التركة الثقيلة.. حكاية للنهار وليست للّيل

بعد ان خروج الجيش الاميركي من العراق، نهاية العام 2011، تحدث كثيرون عن "التركة الثقيلة" التي خلفها وراءه. ولكن لم يتفق المتحدثون على نوع تلك التركة، لانهم كانوا موزعين بين اهواء مختلفة. فمنهم من كان يرى ان الخروج نفسه، ترك فراغا وهذا بحد ذاته يمثل تركة ثقيلة، وكانوا يريدون ان يستمر وجود الجيش الاميركي حتى ولو لقرن من الزمن! ومنهم من رأى ان الوضع الامني الهش وانتشار الميليشيات والسلاح، هو التركة الاثقل التي ستواجه الحكومة العراقية. ومنهم من رأى ان عدم تطبيق بعض الفقرات في الدستور، اثناء الوجود الاميركي وبمساعدته، ستكون العقبة الاكبر امام الاستقرار.

هكذا انشغل العراقيون بالجدل الذي رافق خروج الجيش الاميركي وبعد الخروج وربما الى اليوم. لكن هناك من يرى ان اسوأ ما تركه الاحتلال الاميركي وجيشه، هو الدستور والقوانين التي تسببت في كل هذا الخراب، والتي وضعها سيء الذكر بول بريمر الحاكم المدني خلال السنة التي قضاها في العراق، لانه بتلك التشريعات الظالمة التي نفذها استجابة لارادة الادارة الاميركية وبعض الساسة العراقيين للاسف، والمتمثلة بحل الجيش والاجهزة الامنية، والاجتثاث وغيرها، اضافة الى تكريسه مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية، من خلال مجلس الحكم، كان هو التركة الثقيلة الحقيقية، التي ظلت الدولة العراقي تنوء بها وربما ستدمرها، وهذا هو الهدف الابعد والستراتيجي من وراء كل ما شرعه بريمر ومن وقف معه.

ان معالجة المرض، تبدأ بتشخيصه، وان غالبية العراقيين يعرفون نوع المرض الذي حل ببلدهم ودولتهم. لكن غالبية الساسة المستفيدين من هذا المرض، يحاولون ان يوهموا الناس بوجود امراض مختلفة في الجسد العراقي، ويغفلون عن عمد المرض الحقيقي. فالساعون الى الفدرلة والحالمون بالامارة لا يمكن ان ينتقدوا الدستور ولا القوانين التي خلقت واقعا سياسيا واجتماعيا متشنجا، جرنا الى تلك الازمات المتوالدة، بل انهم يرونها الاصلح والأنفع للعراق، ويثقفون على ذلك. والغارقون في الفساد لايعجبهم ان يروا دولة مؤسسات قوية، والعاملون كالوكلاء للخارج لايريدون استقلالا حقيقيا. وهؤلاء جميعا يشكلون ما يشبه "اللوبي" اي جماعة ضغط لا يستهان بها في المشهد السياسي العراقي، يدفع باستمرار الى ما لا ينفع الدولة والشعب، بل وانهم يعتاشون على المشاكل ويرونها ربيعهم الذي يمنحهم المزيد من المال والسلطة على حساب الدولة الممزقة والضعيفة، لانها تجعلها خائرة ورجراجة، تمنحهم حرية الحركة لتحقيق اهدافهم.

ان الحديث اليوم عن التركة التي خلفها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لخلفه رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي، لا يمكن النظر اليها من خلال زاوية اجرائية، اي ما يتعلق ببعض السياسات والممارسات التي يراها البعض، بانها كانت وراء الاتقسامات والمشاكل التي عصفت بالبلاد طيلة السنوات الماضية، لاننا لو دققنا النظر فيها جيدا لوجدنا انها انطلقت، في معظمها، من الارضية الدستورية والقانونية المفروضة على العراقيين من ايام الحاكم المدني ومرحلة الاحتلال. هكذا تجذرت مشاكل العراق الجديد بفعل تلك القوانين، وان اي رئيس وزراء، لا يستطيع حلها او انهائها ما لم يقف الساسة العراقيون جميعهم، وقفة جادة مع تلك التركة التشريعية والقانونية الثقيلة ويقولوا قولتهم فيها ليبدؤوا من جديد، بدستور وقوانين تضمن وحدة العراق وتعيد اللحمة الوطنية الى سابق عهدها، والاّ فان كل ما سيحصل لا يتجاوز كونه معالجات ترقيعية، لا تسمن ولا تغني عن جوع، او هكذا تبدو الامور لنا، مع املنا الكبير بان يعمل المخلصون على انقاذ البلاد، ولو بطريقة الخطوة خطوة!