريب الناس من بعضهم البعض. أولها كانت السينما التي عرفت الفئات على الفئات، فتعرف العمال والفلاحون على حياة القصور ومشاكلها، وتعرف النبلاء على حياة الفقراء وأزماتهم، فأسهمت هذه المعرفة في فهم الناس وزيادة خبراتهم، وبعدها بسنوات جاءت الإذاعة اللاسلكية لتصل إلى الناس في بيوتهم وتلاها التليفزيون.
كل هذه الوسائل الحضارية ساعدت على تقوية الاتصال والتواصل بين أبناء الوطن مما دعم الوحدة الوطنية وخلق مناخاً ثقافياً يقرب بين الناس.
وكان الأدباء والمفكرون والسياسيون من أهم القيادات التي دعمت الوحدة ودعت إلى التسامح واحترام الرأي وتقدير خصوصية الغير.
***
وتعالوا نقرأ معاً ديوان أحمد شوقي أمير الشعراء العرب، لنرى رأيه المشرق ومواقفه النبيلة في حب الناس والحياة.
في عام 1894 وقف الشاعر الشاب أحمد شوقي، وعمره خمسة وعشرون عاماً، في مدينة جنيف بسويسرا يلقى كلمة مصر في المؤتمر الشرقي الدولى. كان خطابه قصيدة طويلة تتكون من 289 بيتاً من الشعر أولها: همت الفلك واحتواها الماءُ ** وأقلت بمن تقل الرجاء استعرض فيها تاريخ مصر الحضاري منذ بداية التاريخ حتى عهده، ولما وصل إلى دخول الديانة المسيحية مصر بعد 168 بيتاً من هذه القصيدة العصماء قال:
ولد الرفق يوم مولد عيسى ** والمروءات والهدى والحياء

