'التحرير 2011' .. كأن العنوان يوجه الفيلم ويزور الثورة

بقلم: سعد القرش
المخرجة أيتن أمين

من عنوانه، يسفر الفيلم التسجيلي "التحرير 2011 ـ الطيب والشرس والسياسي" عن موضوعه. وإذا كان الفيلم يأتي والثورة تتفاعل، ودماء الشهداء طازجة، والمتهمون في مقاعدهم، والفضائيات قد غطت بالتصوير الحي سطح الثورة وظاهرها، فإن عملا سينمائيا وثائقيا يحتاج إلى مجهود آخر للنفاذ تحت سطح الثورة، تحت جلد الضحية والجلاد معا، بحثا في مياه جوفية ثورية عن عوامل القوة التي تحرك الملايين، ومنهم مخرجو هذا الفيلم تامر عزت وآيتن أمين وعمرو سلامة.

في الجزء الأول (الطيب) تخلى تامر عزت عن روح سخرية طبعت فيلمه "مكان اسمه الوطن"، فالأمر هنا يتعلق بثورة وشهداء وجرحى، ولا مكان ولا وقت للسخرية، واستطاع أن يقدم بانوراما إبداع ثوري تجلى في مواجهة غير متكافئة بين جمهور أعزل وآلة الشرطة المتوحشة، ثم تواصل الإبداع مع تحديات أيام الثورة، من خلال عدة مراحل مر بها ميدان التحرير، إلى أن أصبح دولة، إذ شهدت الأيام الأولى مقاومة للموت، من خلال مستشفيات ميدانية أجريت فيها جراحات من دون تخدير، وعولج فيها جرحى رفضوا الذهاب إلى قصر العيني أو غيره من المستشفيات، لأنهم أدركوا أن مصر لم يتحرر منها سوى ميدان التحرير، والخروج منه مخاطرة، حتى إن طبيبة تقول إن سيارات الإسعاف، في الأيام الأولى، كانت تتوجه بالجرحى إلى أمن الدولة، وبدلا من العلاج يتم الإجهاز عليهم، على طريقة مجرمي الأفلام المصرية «ريحوهم!».

في الجزء الأول اتسقت القضية مع الرؤية، وإن كان لمصطلح (الطيب) في السنوات الأخيرة دلالة غير مستحبة، ربما تعني السذاجة أو الاستعداد للتفريط في الحقوق.

أما الجزء الثاني (الشرس) فيبدو أنه أخذ آيتن أمين إلى وجهة أخرى. كان (الشرس) لا يزال شرسا يرفض التصوير أو الكلام في الفيلم، ولكنها عثرت على ضباط صغار وكبار، فتكلموا واستبدوا بالمساحة الزمنية، ولم تحاول المخرجة أن تستعين بصوت آخر، من الضباط السابقين مثلا، حتى إن المشاهد ربما يخرج من الفيلم متعاطفا من (الشرس) الضحية، ولأن «مندسين وبلطجية» كانوا موجودين منذ اليوم الأول بهدف إسقاط الدولة لا النظام الغاشم!

يسخر ملازم أول من فكرة صلاة الناس في جمعة الغضب فوق كوبري قصر النيل أو بالقرب منه. ومن الجائز في مثل هذه الظروف ألا يكون اتجاه القبلة مضبوطا باتجاه البيت الحرام، هناك ميل قليل إلى اليمين، ولكن.. «أينما تكونوا فثم وجه الله». و«سيادته» يسأل المخرجة ويسألنا: هل أصبح ميدان التحرير هو القبلة؟!

أما مقدم الشرطة، لأنه مقدم، فقد قدم بكائية على وطن تعرض إلى مؤامرة منذ 25 يناير، وكانت الشرطة معنية بمطاردة مندسين وبلطجية بدليل حرق أقسام الشرطة في وقت واحد، وتساءل: من حدد لهم ساعة الصفر للهجوم؟

تمهلت الكاميرا في تصوير جوانب من قسم شرطة السيدة زينب، لكي نتعاطف مع الشرطة المساكين المغلوبين على أمرهم، وفي المقابل لم تعنى المخرجة بتوثيق انتهاكات، مثل الاعتداء على سائق السيارة الأجرة عماد الكبير، وهي قضية شهيرة أدين فيها الضابط إسلام نبيه بالسجن، ثم عاد إلى عمله!

