الترويج لرواية 'الخلافات' سقوط في فخّ الدعاية للإخوان

بعض المحللين يخدمون الحركة عن غير قصد

القاهرة ـ يتواصل هذه الأيام بشكل مكثف تضخيم قضية "الاختلافات" التي تعصف بجماعة الإخوان المسلمين في مصر إعلاميا، في وقت أكدت فيه مصادر مقربة من التنظيم أن الحديث عن الانقسامات داخله وبمثل هذا التركيز، إنما مصدره مجموعة قيادات تقليدية تحاول التبرؤ من عنف الشباب داخل الحركة تحاول تخفيف حالة الضغط القانوني الشديد الذي باتت هذه القيادات تتعرض له سواء في مصر أو في بريطانيا وإبعاد الاتهامات الواضحة لها بالمسؤولية المباشرة عن العنف الذي يمارسه منتسبو الحركة في مصر ردّا على فقدانهم للسلطة هناك.

ويروج عدد من المراقبين المقربين من الجماعة بقوة هذه الايام ـ ويدعمهم في ذلك عن غير قصد حتى بعض المحللين المحايدين ـ لفكرة وجود خلافات داخلية بين قيادات الإخوان، وعلى هذا الاساس يقدمون رؤية سوداوية لمستقبل الحركة إلى حد التأكيد على أن اساءة الحركة للتعامل مع هذه الخلافات يمكن أن ينتهي بها إلى الاضمحلال تماما من المشهد السياسي.

ويؤكد هؤلاء أن جماعة الإخوان المسلمين تواجه حاليا خلافات داخلية متصاعدة، بالتزامن مع صدور التقرير البريطاني الذي يتهم بعض المنتمين لها بالتطرف والعنف، الأم الذي يضع مستقبل الجماعة أمام خيارات صعبة.

وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في وقت سابق من هذا الشهر إن بلاده ستكثف المراقبة على الآراء والأنشطة التي يروج لها أعضاء تنظيم الإخوان وشركاؤهم وأنصارهم في الخارج، مؤكدا أنه ثبت بعد مراجعة أجرتها الحكومة البريطانية، ارتباط الجماعة الوثيق بالتطرف المشوب بالعنف.

وقال الكاتب والمحلل السياسي عزام التميمي المقيم في لندن في تصريح لوكالة أنباء الاناضول إن "أزمة الإخوان ليست أزمة غير مسبوقة فقد مرت الجماعة قبلها بمحن صعبة في خمسينات وستينات القرن العشرين"، في إشارة إلى ملاحقة الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر، لعدة آلاف من قياداتها وكوادرها، وإصدار قرارات إعدام بحق العشرات منهم.

واستدرك التميمي "يبدو أن حجم الأزمة الحالية (مشيرا إلى الخلافات والضغوط الدولية)، أكبر مما سبقها لأن حجم الجماعة حينما وقعت الكارثة كان كبيرا جدا وممتدا جدا، فجاءت التداعيات بحجمه".

وقالت مصادر مقربة من تنظيم الإخوان في مصر للـ"العرب" اللندنية إن محاولة تصدير هذه الخلافات إلى الرأي العام يهدف حتما إلى التسويق لشكل ديمقراطي زائف داخل التنظيم، وتقديم صورة قد تجذب تعاطفا سياسيا مع القيادات المترهلة للحركة، حيث يخضع أغلب عناصرها إلى محاكمات أمام القضاء المصري.

ونقلت صحيفة "العرب" عن عبدالجليل الشرنوبي، رئيس تحرير موقع إخوان أونلاين السابق الذي انشق عن الإخوان منتصف عام 2011 قوله إن "عددا من قيادات اللجان النوعية التابعة للإخوان تم القبض عليهم، وكشفوا عن معلومات مهمة لأجهزة الأمن المصري تتعلق بالخطط والترتيبات، وقدموا أدلة دامغة على تورط الجماعة في أعمال عنف داخل مصر".

وقال الشرنوبي الذي كان مسؤولا عن إعلام المحافظات في تنظيم الإخوان المسلمين، إن "ما يحدث هو من المرات النادرة أن تتصاعد الخلافات فيها وتنطلق من وسائل إعلام الإخوان أولا، التي لا تعمل إلا بأوامر مباشرة من القيادات، ثم انتقلت منها إلى وسائل إعلام أخرى".

ويقول محللون إن أنصار الجماعة المبوثوثين في كلّ مكان وفي عدد من المواقع الإعلامية اتخذوا لكل منهم دورا في الترويج لفكرة الخلافات وجيروها للدفاع عن الجماعة والإسهاب في الإشارة لاعتدالها مقارنة بغيرها من الجماعات الدينية، في محاولة ضمنية للتخيير بين الإخوان والتيارات المتطرفة.