ازدهى الكون بالوليد وضاءت ** بسناه من الثرى الأرجاء

وسرت آية المسيح كما يسرى ** من الفجر في الوجود الضياء

تملأ الأرض والعوالم نوراً ** فالثرى مائج بها وضاء

لا وعيد، لا صولة، لا انتقام ** لا حسام، لا غزوة، لا دماء

وأطاعته في الإله شيوخ ** خشع، خضع له، ضعفاء

دخلوا ثيبه، فأحسن لقيا ** هم رجال بثيبه حكماء

فهموا السر حين ذاقوا وسهل ** أن ينال الحقائق الفهماء

فإذا الهيكل المقدس دير ** وإذا الدير رونق وبهاء

وإذا ثيبة لعيسى، ومنفيس ** ونيل الثراء والبطحاء

إنما الأرض والفضاء لربي ** وملوك الحقيقة الأنبياء

لهم الحب خالصاً من رعايا ** هم، وكل الهوى لهم والولاء

إنما ينكر الديانات قوم ** هم بما ينكرونه أشقياء في هذه القصيدة الملحمة، وقف شوقي معتزاً بوطنه وبمجد مصر، محترماً كل فصائل المصريين العقائدية والحضارية حتى ما أتى إليهم من خارج مصر كالديانة المسيحية.
وكان شوقي قد عاد من بعثته فى فرنسا منذ عامين، مع ولاية الخديوي عباس حلمي الثاني ملك مصر، ورحيق الحضارة الحديثة في شفتيه، ونور العلم والمعرفة يملأ قلبه وعقله، وحبه للدنيا وللحياة يملأ نفسه وروحه، ينظر إلى الفكر الإنساني بحب وتقدير وتفاهم، فلم يسخر من الآراء القديمة كديانات المصريين ولا من الديانة اليهودية، وحين جاء ذكر الدين المسيحي إذ به يبدع تقديراً وإعجاباً ويرى الدنيا وقد أضاءت بقدوم المسيح الذي دعى وهدى بالرفق والمروءة، ودانت له الحكماء والمصريون القدماء.
وفي عام 1909، أي بعد خمسة عشر عاماً من قصيدة جنيف العصماء كتب يمدح نبي المسلمين محمداً ونبيه بنفس ما مدح به الرسول عيسى بن مريم. فقال عن محمد (ص): ولد الهدى فالكائناتُ ضياءُ ** وفم الزمان تبسم وسناءُ فهو يرى أن الدنيا تضيء بالأنبياء لأنهم ثوار معلمون يرشدون البشرية إلى الحق والخير والجمال.
وفي عام 1910، اغتال الصيدلي إبراهيم الورداني، رئيس وزراء مصر بطرس غالى باشا احتجاجاً على تفاوضه مع الإنجليز لمد امتياز إدارة قناة السويس. وكان الوطنيون في مصر يحنقون على بطرس غالي لأنه رئيس محكمة دنشواي عام 1906 التي حكمت على بعض الفلاحين بالإعدام شنقاً في ميدان عام والجلد والسجن لآخرين. كما كرهت الناس المدعي العام في هذه القضية، المحامي الشهير إبراهيم الهلباوي، وكذلك عضو هيئة المحكمة فتحي زغلول شقيق زعيم الأمة فيما بعد.
وقد كان بطرس غالي أديبا وحكيماً وقائداً عظيماً في أمته، فكتب أحمد شوقي يرثيه معبراً ومقدراً للقيم الجميلة النبيلة التي مثلها بطرس باشا. قال: قبر الوزير تحية وسلاماً ** الحلم والمعروف فيك أقاما
ومحاسن الأخلاق فيك تغيبت ** عاماً وسوف تغيب أعواما
قد كنت صومعة فصرت كنيسة ** في ظلها صلى المطيف وصاما
والقوم حولك يابن غالى خشع ** يقضون حقاً واجباً وذماماً
يبكون موئلهم وكهف رجائهم ** والأريحي المفضل المقداما
متسابقين إلى ثراك كأنهم ** ناديك في عز الحياة زحاما
ماذا لقيت من الرياسات العلا ** وأخذت من نعم الحياة جساما
والرأي للتاريخ فيك، ففي غد ** يزن الرجال وينطق الأحكاما
قد عشت تحدث للنصارى ألفة ** وتجدّ بين المسلمين وئاما
أعهدتنا والقبط إلا أمة ** للأرض واحدة تروم مراما
نعلي تعاليم المسيح لأجلهم ** ويوقرون لأجلنا الإسلاما
الدين للديان جل جلاله ** لو شاء ربك وحَّد الأقواما
هذي ربوعكم وتلك ربوعنا ** متقابلين نعالج الأياما
هذي قبوركم وتلك قبورنا ** متجاورين جماجماً وعظاماً
فبحرمة الموتى وواجب حقهم ** عيشوا كما يقضي الجوار كراما
في هذه القصيدة يبدع شوقي في تحديد ملامح الفقيد وملامح الوطن، ويكثف لنا دراسة لحالة إنسانية وحالة وطنية.
فبطرس غالي يتسم بمحاسن الأخلاق فهو رجل حليم، أي قادر على تحمل عيوب الناس، ويقدم المعروف لكل الناس بأسلوب جميل مستمد من تعاليم الدين المسيحي. وقد كان صومعة أي فرد يتعبد في غرفة صغيرة، فتحول إلى كنيسة يتعبد فيها الجميع حتى أن المسلمين يصلون فيها. قد كنت صومعة فصرت كنيسة ** في ظلها صلى المطيف وصاما وعبر شوقي عن المسلمين تعبيراً طريفاً وهو (المطيف) أي الذي يطوف بالكعبة الشريفة.
ويواصل شوقي وصف بطرس بأنه رجل أريحي أي واسع الصدر معطاء بلا حدود، يريح الجميع، فهو صاحب أفضال كريم وشجاع يؤلف بين النصارى والمسلمين.
ويجدل شوقي ضفيرة متينة بين ملامح الرجل وملامح الوطن، فيبين وفاء المصرين وتقديرهم لمن أحبوه: والقوم حولك يابن غالى خشع ** يقضون حقاً واجباً وذماماً

