التداعيات القانونية والسياسية لوثائق السيد نصرالله

بقلم: د. خليل حسين

ثمة اشارات متعددة الاتجاهات والابعاد اطلقها السيد حسن نصرالله في معرض تقديم بعض القرائن والمعطيات الحسية والمادية في جريمة اغنيال الرئيس رفيق الحريري، بعضها صريح وبعضها الآخر مبطن، وفي كلا الحالتين ستفرض نفسها على المحكمة اولا، وعلى مسار عملها ثانيا. وبطبيعة الأمر ثمة تداعيات قانونية وسياسية لا تقل خطورة عن جريمة الاغتيال نفسها.
في الجانب القانوني الجزائي، ان المعطيات التي وردت بالصوت والصورة، هي معطيات تعتبر بمثابة خريطة طريق لجهة اتهام اسرائيل يمكن الأخذ بها والمضي فيها، والبناء عليها اذا تمكنت المحكمة من اخذ دورها المفترض، او على الأقل السماح لها باتخاذ هذا الدور المفقود منذ العام 2005 وحتى الآن.
علاوة على ذلك، ان القرائن التي قدمت لجهة التسجيلات الصوتية للعملاء الذين جندتهم اسرائيل، تظهر نية اسرائيل ومنذ الانطلاقة السياسية للرئيس رفيق الحريري العمل على اغتياله ولصق الأمر بحزب الله، وهذا ما تثبته الاعترافات المصورة، والدور الذي لعبه البعض في عمليات الاغتيال اللاحقة، وفرار بعضهم الى اسرائيل في ظروف غامضة وغير مفهومة رغم تقديم ملفاتهم الخاصة الى احدى الأجهزة اللبنانية الأمنية المختصة بمكافحة التجسس.
وفي سياق القرائن ايضا، لجهة ما قدم من صور جوية لخط تحركات موكب الرئيس الحريري ليس في بيروت وحدها، وانما في جميع المناطق التي يتردد عليها ومنها صيدا وفقرا، تظهر اصرار اسرائيل على الرصد الدقيق والمتابعة لكل المناطق والمسارات والمواقع التي تسهِّل عملية تنفيذ الاغتيال ومنها الموقع الذي تم فيه تنفيذ الجريمة. صحيح ان تلك القرائن لا ترقى الى مستوى الدليل القطعي في التحقيقات الجنائية الدولية والوطنية، الا انها من القرائن القوية والصلبة التي يمكن الانطلاق منها والبناء عليها، لجهة مقاربتها ومقارنتها بعمليات الاغتيال التي نفذتها اسرائيل عبر عملائها او الانزالات العسكرية التي نفذتها في مراحل سابقة في سياق الصراع مع المقاومة في لبنان كمعركة "انصارية" في العام 1997. ومما يزيد من قوة هذه القرائن وبالتالي امكانية الاستناد اليها، ما اعترف به رئيس اللجنة الاسرائيلية الذي حقق في عملية انصارية من ان الصور التي نشرت هي صحيحة ومأخوذة في حينها. اضافة الى ذلك ثمة معلومات اطلقت حول جدول تحرك الطيران الاسرائيلي فوق منطقة مسرح الجريمة اثناء عملية الاغتيال وبعدها.
وفي الجانب القانوني للتداعيات ايضا، تعتبر هذه القرائن والمعطيات ملزمة للمحكمة بأن تأخذ بها بحكم الجهة التي اطلقتها اولا، وبحكم نظامها الأساسي ثانيا. اما الآلية او الوسيلة، فهي مرتبطة بالمؤسسات اللبنانية بحكم الاتفاقية الموقعة بين الحكومة اللبنانية والمحكمة، وعلى هذه الأخيرة التحرك وطلب هذه القرائن والمعطيات والبدء في التعاطي بها بشكل موضوعي بعدما تم استبعاد هذه الفرضية لمدة خمس سنوات تم خلالها اتهامات سياسية لسوريا وزج اثنائها قادة الاجهزة الامنية اللبنانية الأريعة في السجن اعتمادا على شهود الزور كما اعترفت المحكمة لاحقا.
ان القرائن التي اطلقت ستجبر المحكمة اولا واخيرا على اعادة النظر في خريطة سيرها وعملها، وربما وصولا الى اجراء تعديلات على نظامها الأساسي بهدف التخلص من ورطة شهود الزور والتي استندت المحكمة ولجنة التحقيق على اقوالهم، اذ ان هذا الاجراء يمكن ان يوضح الصورة التي تحدد موقع ودور اسرائيل في عملية الاغتيال.
في الاشارات المبطنة وغير المعلنة بشكل واضح، ثمة اشارة الى وجود طائرة تجسس من نوع "اواكس" فوق موقع الجريمة قبل يوم من عملية الاغتيال، وبالتدقيق ان هذا النوع من الطائرات لا تمتلكها سوى الولايات المتحدة، فهل تم ربط عملية التحضير والتنفيذ للعملية بالولايات المتحدة، ربما اسئلة كثيرة ستدور حول هذه المعلومة وكيفية التعاطي معها قي سياق التحقيق المستقبلي اذا تم الأخذ بمجمل هذه القرائن.
اما لجهة تداعيات القرائن على الداخل الاسرائيلي فثمة حراك قلق بين الاجهزة الاستخبارية الاسرائيلية على قاعدة وصول صور جوية الى ايدي المقاومة، وهذا يعني بالدرجة الاولى ان ثمة خرقا استراتيجيا للمقاومة في الاجهزة الامنية الاسرائيلية، مكنتها من الوصول الى اماكن استراتيجية حساسة في البنية المعلوماتية الاسرائيلية، وبالمقارنة ان نجاح المقاومة في مواجهة عدوان تموز 2006 استند بشكل اساسي على خروق استراتيجية في الاجهزة الاسرائيلية.
اما التداعيات على الداخل اللبناني، فثمة ارباك ملحوظ في الفريق الآخر الذي تعاطى بخفة ملحوظة في بداية الأمر، ما لبث ان حاول بلع وهضم تلك المعطيات والاقرار بها على قاعدة وجوب تقديمها الى المحكمة لئلا يتهم بأنه يدافع عن اسرائيل عبر عدم تأييد هذه القرائن والمعطيات. وبصرف النظر عن الواقع اللبناني ومفارقاته الغريبة العجيبة، ثمة تداعيات سياسية كثيرة ستفرض نفسها لاحقا في الحياة السياسية اللبنانية ستكون خطرة اذا لم يتم التعامل معها بدقة متناهية.
فالاشارة التي اطلقت على قاعدة عدم ثقة الحزب بالمحكمة وبالتالي القرار بعدم التعاطي معها، يعني اقله ان المحكمة من وجهة نظر حزب الله قد انتهت، وبالمناسبة فهذه الحيثية قد تأسست على خطاب سابق للسيد نصرالله في آذار الماضي حين وضع خريطة طريق لبلورة الثقة من خلال البدء بمحاكمة شهود الزور ولم تقدم المحكمة شيئا في هذا المجال.
في مطلق الأحوال ان ظروف المحكمة ولبنان والمنطقة بعد هذه المعطيات والقرائن ليست كما قبلها، والأخطر من كل ذلك، ان ثمة كلاما آخرا للسيد مؤجلاً لفترة لاحقة، وبحسب ما يتداول به في الصالونات السياسية اللبنانية ان اطلاق هذه المعلومات يمكن ان تقلب الصورة رأسا على عقب في لبنان، اذ ان رموزا سياسية كبيرة ستكون موضع اتهام واضح باتجاهات متعددة ومتنوعة.
في فترة السبعينيات والثمانينيات اطلق تعبير لبننة كذا وكذا على قاعدة الفوضى العارمة التي شهدها لبنان في تلك الفترة، وفي هذه الأيام ينتشر مصطلح العرقنة والصوملة، فهل ان عمل المحكمة ومن يقف ورائها سيكون الهدف منه عرقنة لبنان وصوملته بفتنة مذهبية؟ وهل ستكون المنطقة بمنأى عن تداعيات هذه الفتنة مستقبلا؟ اسئلة كبيرة وكثيرة لكن اجوبتها مرهونة بالتحرك العربي الموعود المنطلق من قمة بيروت الثلاثية وما سبقها من قمتي دمشق وشرم الشيخ. د. خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية