التدخين في السينما بطولة في أعين المراهقين

عمّان
ريادة هوليوودية في الترويج للتدخين

في الوقت الذي تخوض فيه صناعة التبغ حول العالم حرباً تدافع فيها عن الأدوات التي تعزز بقائها وتمكنها من إطلاق أشباح المرض لتطارد أفراد المجتمع كافة ومن أهمها الترويج والتسويق لمنتجاتها، تبرز الأفلام السينمائية كطوق نجاة محتمل لمصنعي التبغ في هذه المرحلة.

ويرى مراقبون أن صناعة التبغ يمكن لها أن تمتطي صهوة "الفن السابع"، لتحشد المزيد من ضحاياها، وتهب البشرية جيشاً من المدخنين الجدد، يحفظ لها أسباب البقاء.

الأفلام والعالمية في الترويج للتبغ

يرى العديد من الخبراء أن الأفلام السينمائية قد تشكل وسيلة هامة لترويج تعاطي التبغ على المستوى العالمي، فهي تجوب العالم وتستقر في أغلب زواياه، ليشاهدها الكبير والصغير على حد سواء.

وفي هذا السياق، أظهرت إحصاءات عالمية أن العام 2005 شهد إنتاج 3400 فيلماً في 35 دولة حول العالم.

كما تم خلال العام 2006 بيع نحو ثمانية مليارات تذكرة سينما. فيما أظهرت تقارير أخرى أن العالم ينفق في عام واحد نحو مائة مليار دولار على شراء تذاكر السينما والنسخ المرئية للأفلام، ليشمل ذلك النسخ القانونية والمقرصنة.

وهنا يؤكد خبراء ومحللون أن غالبية ما يُنفق على مشاهدة الأفلام يوجه لشراء النسخ المرئية التي توزع للأفلام، ليتاح بذلك للفرد مشاهدتها مرات عديدة، ما يعتبره البعض وسيلة تضمن التعرض المستمر والمتكرر لما تطرحه تلك المواد المرئية من قيم وما تبرزه من مشاهد، قد تحمل بين طياتها رسائل مسمومة كتلك التي تنبعث من سجائر البطل السينمائي.

وبالرغم من تطوير أنظمة تصنيف خاصة بالأفلام بالاعتماد على ما تحتويه من مواد ومشاهد تقدم للجمهور، إلا أنها وعلى ما يبدو لا تجد حرجاً في تقديم مشاهد تعاطي التبغ في فيلم يوجه للمراهقين أو لأفراد الأسرة عموماً.

ويلعب نظام التصنيف المتبع في الولايات المتحدة دوراً مهما في هذا المجال، إذ تسيطر الأفلام الأميركية على نحو 70 في المائة من عائدات شباك التذاكر خارج موطنها الأصلي، طبقاً لبعض المصادر.

وفي هذا المجال تُشير دراسة أجراها باحثون من الولايات المتحدة إلى أن ثلاثة أرباع الأفلام الأميركية، والتي صُنفت من قبل رابطة الأفلام الأميركية، وفقاً لعينة الدراسة تحوي مشاهد مرتبطة بالتبغ؛ فيما أظهرت نتائجها أن أكثر من ثلث الأفلام التي تم تصنيفها على أنها صالحة لجميع الفئات العمرية تحوي مشاهد ترتبط بالتدخين، الأمر الذي ينطبق على الأفلام التي ينصح بمشاهدتها تحت رقابة من الوالدين.

كما وصلت نسبة الأفلام التي تضمنت مشاهد مرتبطة بالتدخين، طبقاً للدراسة، والتي وجهت للأفراد الذين لا تقل أعمارهم عن 13 عاماً مع وجود رقابة من الوالدين، إلى ما يقارب 75 في المائة.

الأطفال والمراهقين ضحايا مشاهد التدخين

ويؤكد العديد من الخبراء في مجال الصحة العامة على وجود تأثير واضح لتعرض الأفراد من الأطفال والمراهقين لمشاهد ترتبط بتعاطي التبغ وبالتحديد تدخين السجائر، خصوصاً عندما يقوم بطل الفيلم بمهمة نفث دخان السجائر أمام عدسات الكاميرا.