يبكون موئلهم وكهف رجائهم ** والأريحي المفضل المقداما
متسابقين إلى ثراك كأنهم ** ناديك في عز الحياة زحاما ويؤكد الشاعر على أن المصريين أمة واحدة، تسعى إلى هدف واحد بعنصريها معاً، يحترم كل منهما الاخر وفكره ومعتقده:
أعهدتنا والقبط إلا أمة ** للأرض واحدة تروم مراما
نعلي تعاليم المسيح لأجلهم ** ويوقرون لأجلنا الإسلاما
ثم يطلق شوقي حكمته الخالدة في احترام التنوع والاختلاف:
الدين للديان جل جلاله ** لو شاء ربك وحد الأقواما ويواصل شوقي تحديد ملامح الوطن الذي يتجاور فيه المسلمون والمسيحيون، ويواجهون معاً صراع الحياة.
ويلتقط شوقي التراث المصري في احترام حرمة الموتى فيقدم حالة إنسانية حين يتشفع بالموتى ليتحقق حسن الجوار الذي يلزمنا أن نعيش كراما معاً:
هذي ربوعكم وتلك ربوعنا ** متقابلين نعالج الأياما
هذي قبوركم وتلك قبورنا ** متجاورين جماجماً وعظاماً
فبحرمة الموتى وواجب حقهم ** عيشوا كما يقضى الجوار كراما
فشوقي يرى العلاقة بين الفرد والمجتمع قائمة على المصلحة العليا والعلاقات الموضوعية التي تؤدي إلى السعادة وإلى الحق والخير والجمال.
وشاعرنا لا يترك موقفاً مناسباً لتاكيد احترامه للآخر إلا وكتب فيه، ورأى علاقة الحب والمنفعة بين الناس جميعاً لاسيما المسلمين والمسيحيين. فحين أصدر الأديب واصف غالي عام 1906 كتاباً أدبياً باللغة الفرنسية، كتب شوقي يقرظه ويحييه بقصيدة "يا شباب الديار" يقول فيها: إنما نحن مسلمون وقبطاً ** أمة واحدة على الأجيال
سبق النيل بالأبوة فينا ** فهو أصل وآدم الجد تالي
نحن من طينه الكريم على ** الله، ومن مائه القراح الزلال
مر مامر من قرون علينا ** رسفاً في القيود والأغلال
قد تحلى بكم يسوع وكنا ** لطه ودينه بجمال
وتضاع البلاد بالنوم عنها ** وتضاع الأمور بالإهمال
يا شباب الديار مصر إليكم ** ولواء العرين للأشبال
هيئوها لما يليق بمنف ** وكريم الآثار والأطلال
وإلى الله من مشى بصليب ** في يديه ومن مشى بهلال
وأنا زرت كثيراً قصر واصف غالي في طهطا، وهو من أسرة كريمة تسمى (المصري) وكنت صديقاً صدوقاً لحفيده الراحل وجدي موريس، ولذا تلقى عندي هذه القصيدة حالة من الشجن والوجد، فأنا أيضاً كتبت شعراً في حفيده وجدي.
وشوقي في هذه القصيدة ينبهنا إلى أبوة النيل قبل الإنسانية حين كان يتشكل وجه الأرض وقلب مصر بالنيل وضفافه ودلتاه ليوحدنا مع الطبيعة والكون ونرى في النيل قدساً وهبنا الحياة، وأننا جميعاً في مصر من طينة الكريم، وقد خضعنا للقيود والأغلال معاً.
ويرى أن المسيحيين أحسنوا فتحلى بهم المسيح وأن المسلمين أحسنوا فتجمل بهم النبي، ويرى أننا كلنا نعبد الله سواء بالصليب أو بالهلال كرمزين للدينين الكبيرين.
ويطالب شوقي الشباب – كل شباب الديار – بالسعي والاجتهاد لحماية الوطن، بعد أن نبههم تنبيهاً غالياً أن الوطن يضيع بالإهمال والكسل والتغاضي. وتضاع البلاد بالنوم عنها ** وتضاع الأمور بالإهمال