في هذا الجزء اختفى الضحايا، ولو أتيح لأحدهم أن يجيب عن أسئلة الضابط لقال إن المساجد والكنائس والمكتبات، ومقاهي وبارات وسط البلد لم يعتد عليها أحد، وهناك واقعة غامضة في اغتيال لواء الشرطة الشهيد محمد البطران. لم ينشغل الفيلم بأسباب انسحاب (الشرس) وترك البلاد لبلطجية اصطفاهم وسمنهم ليوم الفصل لكنهم خذلوه. وقد شاهدتهم بميدان عبدالمنعم رياض، في جمعة الغضب، يرتدون ملابس مدنية، وقد سلحوا بسلاسل وخراطيم وعصي، زودوا بكل أدوات البطش، باستثناء البنادق والمسدسات التي يقتصر استخدامها على قتلة رسميين.

ولكن الضابط يؤكد في الفيلم أن الشرطة لم تكن مسلحة بالرصاص الحي، هكذا جاءتهم تعليمات الوزير الرحيم، ولم تلجأ إلى العنف إلا عصر جمعة الغضب بعد الهجوم على الأقسام، فمن قتل الشهداء إذن؟

كان صعبا على المخرجة أن تجد ضابطا يوافق على الكلام، ولكن بعضهم تكلم، ولم يكن مستحيلا أن تأتي ببلطجي أو ضابط هارب من حماية الشعب في جمعة الغضب، وتعمد إحداث فوضى. ولكن الضابط في الفيلم يحاول استجداء العطف على الشرطة، بالتحسر على زمن كان الشعب يفر فيه من الشرطة، قبل أن تنقلب الآية بعد الثورة، ويصبح الضباط يخافون الناس! ولأنه لا يعرف الشعب المصري استسهل هذا الكلام الذي ترد عليه هذه الواقعة.

المخرج عمرو سلامة

صباح يوم السبت 29 يناير، كنت أسير في جنازة شهيد عرفت أنه مصطفى سمير الصاوي، من حي الدقي إلى ميدان التحرير، وقد خلا ميدان الجلاء من مدرعات الشرطة وجيوشها التي آذت أمس الجمعة طه حسين المطل على النيل، وفي الميدان وقف ضابطان كبيران، عميد ولواء شرطة، بالزي الرسمي ينظمان المرور، يساعدهما شباب متطوعون، والناس تحيي شجاعتهما وإحساسهما بالمسؤولية، وثقتهما بأنهما شرفاء، إذ بادرا إلى الشارع منذ الصباح، على مسؤوليتهما الشخصية، ومن دون تعليمات من جهاز الشرطة الذي اختفى منذ مساء أمس (جمعة الغضب).

بعد عشرات السنين لن تبقى كثير من الوثائق والمواد التليفزيونية، وستظل الأفلام الوثائقية لها سحر وقدرة على تجاوز المرحلة التي صنعت فيها، وتخاطب أجيالا أخرى، ومنها هذا الفيلم الذي مال في بعض أجزائه ومشاهده إلى تزوير الثورة، بحسن نية، وكأن الثورة ـ التي يحاول من رفضوا المشاركة فيها قبل أن يتبين لهم خيطها الأبيض من الأسود ـ تتعرض سينمائيا للسرقة، كما تتعرض للتشويه في الجزء الثالث من هذا الفيلم.