وربط التميمي، بين استمرارها وبين تمسكها بالاعتدال، في قراءة مستقبلية لدور الجماعة قائلا "ما يبقي هذه الجماعة حية ويمدها بالقدرة على الصمود واستئناف المسير، ولو بعد حين، هو الفكر الذي يميزها عن غيرها من حيث اعتداله ووسطيته وشموله".

وأضاف التميمي، مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي في لندن "لكن من المبكر جدا أن يحكم على الجماعة بأنها وصلت إلى مداها وأن عمرها قد انقضى، خاصة إذا تذكرنا - كما أشرت آنفا - أن الجماعة بعد ضربتي الخمسينيات ثم الستينيات من القرن الماضي كاد البعض أن يكتب نعيا لها".

ومضى التميمي قائلا إن "المعضلة فيما يجري أن لا أحد يملك بديلا عمليا للجماعة، سواء ممن ينقدها من داخلها أو من يندد بها من خارجها، والبديل الذي يقترحه البعض سبقهم إليه أصحاب داعش (تنظيم متشدد)، وهو بديل مدمر، لا يبقي ولا يذر، يبدأ بإهلاك الآخر وينتهي بإهلاك الذات".

ولم يستبعد التميمي انتهاء الجماعة إن لم تتخذ خيارا سريعا لمعالجة أزماتها، قائلا "تبقى الحقيقة التي لا مراء فيها، وهي أن مشروع الإخوان المسلمين مشروع إصلاحي بشري، من يقومون عليه يجتهدون، قد يصيبون تارة ويخطئون تارة أخرى، وهو ككل مشاريع البشر ليس أبديا ولا معصوما ولا منزها، وإنما يستمر ما قدر الله له أن يستمر، وبحسب ما ييسر الله له من أسباب النجاح".

ويرى الأكاديمي عبدالخالق عبدالله أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات، أن جماعة الإخوان بنسختها المصرية والتي أطاح الجيش المصري بمرشحها محمد مرسي من منصب رئاسة البلاد في يوليو/تموز2013 استجابة لطلب ملايين من المصريين خرجوا للاحتجاج عليه في الشوارع، توجد الآن في مأزق كبير.

وقال عبدالله عن رؤيته لواقع جماعة الإخوان "أعتقد أن جماعة الإخوان، عاشت عصرها الذهبي خلال ثورات الربيع العربي (انطلقت في ديسمبر/كانون أول 2010، من تونس)، وخلال عهد مرسي وانتهى هذا العصر وأعتقد أن يكون بلا رجعة".

وأضاف "الإخوان اليوم يعيشون واحدة من أسوأ لحظاتهم منذ 80 عاما، وتقرير الحكومة البريطانية وصفهم أنهم جماعة بها تطرف، وحتى الآن موقعهم التاريخي أصبح على المحك، وأصبح طريقه أضيق من أي وقت مضى".

لكن الشرنوبي أكد أن "هناك أصواتا مختلفة تتصدر المشهد حاليا داخل الإخوان، قادرة على تضليل الرأي العام، داخل مصر وخارجها، لكن الرسالة في الحالتين واحدة، وهي تبرير العنف، واستباق التنصل من أي مسؤولية سوف يواجهها التنظيم في المستقبل".

وأضاف الشرنوبي "الحاصل أن الخلاف حول العنف موجود نظريا بين الشيوخ والشباب، لكن في الحقيقة هو أصيل عمليا لدى كليهما، لكن الفريق الأول يحاول الاستفادة منه ونفيه، لتحسين العلاقة بنعومة ودبلوماسية مع الدوائر الغربية، حيث قال تقرير حكومي بريطاني إن بعض أعضاء الجماعة يميلون إلى العنف، كما يحاول الشيوخ توظيف العنف في اتجاه عدم قطع العلاقة مع التيار الإسلامي المتشدد، وهو ما يؤكد أن الجماعة حريصة على علاقتها به".

وتابع الأكاديمي العربي البارز معلقا عن إمكانية تجاوز الإخوان، لأزماتهم والضغوط الدولية الحالية، قائلا "ليس في المستقبل المنظور، ولكن على المدى البعيد كل شيء وراد".

