التداعيات السلبية للسفارة التركية في القدس

في حمأة القرار الأميركي الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، وكعادتها المعهودة في اتخاذ المواقف المزايدة، أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان نيته افتتاح سفارة بلاده في القدس الشرقية كرد على القرار الأميركي. فما هي خلفيات القرار وما هي تداعياته السلبية على قضية القدس؟ وما أحكام العلاقات الدبلوماسية والقنصلية بين الدول؟ وهل أن هذه الخطوة ستصب في النهاية لمصلحة الفلسطينيين تحديدا؟

في الواقع ثمة سجل تركي حافل بالعلاقة مع العرب والإسرائيليين، ولن نغوص بالتاريخ الغابر وما حل بالعرب من مساوئ السياسة التركية، إلا أن مراجعة سريعة لما فعله حزب العدالة والتنمية مؤخرا كافية، وبخاصة من وسائل وأساليب المزايدات تجاه القضية الفلسطينية وهي بمجملها لا تغني ولا تسمن من جوع، وآخرها الإعلان عن نقل السفارة إلى القدس الشرقية.

أولا يعرف القادة الأتراك تمام المعرفة ما المعنى القانوني والسياسي والدبلوماسي لنقل السفارة، وهو في الأساس من الناحية الواقعية يعتبر اعترافا بالوضع القائم في القدس الشرقية وبخاصة لجهة احتلال إسرائيل لهذا الجزء الذي يشكل 11% من المساحة العامة للقدس والذي ضمته إسرائيل بموجب قرارات وقوانين لاغية ولا اثر قانوني لها، إلا أن مجرد الإعلان عن نقل السفارة إلى هذا الجزء بالتحديد، ذلك يعني أن أنقرة سلكت اتجاها آخر، وهو بالتأكيد سيفتح المجال لإسرائيل البناء عليه ومراكمة الوسائل القانونية للاستفادة منه، وبدل أن يكون لمصلحة الفلسطينيين كما تدعي أنقرة، سيصبح ورقة دبلوماسية رابحة بيد إسرائيل.

لقد برر رئيس الوزراء التركي هذه الخطوة على قاعدة أن لبلاده قنصلية عاملة في القدس الشرقية، ذلك من باب الغمز أن لا شيء جديدا تقوم به أنقرة. إلا إن الواقع القانوني للقنصلية التركية في القدس الشرقية هو مختلف تماما عن الواقع السياسي والدبلوماسي إذا ما افتتحت سفارة تركية. فالبعثات القنصلية وفقا لاتفاقية فيينا 1963، تعتبر القنصليات نوعا من التمثيل في الجوانب الخاصة برعايا الدولة ولا يترتب عليه أي آثار سياسية أو دبلوماسية، إذ أن العمل القنصلي لجهة الحقوق والواجبات هو مختلف تماما عن العمل الدبلوماسي الذي يناط أساسا بالمبعوثين الدبلوماسيين إن كان من رتبة سفير أو قائم بالأعمال أصيل أو بالإنابة.

إن افتتاح سفارة تركية في القدس الشرقية، يرتب أعباءً إضافية سلبية على القضية الفلسطينية بعامة وقضية القدس بخاصة. فلدى تقديم السفير لأوراق اعتماده لرئيس الدولة المضيفة وهنا المقصود إسرائيل، يعني اعترافا قانونيا بالنظام القائم وما يمارسه من أفعال وأعمال، وبالتالي هو اعتراف قانوني وسياسي بالوضع القائم في القدس الشرقية الذي ضمته إسرائيل بعد احتلالها في العام 1967؛ أي أن أنقرة تجاوزت الأمر الواقع لجهة الاحتلال والضم الذي لا يغطيه القانون الدولي ولا قرارات الشرعية الدولية وبخاصة قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة بموضوع القدس. علاوة على أن هذا الفعل مخالف لقرار التقسيم 181 أساسا الذي يضع القدس تحت وصاية دولية، ولاحقا الذي ترك وضعها لمفاوضات الحل النهائي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل عبر مسارات مؤتمر مدريد وأوسلو وواي ريفر وكامب ديفيد.

فالقرار التركي بهذا الخصوص ينطوي على مخالفات قانونية وسياسية ودبلوماسية لروحية اتفاقيتي فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 والقنصلية 1963، ولما نصت عليه أيضا العديد من القرارات المتعلقة بالقدس، واتفاقية لاهاي 1907 وملحقاتها واتفاقيات جنيف الأربعة وما يتعلق بها من الحرب والاحتلال.

إن الاحتجاج بافتتاح سفارات في القدس الشرقية على انه اعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، كلام من النوع الحق الذي يراد به باطل. فصحيح أن التمثيل الدبلوماسي هو نوع من الاعتراف، لكنه في المقابل ينشئ حقوقا وسوابق لمصلحة إسرائيل وهو إفساح المجال ودون سجال لإنشاء سفارات للدول في القدس الغربية، وبالتالي تكريس أمر واقع أخر دبلوماسي وقانوني لجهة الوضع النهائي للقدس، وهو ما تبحث إسرائيل عنه بشتى الوسائل منذ بدء المفاوضات المباشرة بين العرب والإسرائيليين، وبالتالي من الصعب النظر إلى هذا القرار على انه لمصلحة القضية الفلسطينية.

لقد عودتنا تركيا على اتخاذ مواقف تبدو ارتجالية في بعض الأحيان، لكنها مواقف مدروسة وتعرف نهاياتها والى أين ستصل مآلاتها، فحسن النية لا مكان له في السياسات والسلوكيات الخارجية للدول الطامحة للعب ادوار وازنة ومنها تركيا التي لبعت أدوارا سلبية كبيرة في شق الصف العربي وتأليب دول على أخرى، ولا يخرج القرار التركي بنقل سفارتها إلى القدس عن ذلك السياق المعتاد الملعوب ببراعة موصوفة.