في سياق مثل ثورة 25 يناير، ربما تكون السخرية غير مناسبة، فالضحايا/الجرحى مازالوا قادرين على الشهادة، وإن فقد بعضهم القدرة على مشاهدة السينما بسبب طلق ناري أفقدهم البصر، بسبب جهل (السياسي) وهذا عنوان الجزء الثالث والأخير الذي أخرجه عمرو سلامة، وحشد فيه عددا لا بأس به من الفلول، حاول بعضهم إبراء الذمة، معتمدا على أننا الشعب (الطيب)، كما في الجزء الأول من الفيلم. فقد قال الدكتور سامي عبدالعزيز، أول عميد يثور طلبة كلية الإعلام لإخراجه منها، إن الأمن كان متوحشا، وإنه سمع بأذنه في الفترة الأخيرة لمبارك، أن الأيام القادمة ستشهد إغلاقا لمنافذ إعلامية وتضييقا على الإعلام. ولم يقل العميد المخلوع كيف كانت المناصب تذهب إلى مستحقيها أو غير مستحقيها، ولا كيف صمت عن هذه الشهادة، على الأقل في الأيام الأخيرة للثورة، ولا أين كان يوم 25 يناير، هو أو محمد الصاوي صاحب ساقية الصاوي الذي اكتسب، في الفيلم، جرأة متأخرة، وكأننا نسينا أنه جلس في موضع التلميذ، في أغسطس 2010، أمام جمال مبارك لمناقشة مستقبل الثقافة في مصر، بحضور مثقفين منهم جابر عصفور، وفوزي فهمي، والسيد يسين.

في هذا الجزء استأسد الدكتور حسام بدراوي على مبارك، قائلا إنه نصحه بالتنحي وحذره من مصير شاوشيسكو، وهو كلام قاله في كثير من الفضائيات، وبخاصة فضائيات الفلول، بعد أن صرح به لصلاح منتصر. كان بدراوي رئيسا للجنة التعليم والبحث العلمي في أمانة السياسات التي ترأسها جمال مبارك، ثم تولى في الخامس من فبراير أمانة الحزب الوطني، ولم يقل لماذا لم يذهب إلى ميدان التحرير ليعتذر للثوار والشعب، ويعترف بعجزه عن فعل شيء، ولهذا هو معنا.

كما استأسد الدكتور مصطفى الفقي في الفيلم. سخر من المادة 76 قائلا: لو قال لك واحد إن في جيبه حاجتين تستطيع أن تصنع منهما عجة فماذا يكونان؟ أي أن تلك المادة كانت ستأتي بجمال مبارك وحده لا شريك له. ثم استأسد مرة أخرى قائلا بالحرف الواحد إن مبارك "لم يقرأ كتابا.. لم يرب سياسيا".

كلمة حق يقولها الفقي في الوقت الخطأ، فهو أحد تروس النظام، ولم يكن مع ثورة لا يريدها، وهو القائل إن أمانة السياسات "تسهم إلى درجة كبيرة جدا (في وضع الإطار العام للدولة) وتسهم بالأفكار والدراسات شديدة التميز". ("المصري اليوم" 27/3/2008). لم يتردد في الإشادة بدور أمانة السياسات، وتجنب الإشارة إلى أن نسختها الكارثية في العراق تولاها صدام حسين حين كان نائبا للرئيس طامحا للرئاسة، ثم ابنه عدي الصاعد بقوة، تحت جناح أبيه. وبعد يومين اثنين. والفقي هو القائل أيضا: "عندما أحضر اجتماع أمانة السياسات أرى حولي معظم العقول المفكرة من المثقفين والعلماء وأساتذة الجامعات في مصر". بالورقة والقلم حسبها الفقي، ثم فكر وقدر، ثم نظر وفتح جناحيه، إلى الوريث وإلى أبيه معا، وقال في برنامج تلفزيوني نشر ملخصه في ("المصري اليوم" 31/3/ 2008): "الرئيس مبارك وأسرته يعلمون أنني عشت بينهم وولائي لهم".

خلا هذا الجزء من وجوه أخرى مثل عبدالحليم قنديل أو أحمد فؤاد نجم، وفي قراءة العمل الفني يجب أن نناقش ما هو موجود، ما اختاره الفنان، لا ما نتمنى أن نصنعه نحن.

يبدو أن عنوان الفيلم كان قيدا، وإلا هل نصدق أن مبارك كان سياسيا؟

سعد القرش ـ روائي مصري

saadelqersh@hotmail.com