الترهل والترشيق.. عراقيا

قد يكون من السابق لأوانه الحكم على الحكومة الجديدة سلباً أو إيجاباً، ولكن ليس من السابق لأوانه التعليق على بعض ما رافق تشكيل قيادة البلد الجديدة، هل هي جديدة فعلاً؟

بالعودة قليلاً إلى الأيام القليلة التي سبقت التغيير نقف على جملة مفاهيم أعتبرت هي الذريعة في إنبثاق هذه الحكومة التي عدها البعض من الضرورات اللازمة للحفاظ على وحدة البلد التي كانت مهددة، وللإنطلاق صوب إعادة اللحمة للشعب، وقواه وأحزابه وكياناته وكتله، وأطيافه، وإلى ما هنالك من مفردات كثرت وتعددت وتشعبت.

ومن دونما إلتزام بالتقيد بتناول الذرائع حسب الأهمية، لأننا نحسب أن الذرائع لا أهمية لها بالمطلق طالما هي ذرائع، وليست أسباب حقيقية، لذا فإننا سنتناولها لا على التعيين، وسنبدأ في هذه المقالة بـ" الترشيق"، على أن نتناول الذرائع الأخرى في المقالات التالية.

لم يعد خافياً على أحد الحد الذي وصل إليه الترهل الإداري، ليس في الحكومة فقط، بل في السلطتين، التنفيذية والتشريعية، وسلطات الإقليم والمحافظات، والمؤسسات كافة، بما فيها الوقفين السني والشيعي، ولمن يريد أن يعرف درجة الترهل هذه ما عليه إلا عد عدد العاملين وعدد العمائم في الجانب السني أو الشيعي، ويكفي لتبيان هول المسألة الإشارة إلى أن أكثر من ثمانين بالمائة من ميزانية الدولة الإنفجارية هي ميزانية تشغيلية، اي رواتب ومنافع وإنفاق متنوع، حيث إنتقل عدد الموظفين في الدولة من ثلاثة أرباع المليون إلى أكثر من ثلاثة ملايين ونصف، فإذا اضيف لهؤلاء أولئك الذين يتقاضون رواتب ومنح ومنافع بسبب أنهم مشمولون بالإقارب حتى الدرجة الرابعة للشهداء أو السجناء السياسيين، أو المتضررين، ولمن مر، حتى مجرد مرور، على كردستان في العهد الديكتاتوري، وعُد من الأنصار، ولمن نصبوا في وظائف هوائية (وهمية)، فإنا نتوصل إلى أن العراق حتى لو بلغ إنتاجه من النفط أكثر من عشرة ملايين برميل في اليوم، فإن الإنفاق التشغيلي سيأتي على الريع النفطي مهما بلغ حجمه، وسنظل غير قادرين حتى على إعادة إعمار ما تخرّب في عام 2003.

هذا الترهل هو نتيجة طبيعية للفساد، وإنعدام التخطيط، وجهل القائمين على أمور البلد، وهو بالجوهر فساد، أو رشى تتمثل برواتب ومنافع لأشخاص لا يستحقونها، ولم يقدموا أي جهد ملموس يبرر حصولهم عليها، وما لم يوضع حد لهذه الظاهرة التي تتسع بوتائر عالية في كل عام، فإن الكارثة لن تصبح متوقعة بل حاصلة.

لذا فعندما أصبح "الترشيق" واحداً من عناوين التغيير، حظي بتأييد ساحق، وتساوى في الدعوة له الجميع، لأنه ليس فقط حاجة ماسة، بل ضرورة لابد منها، وإلا فإن مصير البلد الإفلاس الحتمي، الذي يؤدي إلى بيعه بالتسقيط.