وقال عبدالخالق عبد الله حول خياراتهم المستقبلية في ضوء تصاعد الخلافات والضغوط الدولية "الإخوان بين خياريين، إما المسير في طريقهم الحالي، وهذا سيؤدي بهم إلى الانتحار، أو يعيدون النظر في تكتيكاتهم وقياداتهم وقناعاتهم وهو أمر صعب عليهم".

ويتفق مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية (غير حكومي) مع عبدالخالق، في أن مأزقا كبيرا تعيشه جماعة الإخوان، ويضيف "بل إنها في أضعف حالاتها".

وحول مستقبل الإخوان، قال "نتحدث عن جماعة لها طابع تنظيمي هرمي، تعيش في ظروف خلاف، وارتباك والتباس بين قياداتها وشبابها، وهناك حالة من حالات الاستقطاب الدولي، والمال يلعب دورا، لكن هذا كله لا يؤدي إلى زوال الإخوان، هذا مستحيل، ولكن يعمل على إضعافهم".

وردا على سؤال بخصوص إمكانية تجاوز قرارات الإخوان لمشهد الخلافات والضغوط الدولية، أوضح أنه "في ظل تواجدهم بالحكم وضحت أخطاء استراتيجية وعدم حرفة سياسية، والآن هم يعلمون أنهم في معركة ليست سهلة، وأنها لن تنتهي بسهولة؛ لكن ما قد يتم هم من يجيبون عنه من خلال خياراتهم المستقبلية التي في كلّ الأمور تبدو صعبة".

وأشار إلى أن التقرير البريطاني لن يكون نهاية المطاف بخصوص الضغوط الدولية على الجماعة، مستبعدا أن يطول التحالف الإسلامي الذي أنشأته السعودية مؤخرا جماعة الإخوان.

وحول تقرير بريطانيا حول الإخوان، مضى قائلا "كلام ديفيد كاميرون عليه كثير من الملاحظات، فهو متأخر وليس واضح مع ولا ضد، وربما خرج بضغوط مورست على بريطانيا ولكن هو جزء من حلقة الصراع الدائرة منذ 30 يونيو/حزيران 2013، و3 يوليو/تموز2013 ضد الإخوان".

وأشار إلى "صعوبة رجوع الإخوان بمصر للمشهد في ظل واقع سياسي رافض لها على الأقل الآن، ووجود حركة من حركات الواقع الإقليمي، والدولي رافض لها أيضا ويضعها في ارتباط مع الإرهاب".

ويحذر مراقبون من الانجرار وراء هدف الإخوان في توجيه الرأي العام نحو الزاوية التي يريدون له أن يذهب إليها في رؤيته لهم وفي تحليله لواقعهم.

ويؤكد هؤلاء ان من شأن ذلك أن يظهرهم في موقع الابرياء والضحايا الدائمين، الأمر الذي قد يضرّ باستراتيجيات الدول العربية في مواجهتها المفتوحة مع مخططاتهم الانقلابية للسيطرة على المجتمعات بكل الوسائل المتاحة لهم.

وهذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها قيادات التنظيم إلى افتعال الخلافات من أجل الحفاظ على صورتها. وللتذكير فقد تبرأ مؤسس التنظيم حسن البنا من أعضائه الذين تورطوا عام 1948 في اغتيال رئيس الوزراء المصري آنذاك محمد فهمي النقراشي بمقولته الشهيرة عن مرتكبي حادث الاغتيال "ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين".

ويقول مراقبون إن قيادات تنظيم الإخوان تسعى من خلال الترويج للاختلافات بين قياداتها، إلى تسويق ميوعة القيادة المركزية التي لطالما عرف عنها الحسم، كما سوقت أنها تفتقر إلى القدرة على التحكم بلجان وفرق تتصارع حول القيادة.

وتهدف القيادات التاريخية عبر ذلك إلى نفي المسؤولية عن أي أعمال عنف في حالة تمكن الحكومة المصرية من تقديم أدلة تعزز اتهام تنظيم الإخوان بحمل السلاح. كما تهدف لوقف تداعيات المراجعة البريطانية لسلوكهم السياسي.

وقال هشام النجار الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية لـ"العرب" إن ما يجري الآن "مناورات إخوانية صرفة، يؤكدها تاريخهم، وتدعمها تصرفاتهم خلال الفترة المنصرمة".

وكانت السعودية قد أدرجت، في السابع من مارس/آذار 2013، الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية التي يقع مركزها الرئيسي بالقاهرة على قائمة "الجماعات الإرهابية"، وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول 2013، أعلنت الحكومة المصرية الإخوان جماعة إرهابية وحظرت جميع أنشطتها، بعد أشهر من الإطاحة بمحمد مرسي.