يرثى شوقي الكاتب الصحفي جورج زيدان منشئ مجلة الهلال:
لا تجعلوا الدين باب الشر بينكم ** ولا محل مباهاة وإذلالِ
ما الدين إلا تراث الناس قبلكم ** كل امرئ لأبيه تابع تالي
ليس الغلو أميناً في مشورته ** مناهج الرشد قد تخفى على الغالي
لا تطلبوا حقكم بغياً ولا صلفا ** ما أبعد الحق عن باغ ومختال
هنا يلتفت شوقي بفهم عقلانى موضوعي إلى مسألة الدين الآن:
ما الدين إلا تراث الناس قبلكم ** كل امرئ لأبيه تابع تالي
وهذه حقيقة المواريث الاجتماعية والثقافة السائدة من قيم وعادات وتقاليد يتناقلها المجتمع سالف عن سالف ويخضع فيها الفرد لقالب صلب هو المجتمع.
وينبه شوقي إلى خطورة التطرف والمغالاة في الفكر، فمناهج الرشد قد تخفى على المتغالي المتطرف، ويستعين بمعنى رائع جاء في القرآن الكريم: {لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك.} قائلاً: لا تطلبوا حقكم بغياً ولا صلفاً وحين مات الأديب الروسي الكبير ليو تولستوى عام 1910 كان شوقي قد تخطى الأربعين عاماً بقليل. وكان تولستوى عالماً عاملاً بما يقول، فتخلى عن ماله الكثير للفقراء. وهو من أثرياء الأسرة الحاكمة، وكتب روايات عظيمة حرضت على الثورة. فكتب أمير الشعراء أحمد شوقي يرثيه قائلا: تولوستوى تجري أية العلم دمعها ** عليك ويبكي بائس وفقير
تطوف كعيسى بالحنان وبالرضا ** عليهم، وتغشى دورهم وتزور
ويأسى عليك الدين، إذ لك لبه ** وللخادمين الناقمين قشور
أيكفر بالأنجيل من تلك كتبه ** أناجيل، منها منذر وبشير
فهل آثر الإحسان والرفق عالم ** دواعي الأذى والشر فيه كثير
وهل آن من أهل الكتاب تسامح ** خليق بآداب الكتاب جدير
وهل عالج الأحياء بؤسا وشقوة ** وقل فساد بينهم وشرور
قم انظر وأنت المالئ الأرض حكمة ** أأجدى نظيم، أم أفاد نثير
وحور قول الناس: مولى وعبده ** إلى قولهم مستأجر وأجير
وأضحى نفوذ المال لا أمر في الهوى ** ولا نهي إلا ما يرى ويشير
وفي قصيدة "أيها النيل" التي أهداها شوقي إلى المستشرق الإنجليزي مرجليوت مدرس اللغة العربية في جامعة اكسفورد. وهي تتكون من مائة وستين بيتاً أولها: من أي عهد في القرى تتدفق ** وبأي كفٍّ في المدائن تغدق يقول: أصل الحضارة في صعيدك ثابت ** ونباتها حسن عليك مخلق
ولدت فكنت المهد ثم ترعرعت ** فأظلها منك الحفى المشفق
واستحدثت ديناً فكان فضائلاً ** وبناء أخلاق يطول ويشهق
مهد السبيل لكل دين بعده ** كالمسك رياه بأخرى تفتق
تابوت موسى لا تزال جلالة ** تبدو عليك له وريا تنشق
وصلاة مريم فوق زرعك لم يزل ** يزكو لذكراها النبات ويسمق
وخطى المسيح عليك روحاً طاهراً ** بركات ربك والنعيم الغيدق
وودائع الفاروق عندك، دينه ** ولواؤه وبيانه والمنطق
