التداعيات القانونية والسياسية لاغتيال عرفات

بقلم: د. خليل حسين

بعد وفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات مباشرة، نُسجت حكايات وأساطير كثيرة، تقاطع فيها التكهن والتوقع بالخيال، والتقارير الصحفية بالوقائع العلمية، لكن ما جمع من هنا وهناك ان ثمة قرائن تصل إلى حد الأدلة، تفيد بإمكانية اغتياله، لكن لم يُحسم الأمر في حينه لسبب أو لآخر.اليوم تحقيق استقصائي، مقرون بأدلة علمية، تقود إلى تلمّس طريق الاغتيال.

الحدث في حينه، لم يكن أكثر من وفاة زعيم لأعقد قضية دولية ممتدة من منتصف القرن الماضي ولا تزال، واليوم ربما سيقود هذا الاستقصاء إلى تداعيات سياسية وقانونية في غير اتجاه إقليمي ودولي، ومن الممكن أيضا ان تستغل وتستثمر في غير اتجاه عربي وإقليمي ودولي.

في الوقائع ثمة كميات غير معتادة من البولونيوم في بعض أمتعة الزعيم الراحل، وهي مادة لا يمكن ان توجد إلا في الأماكن التي يتم فيها تخصيب مادة اليورانيوم المستعملة في الأغراض النووية. فمن أين أتت؟ وكيف وصلت إلى أمتعته؟ وهل فعلا تسمم في هذه المادة؟ وكيف يمكن أثبات ذلك؟ ومن هو المسؤول عن عدم كشف ذلك في حينه؟ وكيف يمكن مقاضاة المسؤول عن ذلك؟

في المبدأ تم إثبات ذلك علميا في إحدى المختبرات السويسرية، والقضية أطلقت إعلاميا، وتفاعلاتها أخذت طريقها، وتبقى وسائل تفعيلها قانونيا. أولا لقد أكد الخبراء والأطباء بأن الأعراض التي أصيب بها الزعيم عرفات هي نفسها التي تصيب من يتعرّض لهذه المادة، وبالتالي ثمة اتهام بأن ثمة حالة تسمم إشعاعي أدت إلى الوفاة. وثانيا من المفترض ان حالة التسمم أصيب بها أثناء وجوده في مقره الرسمي في "المقاطعة" في الضفة الغربية، وثالثا ان حالة الوفاة تمت في مستشفى بيرسي العسكري الفرنسي.

أصابع الاتهام تشير أولا وأخير إلى إسرائيل، أولا بالنظر إلى سوابقها في عمليات الاغتيال التي نفذتها ضد كوادر الشعب الفلسطيني، على مر العقود الماضية، وثانيا طبيعة مادة البولونيوم التي لا تمتلكها سوى الدول القادرة على تخصيب اليورانيوم وإسرائيل واحدة منها، وهي المستفيد الأوحد من ذلك.

طبعا ثمة بعض المصاعب التي يمكن ان تواجه إثبات حالة الاغتيال وهي متعلقة أخيرا بإعادة تحليل رفات عرفات ومن الممكن ان لا تتطابق النتائج مع ما هو مفترض، بالنظر لمرور ثماني سنوات على الوفاة وبالتالي تهالك مادة البولونيوم في الرفات. وإذا ما اثبت فعلا ذلك، فثمة صعوبات أخرى ستواجه إجراءاتها القانونية. فحالة التسمم ان أثبتت فقد تمت في الضفة الغربية في فلسطين، والوفاة حدثت في فرنسا. فعناصر الجريمة انطلقت في فلسطين، والوفاة تمت خارجها.

فإذا ما انطلقت الإجراءات في فرنسا أمام المدعي العام الفرنسي باعتبارها قضية جنائية أدت إلى القتل، فمن المحتمل ان يأخذ قاضي التحقيق اتجاها آخرا، ويعتبر ان عناصر الجريمة لم تقع في فرنسا وإنما خارجها، وبالتالي ان الاختصاص الإقليمي للقضاء الفرنسي هو غير ذي صلاحية وان كانت حالة الوفاة قد تمت على الأراضي الفرنسية. لكن في مطلق الأحوال ثمة مسؤولية تقصيرية من الصعب على فرنسا التنصل منها، باعتبارها لم تكتشف هذه الحالة أو لم تحاول البحث عن السبب الحقيقي للوفاة، ففي العلم لا يوجد سبب غير معروف لحالة وفاة، إلا اذا كان المطلوب آنذاك تجهيل الفاعل والسبب في آن معا.

في هذه الحالة هل يمكن اللجوء إلى القضاء الدولي؟ بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية، فهي لا تحاكم دولا بل أشخاصا، وهي متاحة أولا اذا اثبت ان ثمة شخص مسؤول محدد وراء قرار الاغتيال، لكن تواجه ذلك مصاعب كثيرة أيضا من بينها، أولا تحريك الدعوى إما من قبل مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، وإما من قبل مجلس الأمن الدولي وفي كلتا الحالتين الأمر مرتبط بتوازنات مجلس الأمن وحق النقض الفيتو.خيارات أخرى متاحة من بينها مجلس حقوق الإنسان، وهو مرتبط بتوازنات سياسية لا قانونية حاليا، وثمة سوابق تجاه إسرائيل تحديدا، من بينها مثلا تقرير غولدستون الخاص بمجازر غزة. فهل تنشئ محكمة خاصة لاغتيال عرفات كما أنشأت للرئيس رفيق الحريري؟ الأمر هنا كذلك شبه مستحيل بالنظر لآليات تكوينها والمختص به مجلس الأمن الذي سيكون حق النقض الفيتو جاهزا اذا ما كانت إسرائيل هي المعنية بذلك.

التداعيات القانونية ستكون معقدة وصعبة الولوج، لكن تداعياتها السياسية والشعبية ستكون متعاظمة، وستؤكد المؤكد في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني والعربي. المهم في هذه القضية إعادة إحياء قضية باتت بالنسبة للبعض مجرد لهو سياسي لا قضية شعب أو أمة.

في أثناء نقل ردود الفعل من المقاطعة على حادثة الوفاة، سئل احد الضباط المقربين من عرفات حول أسباب الوفاة، أشار إلى ان كثيرا من المقابلات الصحفية التي كانت تجرى مع الزعيم عرفات، فما الذي يمنع من ان تكون هذه الأجهزة تصوِّب مواد معينة عليه، قالها بكلمات بسيطة جدا تكاد تلامس تسطيح الأمور، فهل لهذه الإشارة معنى مفيد في هذه القضية؟ ربما يبدو الأمر كذلك.

د.خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية