التحليل النفسي لعلاقة المواطن بوطنه

عشرات المقالات التي تهبط علينا وتأتي من كل فج عميق تتحدث عن الوطنية وأهمية الوطن وضرورة اكتساب صفات المواطن المثالي وكم من دراسة مكرورة جاءت لتطل علينا بسؤال أكثر سخافة وهو: كيف يمكن أن تطور وطنك؟ ولكن المشكلة العميقة التي نهرب منها بقصد ووعي كاملين وتامين هي مستوى العلاقة مع الوطن. وفكرة مستوى العلاقة أشبه بعلاقات الأصدقاء والأحبة والجيران وزملاء العمل والأزواج باختلاف النسبة ودرجة النوع في التشبيه.

وربما أشترك مع كثيرين في ممارسة الظرف والاستظراف وسخافة الكتابة عن أن مصر هي الوطن والحضن والعشق الذي لا ينتهي وهي بالفعل كذلك لكن أنظمة مبارك الثقافية والتعليمية أفقدت حس الوطن وحاسة الوطنية لدينا جميعاً إلا من رحم ربي، وكانت اللحظة الفاصلة في سبر أغوار هذه العقدة ثورة الخامس والعشرين من يناير وثورة الغاضبين في الثلاثين من يونيو، حيث أكد الشباب الثائر أن للوطنية مستويات ودرجات ككل شيء في حياتنا، فهناك من رأى علاقته ولا يزال بالوطن علاقة تشبه ذهابه للعمل الرسمي الروتيني باختصار حضور جسدي بغير فعالية وهؤلاء عليهم رحمة الله وهم بحاجة إلى قنبلة تفجر طاقاتهم المختزلة بفضل الإحباط والاكتئاب وقمع الإبداع لديهم.

وتجد هؤلاء في حالة وجد منقطعة تتجدد في كل أجازة رسمية أو عطلة أسبوعية ويتذاكرون اسم الوطن في أحاديثهم بقولهم يا ليت الوطن قاصدين الحكومة تعطينا أجازة طويلة تمتد لشهور باعتبار أنهم يعملون وإذا عملوا فإنهم ينتجون لكن المنتج النهائي أكوام من الأوراق المهملة التي يحرص عليها حرصه على حياته المهملة أيضاً ولا يدر أنه يصنع الحدث.

وقليل منا من يظل على علاقة بالوطن تشبه علاقة الأصدقاء؛ ذكريات جميلة ومجموعة نادرة من الصور وثمة كلمات تدلل على تاريخنا الشخصي مع الوطن وبعض فترة نجتر تلك اللحظات الفائتة ونحن في هوس من تفاصيلها التي صارت منقوشة تتوارثها الأجيال المتشابهة. وهؤلاء القلة يتعاملون مع أوطانهم الجميلة بمنطق متعاطي المخدرات يتحملون مخاطر وعوائق تكاد تفتك بحياتهم من أجل لحيظات متعة فانية يستيقظون بعدها على خسارة في الذاكرة والقلب والصحة والجسد.ولكن بحجم الصداقة وذكريات الصبا والشباب تظل هناك غصة بالقلب من صديق أو أكثر ربما بسبب عوامل متعددة كالحالة الاقتصادية أو المكانة الاجتماعية أو المستوى الدراسي، وهؤلاء بضرورة إلى تنويرهم بقاعدة إنسانية مهمة مفادها أن كل إنسان يمتلك من المهارات والقدرات والكفاءات الاستثنائية ما لم تتوفر لغيره من الناس وعليه وفقاً لهذا أن يطور وينمي تلك المهارات ويستغل الفرص القريبة للعمل عليها ورعايتها من أجله أولاً ومن أجل وطن بينه وبينه علاقة صداقة لا تنتهي.

وكثيرون يرصدون علاقتهم بالوطن كمثل الأحبة (العشاق) وما أدراك ما العشاق؟ فاليوم ساعة حب وغرام وحصر للنعم ورصد للحظات خفقان الفؤاد التي تتصاعد في الوصل والقرب والبعد أيضاً وتتداعى هذه الحالة عن طريق التفاصيل التي تربط بينهم من هدايا ومنح وعطايا وإحداثيات غير مادية، وغداً ساعة لعن وغضب وتشرذم وامتقاع داخلي ربما يولد الكراهية لكن لا يفضي إلى النسيان، وهؤلاء بحاجة قوية إلى تدعيم أركان علاقتهم بالوطن، وما أقسى هؤلاء وأقصاهم أيضاً عن الوطن والوطنية فحالة العشاق عادة ما تتأرجح وتتباين وتختلف باختلاف الحالة المزاجية الشخصية وبصورة الحبيب في عيني المحبوب والعكس وثمة أمور أخرى تحدد طبيعة العلاقة.

وكثيراً ما ترى هذه العلاقة في المناسبات الوطنية كذكرى انتصار عسكري أو عقب عرض مسلسل يتناول سيرة حياة أحد أبطار الاستخبارات كمسلسل رأفت الهجان أو دموع في عيون وقحة، وتكون حالة المحب لوطنه في ارتفاع وتصاعد حتى يظن نفسه قد توحد مع البطل وعلى استعداد أن يلفي بنفسه في البحر من أجل ثرى الأوطان. وعلى الخلاف لو صادف المحب لوطنه ذكرى انكسار أو اجترار حادث تعرض له الوطن كغرق عبارة بحرية أو حريق قطار أو انفجار طائرة، تجده على الفور يلعن الوطن والمسئولين والحكومات ومدى تدهور اهتمام الأنظمة بالمواطن والكارثة أن تظل علاقة المواطن بوطنه في تلك الحالة غير المستقرة.

إن أسهل شيء هو رصد حالة المواطن مع وطنه واستقراء مواقفه المتباينة، لكن الصعب هو إيجاد صيغة ثابتة أو وثيقة علاقة تربط المواطن بوطنه ولا أعني الدستور الذي ينظم العلاقة ولا يربطها برابط أقوى وأعمق مع الوطن الذي يبدو حائراً في ظل حيرة الإنسان وتصرفاته وسلوكاته التي تحتاج إلى ترمومتر يضبط تلك العلاقات والحالات.

وإن سألت عن الوسلة لأدركت المدرسة والجامعة وأدوارهما لاسيما في الأيام الراهنة، وإن بلغت الوسيلة فعليك أن تستشرف الطرائق المؤدية لذلك وأبرزها باختزال شديد تعميق مشاركة المواطنين في الحياة السياسية الرسمية، وإيجاد حياة حزبية حقيقية وليست لوحة سوريالية لرسام مغمور يلقى حتفه بفضل التهميش والإهمال. وتكريس ثقافة ملموسة المواطنة لا تلك التي تنحصر في علاقة المسلم بالذمي أو بالأنا والآخر بل المواطنة التي تعرف للتمييز سبيلاً ولا للإقصاء طريقاً وهذا بالطبع يتحقق من خلال رغبة المواطن نفسه في المشاركة وأن وجوده وحضوره بفعاليات الوطن ضروري وذو جدوى.

ومخطئ من يظن أن الطريق سهل ويسير بل الطريق وعر وهذا يذكرنا بكتاب مهم تجدر الإشارة إليه وهو كتاب الرئيس الكوري الجنوبي السابق لي ميونج باك وعنوانه "الطريق الوعر" وفيه سجل المؤلف كيف انتقلت كوريا من نير الاستعمار الياباني إلى جسور المعرفة والحرية والديموقراطية ومن رهن البئية الزراعية الفقيرة إلى غزو صناعي كبير... ومن حالات إنسانية للمواطن تشبه حالاتنا إلى مواطن بدرجة فائق.