يباهي شوقي النيل بموسى ومريم والمسيح الذين شربوا من مائه وعاشوا على أرضه، ثم يؤكد واقعيته بأن يتحدث عن دين الإسلام وديعة الفاروق عمر بن الخطاب لدى شعب مصر، فإن محمداً لم يأت بقدميه بل أتى بفكره وبيانه ودينه على يد عمر وعمرو.
وفي قصيده "الهمزة النبوية" المعروفة باسم "ولد الهدى" بعد غناء أم كلثوم لها، يقول في مدح النبي (ص):
الاشتراكيون أنت إمامهم ** لولا دعاوى القوم والغلواء
داويت متئداً وداووا طفرة ** وأخف من بعض الدواء الداء
وشاعرنا شوقي من طبقة أرستقراطية تملك الأرض والعقار، لا تؤمن بالنظرية الاشتراكية ولا تطبيقاتها الحادة. لكنه يعترف لها بمحاولتها تحقيق العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق بين الطبقات. ويرى أن سيدنا محمداً (ص) إمام لهم في هذا الشأن فقد سبقهم في محاولة تحقيق المساواة بين البشر والناس سواسية كأسنان المشط، وأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
وبكل أريحية وعقلانية يعترف لمن لا يتفق معهم في الفكر والسياسة.
وكتب شوقي تحية لغاندي عندما مر على مصر عام 1931 وهو متجه لمؤتمر المائدة المستديرة بلندن، فقال:
نبي مثل كونفو شيو ** س أو من ذلك العهدِ
قريب القول والفعل ** من المنتظر المهدي
شبيه الرسل في الزود ** عن الحق وفي الزهد
دعى الهندوس والإسلا ** م للألفة والود
بسحر من قوى الروح ** حوى السيفين فى عمد
و(السيفين) هما العقيدة الهندوسية وعقيدة الإسلام. فقد كان غاندي يصلي بآيات من البرهمية والإنجيل والقرآن، وطبعاً هذا الأسلوب من اختراعه، وقد قتله في عام 1947 أحد الهندوس لاعتقاده أن غاندي تحيز للإسلام. وهو حريص على وحدة الأمة الهندية بكل طوائفها.
وأعجب شوقي بكل خصال وفكر وأسلوب غاندى فشبهه بالرسل.
وفي قصيدة وداعه للورد كرومر التي يقول فيها: يا مالكاً رق الرقاب ببأسه ** هلاَّ اتخذت إلى القلوب سبيلاً
لما رحلت عن البلاد تشّهدت ** فكأنك الداء العياء رحيلاً
يرد شوقي على ما كتبه كرومر هذا في تقرير له عام 1906 بأن دين الإسلام لا يصلح لهذا العصر. يرد شوقي ببساطة قائلاً: من سب دين محمد فمحمد ** متمكن عند الإله رسولاً وهذا في مذهبي رد عبقري لأنه لا يستحق المناقشة. وإنما يكفي أن يشير على تمكن الدين الإسلامي في هذه الأرض. ويذكرنى هذا بقول عبدالمطلب جد الرسول (ص) لأبرهة القائد الحبشي (أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه).
وتصادف أن التقى عيد رأس السنة الهجرية مع عيد الميلاد المجيد فكتب شوقي: عيد المسيح وعيد أحمد أقبلا ** يتباريان وضاءة وجمالاً
ميلاد إحسان وهجرة سؤدد ** قد غيرا وجه البسيطة حالاً

***
يمدح شوقي السلطان العثماني محمد رشاد الخامس لوضعه الدستور العثماني فيقول: الدين لله، من شاء الإله هدى ** لكل نفس هوى في الدين داعيها
وما كان مختلف الأديان داعية ** إلى اختلاف البرايا أو تعاديها
الكتْب والرسْل والأديان قاطبة ** خزائن الحكمة الكبرى لواعيها
محبة الله أصل في مراشدها ** وخشية الله أسّ في مبانيها
وكل خير يلقى في أوامرها ** وكل شر يوقّى في نواهيها
تسامح النفس معنى من مروءتها ** بل المروءة في أسمى معانيها
تخلّق الصفح، تسعْد في الحياة به ** فالنفس يسعدها خُلق ويشقها
الله يعلم ما نفس بجاهلة ** من أهل خلتها ممن يعاديها
والنفس إن كبرت رقت لحاسدها ** وأستغفرت كرماً منها لشانيها
لقد ترك شوقي سلطانه رشادا ودستوره التركي وراح يوضح لنا فلسفته في التسامح والصفح في حكم غوال وفهم عميق للبشرية يجب أن يتمثل به الجميع.
وفي قصيدة أخرى يحيى فيها السلطان رشاد يقول: رضى المهيمن والمسيح وأحمدٌ ** عن جيشك الفادى وعن أبطاله لأنه يرى أن محمداً وعيسى مشاعل ضياء للبشرية يتمنى رضاهما عن السلطان مع رضى الله العلىّ القدير.
وحين سقطت مدينة (أدرنه) الإسلامية في مقدونيا تحت أقدام البلغاريين المسيحيين عام 1912 وقد مثلوا بسكانها المسلمين، كتب شوقي حزيناً أسفاً، قال:
عيسى .. سبيلك رحمةُُ ومحبةُُ ** في العالمين وعصمة وسلام
ما كنت سفاك الدماء ولا أمرؤ ** هان الضعاف عليه والأيتام
يا حامل الآلام عن حامي الورى ** كثرت عليه باسمك الآلام
أنت الذي جعل العباد جميعهم ** رحماً، وباسمك تقطع الأرحام
البغي في دين الجميع دنية ** والسلم عهد والقتال ذمام
واليوم يهتف بالصليب عصائب ** هم للإله وروحه ظلام
خلطوا صليبك والخناجر والمدى * كلُُّ أداةٌ للأذى وحِمامٍ
وهكذا برأ شوقي المسيح ودينه من تصرفات المجرمين المعتدين، واستله كما تُستل الشعرة من العجين. وقال قولة حق وحب في الدين المسيحى رغم إجرام هؤلاء المسيحيين.
ليت أميركا رأت مثل هذا في حادث اعتداء بعض المسلمين قصيري النظر عليها يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001. فهذه الجريمة لا تتعلق بفكر المسلمين، ولكن بفكر المظلومين المقهورين الذين يرون جبروت أميركا وعدم عدلها بين العرب والإسرائيليين.
وعندما كتب شوقي الأناشيد التي يمكن أن يرددها الجميع بعد تلحينها وغنائها، فإنه حرص على تأكيد احترامه للأديان وللمواطنين في الوطن ويدعو إلى حسن الجوار. وقد فاز بالمركز الأول عام 1922 في مسابقة للنشيد الوطني وكلف بتلحينه الموسيقار سيد درويش. ولم يشتهر هذا النشيد رغم أنه للشاعر الأول والموسيقار الأول فى مصر، والذي اشتهر هو الفائز الثاني الأديب مصطفى صادق الرافعي العائش في طنطا يعاني من الصمم، وقد لحنه الموسيقار المعلم صفر علي، وكلماته تبدأ: اسلمي يا مصر إنني الفدا ** ذي يدي إن مدت الدنيا يدا
يقول أحمد شوقي في نشيده: بني مصر مكانكموا تهيا ** فهيا مهدوا للملك هيا إلى أن يقول: جعلنا مصر ملّة ذي الجلال ** وألفنا الصليب على الهلال
وأقبلنا كصف من عوال ** يشد السمهري السمهرياً
نروم لمصر عزا لا يرام ** يرف على جوانبه السلام
وينعم فيه جيران كرام ** فلن تجد النزيل بنا شقياً
ويقول في نشيد الكشافة: نحن الكشافة في الوادي ** جبريل الروح لنا حادي
يارب، بعيسى والهادي ** وبموسى، خذ بيد الوطن
وفي ختام إطلالتي على شعر شوقي وعرضي لتسامحه واحترامه للغير، فإنني أعرض ثلاثة أبيات رائعة في قصيدته "بعد المنفى"، وقد عاد إلى مصر عام 1920 من منفاه في أسبانيا، غير ما كان قبلها، حبه كله وولاؤه كله للوطن لا لسطان ولا أمير. ويا وطني لقيتك بعد يأس ** كأني قد لقيت بك الشبابا
ولو أني دعيت لكنت ديني ** عليه أقابل الحتم المجابا
أدير إليك قبل البيت وجهى ** إذا فهت الشهادة والمثابا
وأخيراً نستأنس بآراء نقاد كبار ورأيهم في طبيعة شوقي:
كتب الدكتور محمد حسين هيكل في مقدمة الطبعة الثانية للشوقيات "متسامح – تسع نفسه الإنسانية كلها، وتسع معها الوجود كله."
وكتب الدكتور شوقي ضيف في كتابه "شوقي شاعر العصر الحديث":
"لم يتح لشاعر امتلأ بالعواطف الدينية الإسلامية ممن عاصروه أن يبلغ مبلغه أو يتفوق عليه، فكان يقف من المسيحية موقف المعتد بها، المؤمن بتعاليمها، ويشيد بالمسيح حتى في تركياته، وحين ينهزم الترك أمام الدولة البلقانية المسيحية، فإنه يستل المسيح من هذه الدول ويبرؤه هو وتعاليمه منهم."
وكتب الدكتور محمد مندور:
"ظل شوقي يحرس بشعره المشاعر الوطنية، ويرعى وحدة الوطن القائمة على المحبة بين المسلمين والأقباط، وهي خطة انتهجها منذ حادثة اغتيال المرحوم بطرس باشا غالي، ونظم في الدعوة إلى إطفاء الفتنة، وتوثيق المحبة والإخاء بين أبناء الوطن مسلمين وأقباط."
لقد تهيأت وتضافرت ظروف اجتماعية وثقافية عديدة ليكون شوقي إنساناً كبيراً قبل كونه شاعراً عظيماً، ولكن المعول الرئيسي يقع على طبيعته الشخصية وتكوينه العقلي والنفسي التي قدمت لنا الإنسان المتحاب المتسامح. لقد سافر آخرون إلى أوروبا وظلوا على تعصبهم وعدم موضوعيتهم.
وشوقي تركي إغريقي كردي مصري. هكذا كان جدوده لأبيه وجدوده لأمه. ونشأ هو مصرياً في بيت تركي (ولقد ولدت بباب إسماعيل) ثم ابتعث إلى فرنسا أربع سنوات متتالية، منعه فيها الخديوى توفيق من الحضور إلى مصر في الإجازات وكتب له يطالبه بأن ينهل من الثقافة الفرنسية والحضارة الأوربية. فطاف في الإجازات ببلدان عدة في أوروبا (إنجلترا – بلجيكا – إيطاليا) وكذلك الجزائر.
وعمل شوقي مترجماً بالقصر الملكي فأسهم عمله في اطلاعه على فكر وفلسفة وآداب شعوب أخرى.
كل هذه الظروف تضافرت معاً لتقديم هذه الشخصية الفريدة التي تجيد التعبير عن عواطف الناس سواء كانوا على دينه أم على دين آخر، وسواء اتفقوا معه في الموقف الفكري والسياسي أو اختلفوا معه.
وهذا منزع يستحق التقدير لشوقي الإنسان وشوقي الشاعر.
وتحية حب وتقدير إلى إبي علي شاعر مصر العظيم أحمد شوقي. صبرى أبوعلم ـ الإسكندرية