وبحسب تقرير صدر مؤخراً عن منظمة الصحة العالمية حول تعاطي التبغ في الأفلام السينمائية، تقدم المواد الفيلمية السينمائية التي تحوي مشاهد حول تعاطي التبغ هبة كبيرة إلى قطاع صناعة التبغ كل عام، يصل مقدارها إلى 894 مليون دولار، حيث يُحصد هذا العائد من قبل مصنعي التبغ نتيجة انضمام أفراد جدد إلى عالم المدخنين، ممن بدأوا التدخين جراء تأثرهم بما تعرضوا له من مواد فلمية سينمائية مرتبطة بالتبغ.

وقد نجحت دراسات أجريت في بعض الدول في الإشارة إلى دور تعرض المراهقين والأطفال لمواد مرئية متصلة بتعاطي التبغ والتدخين، في تشجيع هؤلاء الأشخاص على البدء بالتدخين، فيما ذهب بعضها الى أن ذلك التأثير قد يمتد إلى الأشخاص الأكبر سناً، ممن تجازوا الثامنة عشرة من العمر.

وفي سياق مشابه، أكدت دراسة أميركية على أن ما يزيد عن خمسين في المائة من الأفراد الذين تتراوح أعمارهم ما بين 12-17 عاماً، تبنوا عادة التدخين بسبب مواد مرئية تعرضوا لها خلال مشاهدة الأفلام.

الأفلام العربية وغياب الوعي

وسط تحذيرات المتخصصين من تأثير الرسائل السلبية التي تبثها مشاهد التدخين على الأفراد عموماً وعلى النشء بوجه خاص، يرى مراقبون أن المواد المرئية التي تُنتج لأغراض الترفيه في العالم العربي كالمسلسلات والأفلام السينمائية، تزدحم بالمشاهد المرتبطة بالتبغ وتعاطيه، ليشمل ذلك الأفلام الكوميدية التي ينفث بعض أبطالها سجائرهم بعصبية، كجزء من مشهد طريف ُيُراد به إضحاك المشاهدين، فيما لا تغيب علب السجائر وأحجار الأرجيلة عن مشاهد الأفلام الاجتماعية الخفيفة، التي يمارس أبطالها التدخين بطريقة توحي للمشاهد بأنه قد حظي بلذة واستمتاع كبيرين جراء ذلك.

أما فيما يتعلق بما يُسمى بأفلام الإثارة الحركية والأفلام التي تحوي مشاهد عنيفة، فيعتقد البعض بأن رؤية مشاهد تعاطي التبغ قد تكون أصغر مصائب تلك الأفلام، والتي لا تقتصر مشاهد التعاطي في العديد منها على منتجات التبغ، بل تتناول موضوع تعاطي المخدرات والمواد الممنوعة، ضمن مشاهد تغالي في الكثير من الأحيان في استعراض طرق تعاطي تلك المواد، بحجة أنها تعالج قضايا اجتماعية من منظور واقعي، وفقاً لمزاعم منتجيها.

وبحسب بعض المصادر، أشارت دراسة متخصصة استهدفت تحليل مضمون مشاهد الأفلام المصرية إلى ارتباط التدخين بمظاهر الرجولة والقوة والنفوذ، والمشاهد العصبية وأخرى مرتبطة بالتفكير والإبداع.

في حين يرى مراقبون أن تدخين المرأة في الأفلام السينمائية العربية يقدم كمحاولة لإبراز تحررها وانطلاقها في مجتمع تقليدي يفرض الكثير من القيود على الإناث، بحسب ما يقدمه الفيلم.

وفي هذا الجانب يتساءل مختصون اجتماعيون حول جدوى تقديم الأبطال السينمائيين كأشخاص مدخنين في الوقت الذي يمكن لصناعة الأفلام أن تقدم للمجتمع أبطالاً يعتذرون عن تناول السجائر في مشهد فيلمي، أي حتى لو كان ذلك محض تمثيل لا يرتبط بالواقع، مع إرسال إشارات تحذيرية غير مباشرة، تبرز مخاطر تعاطي التبغ، ليسهم ذلك في تقديم نماذج إيجابية للأفراد المراهقين، والذي يبدي الكثير منهم رغبة في تقليد المشاهير دون وعي. (قدس برس)