كان "الترشيق" مطلباً من مطاليب المرجعية، كما كان أول شيء طالب به رئيس الوزراء الجديد أثناء التكليف وبعده، فما الذي حدث؟

زاد عدد الوزراء على ما كان عليه سابقاً، وزيد عدد نواب رئيس الجمهورية، من نائب واحد عملياً إلى ثلاثة نواب، علماً ان رئيس الجمهورية في النظام العراقي منصب تشريفي إلى حد بعيد، ولا يعلم حتى هذه اللحظة ماهية الأدوار التي سيقوم بها النواب الثلاثة، والأعداد الغفيرة من المستشارين والموظفين والحمايات؟ وهل يتناسب ما ينفق عليهم من خزينة الدولة مع ما يقدمونه من خدمة؟

وزيد عدد نواب رئيس الوزراء إلى ثلاثة أيضاً، ولا يختلف الإنفاق على نواب رئيس الوزراء عن الإنفاق على نواب رئيس الجمهورية.

وفي الوقت الذي يدعو البرنامج الحكومي إلى توسيع صلاحيات المحافظات، فإن الوزارت التي من المفترض أن تتحول صلاحياتها إلى المحافظات ظلت قائمة، فهل ستكون هذه الوزرات بلا صلاحيات، أم أن صلاحيات المحافظات ستبقى على ما هي عليه؟ إذن أين سيصبح البرنامج الجديد لرئيس الوزراء الجديد؟!

عندما تم حل الجيش العراقي السابق، قيل أنه سيتم إنشاء جيش مهني جديد، سيعتمد لا على الكم وإنما على النوع، وأنه سيكون أقل عدداً وأكثر فاعلية وتخصصاً، إلا أنه لم يتم إستحداث مثل هذا الجيش، حتى بعد إنقضاء أحد عشر سنة على مثل هذا القول، رغم إنفاق أموال خيالية عليه، لقد تجاوز عدد أفراد الجيش المليون من الجنود الذين كانت النسبة الكبرى منهم غير مؤهلة، وغير مدربة بالشكل الكافي، كما أنها تفتقد للغطاء الجوي حتى وقت قريب، علماً بأن جيشنا مازال لحد الآن من دون طائرة حربية مقاتلة حديثة، بإستثناء السوخوي التي تم شراؤها مؤخراً، والسمتيات التي إشتريت من الجيش الأميركي الذي غادر البلد، وتلك التي تم إبتياعها مؤخراً من بعض الدول الشرقية.

لقد فاق عدد أفراد الجيش العراقي الحالي عدد أفراد الجيش السابق، علماً أن أكثرية الجنود في الجيش السابق كانوا من المجندين الذين يؤدون خدمة العلم الإلزامية، والذين لم يكونوا يتقاضون سوى رواتب تكاد تكون رمزية، أما أفراد الجيش العراقي الحالي فهم متطوعون، ويتقاضون رواتب عالية نسبياً، بحكم عدم إعتماد قانون الخدمة الإلزامية، وهذا يرتب إنفاقاً إضافياً، بالإضافة إلى مابات يعرف بالأفراد الشبحيين، وهم جنود مسجلين، يتقاضون رواتبهم، ولكن لا وجود فعلي لهم. لقد إستشرت هذه الظاهرة نتيجة الفساد الذي شمل حتى القيادات العليا في الجيش.

ولا يختلف الأمر في قوات الشرطة عنه في الجيش، ويكفي أن نعرف أن مدينة مثل الموصل كان فيها أكثر من ثلاثين ألف شرطي، ليس في المحافظة ككل، وإنما في مدينة الموصل فحسب، ونفس الشيء يمكن قوله عن بقية المدن.

ولعله من المستغرب جداً أن يكون أكثر من ربع المواطنين في إقليم كردستان مجندين في الشرطة الكردية (الأسايش)، أو البيشمركة، وهذه نسبة لا وجود لها في أي بلد في العالم، مهما بلغ مستوى العسكرتارية فيه!

ثم ولظروف البلد الخاصة إستحدث ما سمي بالصحوات، ومسلحي العشائر، والقوات الخاصة، ثم الحشد الشعبي، الذي تساوى مع أفراد الجيش، وأخيراً القادم الجديد الذي لم تعرف بعد ملامحه، ألا وهو الحرس الوطني، الذي سيكون خاصاً بكل محافظة من محافظات البلد.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: أين أصبح الترشيق؟