التحرش حصاد ما زرعته أنظمة مصر الفاسدة

مشهد التحرش بميدان التحرير ليلة تنصيب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسا لمصر لا يختلف عن عشرات بل مئات المشاهد في الميدان نفسه ومحيطه التي جرت خلال السنوات الأخيرة، وكالعادة يتحول المشهد إلى حفل زار أو مكلمة أو "لطم خدود وولولة" على القنوات الفضائيات المصرية، ونفس الشيء في الصحف الرسمية والخاصة، وتنتفض ثورة عارمة بين المثقفين الليبراليين والعلمانيين ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الانسان، وينفض المولد بلا حمص ـ كما يقال ـ وتذهب القضية الظاهرة أدراج الريح، ليتكرر نفس السيناريو عند وقوعها مرة أخرى.

حفل لا يقل جهلاً وتخلفاً وقمعاً وإجراماً وانهياراً قيمياً وأخلاقياً وعرياً لدولة القانون عن حفل التحرش الذي أقامه المجرمون حول سيدة وفتاة التحرير، حفل يغطي على فشل الدولة وأجهزتها في حماية مواطنيها، لكن هذا الحفل هذه المرة تجاوز الحدود ووصل بالبعض إلى حالة الهستيريا، فرأينا السياسي والمثقف والفنانة والراقصة يصرخون: اعدموهم، ورأينا آخرين: الإخصاء هو الحل..إخصوهم، ورأينا من وجدها فرصة سانحة لصب اللعنات على الشباب المصري حتى خرج مذيع يقول "الجيل ده مش نافع خلاص".

الدولة من جانبها لم تخرج عن الإطار الاحتفالي، فحولت القضية إلى صالحها وحولتها إلى "الشرطة والشعب إيد واحدة" وأحاديث عن بطولة "شرطية،" فكرمت رجال الشرطة الذين أنقذوا الفتيات، وسمحت لهم بالخروج على الفضائيات لرواية البطولة والنضال، وخرجت بصورهم إلى المواقع والصحف.

هكذا ماتت القضية الرئيسية وسط حفلات الفضائيات والصحف والمجلات، وضجيج الولولة والثرثرة والتصريحات والبطولات والنداءات الممسوسة بالانتقام، وكأن الجميع دولة ونخبة ومجتمعا يتبرءون من مسئولياتهم ويدارون ما ارتكبوه من جرائم ويختبئون مما حطموه من قيم وثوابت أخلاقية ووطنية ودينية أدت وسوف تؤدي إلى المزيد من الانتهاك للمرأة المصرية وحقوقها بل للمجتمع كله.

لا يدرك كل هؤلاء المولولين ومن يصدرون أنفسهم باعتبارهم أبطالا ومنقذين للوطن أنهم هم من صنعوا هذا بأيديهم وأفواههم، هم من ابتدعوا التحرش والخطف وجعلوه سلاحاً للقمع والابتزاز، هم من حطموا منظومة التعليم وسرقوا ونهبوا أقوات الناس جهارا نهارا، هم من أطلقوا موجة أفلام وبرامج التوك شو المنحطة، وحطوا من قيمة العلم والعلماء وأعلوا من قيم الفهلوة والبلطجة والنصب، فأصبحت الطريق للتسيد والحضور.

ما يزيد على أربعين عاما تم العمل على تفكيك قيم المواطن المصري، بدأت بالانفتاح الاقتصادي للرئيس أنور السادات الذي حول المواطن إلى مستهلك، فباع أرضه وأغلق مصنعه واكتفى من التعليم بالقراءة والكتابة، وأصبحت تجارته الرئيسة "الفهلوة"، وساعده نظام السادات الذي خفض ميزانيات التعليم والصحة إلى أقل من النصف مما كان يخصصه الرئيس جمال عبد الناصر، لندخل في عصر الرئيس مبارك الذي منهج تفكيك وتسطيح وتحطيم فظهرت عمليات التحرش بشكل لم تشهده مصر من قبل، فكان فض بكارة وتعرية فتاة في محطة أتوبيس العتبة على سلاليم الأتوبيس، واغتصاب فتاة في منطقة المعادي الراقية على مرأى من خطيبها، وما جرى في أول أيام عيد الفطر عقب خروج الشباب والفتيات من سينمات وسط القاهرة، حيث تم تجريد فتيات من ملابسهن في عز الظهر في ميدان طلعت حرب، أما عن حالات تحرش نظام مبارك نفسه فحدث ولا حرج وأشهرها ما جرى أمام نقابة الصحفيين عام 2005 حيث تم تمزيق ثياب صحفيات والتحرش بهن.

إنهم شركاء أصلاء فيما جرى للفتاة والسيدة في ميدان التحرير، ليقل من يقل بأنها مؤامرة إخوانية أو غير ذلك لتشويه الرئيس الجديد المشير السيسي، لكن لا يمكن أن ننسى أو نتناسى تواطؤاً ما ارتكبته الانظمة الفاسدة من قبل بهدمها لمنظومة القيم في كل مجالات الحياة المصرية، أفسدت التعليم والصحة والسياسة والإعلام والصحافة والثقافة والفن و..لم تترك شيئا لم تصل إليه بأيديها الملوثة بالفساد والقمع والجهل.

لذا فعلى من يطالبون بإعدام أو إخصاء أو نفي هؤلاء المجرمين، عليهم أن ينصبوا محاكمات عاجلة لكل مسئولي الأنظمة السابقة الأحياء منهم والأموات الذين زرعوا الفساد وروجوا له وجعلوه بضاعة وعملة أو تستروا عليه ومرروه خوفا وطمعا، فما يحدث الآن حصاد ما زرعوه يجنيه الشعب المصري.