التحدي الأكبر ليس في انضمام اليمن الى المنظومة الخليجية، بل في عدم الانضمام

بقلم: أحمد غراب

قررت كتابة هذا المقال بعد الإطلاع على مفردات بحث قام به نايكول ستراك الباحث في قسم الدراسات الأمنية والإرهاب في مركز أبحاث الخليج.
بنى ستراك بحثه على فرضية إن انضمام اليمن للمنظومة الخليجية يمثل تحديا كبيرا لدول الخليج. الا أن الواقع الخليجي والأقليمي يمثل دليلا واضحا على إن التحدي الحقيقي الذي يواجه دول الخليج هو بقاء اليمن شاردا على الحقل الخليجي في وقت يبدو فيه الخليج أحوج ما يكون إلى تأمين ظهره عن طريق انضمام اليمن الذي يمثل موقعه الحساس شريانا أمنيا لا يمكن تأمينه الا بإحتواء اليمن ضمن الإطار الخليجي.
إن المشهد السياسي في اليمن في حقيقته بات جزءا من المشهد السياسي الخليجي ويمكننا إن نلاحظ ذلك من خلال توأمة المواقف السياسية بين الطرفين وانطلاقهما من قاعدة واحدة هي المصير المشترك والامن المترابط والمتصل. وبالتالي فإن الخوض في ما يسميه البعض تحديات سياسية تحول دون انضمام اليمن إلى الخليج يمثل اسرافا في النظريات البعيدة كل البعد عن الواقع الاقليمي والخليجي الذي نعيشه.
أما بالنسبة للتحديات الامنية فإن الحقيقة التي لا يمكن مداراتها تؤكد أن انضمام اليمن للمجلس الخليجي يمثل زخما ايجابيا على الأمن في منطقة الخليج ككل وتعزيزا لإيجاد امن خليجي موحد ومشترك ولتفعيل اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك وتعزيز قوات درع الجزيرة. وتدرك قيادة مجلس التعاون بأن اليمن بات أقرب اليها من أي وقت مضى خصوصا وان اليمن بات باستقراره يمثل سندا امنيا قويا لدول الخليج حيث تمتلك اليمن نظام حكم يبدو حريصا على توثيق علاقاته بجميع دول الخليج. ولعل ما يؤكد ذلك هو إن جميع القوى السياسية اليمنية والفئات الاجتماعية تنظر إلى التقارب مع دول الخليج والاندماج المستقبلي على انه الهدف الاسمى الذي يجب تحقيقه. بمعنى إن الانضمام إلى الخليجي يمثل وحدة سياسية واجتماعية داخلية في اليمن الامر الذي ينعكس بدوره على علاقات الترابط بين الجانبين اليمني والخليجي وخصوصا من الناحية السياسية والامنية أما بالنسبة للعلاقات الداخلية التي ركز عليها الباحث الغربي ومدى انعكاسها على انضمام اليمن إلى الخليجي فالحقيقة تؤكد إن الرئيس اليمني علي عبدالله صالح حقق نجاحا غير عادي في استقطاب جميع القبائل اليمنية والسيطرة عليها واستخدامها في مكافحة الارهاب وفي عملية التقارب الخليجي بالاضافة إلى إن صالح اثبت براعته في السيطرة على جميع الحركات والتيارات الاسلامية وأضفى صلة الاعتدال عليها.
ولتوضيح مدى اهمية الجانب الامني في الشراكة اليمنية الخليجية يمكن القول أن الامن الخليجي واجه الكثير من الصعوبات والمعوقات منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي. إذ ترافق تأسيس المجلس مع حرب الخليج الأولى بين العراق وايران التي استمرت حتى نهاية عقد الثمانينيات في القرن العشرين تلاها فترة هدوء لبضع سنوات، وبدأت في العقد الأخير من القرن العشرين بأزمة الكويت التي هزت منطقة الخليج العربي والعالم العربي بشكل عام، وأدخلت المنطقة في دوامة من الحرب والتدخل الأجنبي مازالت مستمرة منذ بداية التسعينيات، ولا يحتمل انتهائها في ظل الوضع العصيب والمتردي في العراق وتأثيرات مشاريع تقسيمه وانعكاسات التدهور الامني في العراق على مستقبل الاستقرار السياسي في منطقة الخليج العربي الامر الذي خلق تحديات إضافية لدول المجلس الخليجي وبالتالي فإن التحدي الامني ما يزال هو المسيطر على الاجندة السياسية لدول الخليج.
ولعل دول الخليج باتت تدرك اكثر من غيرها مدى حاجة هذه المنطقة إلى إستراتيجية أمنية تشارك فيها جميع دول المنطقة دون استثناء وباتت تدرك ايضا مدى اهمية دور اليمن التي تقع في إطار المحيط الإقليمي للخليج والجزيرة العربية من جهة والقرن الأفريقي من جهة أخرى وتشكل البوابة الجنوبية لمنطقة الخليج والجزيرة العربية. وفي هذا السياق يقول وزير الداخلية اليمني رشاد العليمي ليس من الحكمة أن يتجاهل البعض دور اليمن في أي إستراتيجية أمنية للخليج مبرراً ذلك بالوضع الاقتصادي في اليمن وكمية السلاح التي يملكها اليمنيون في حين أن الوضع الأمني الذي حدث في أفغانستان قد هدد امن منطقة أواسط آسيا بكلها وربما ابعد من ذلك والحال كذلك اليوم في القرن الأفريقي نتيجة الأوضاع في الصومال.
لذا فان أي إستراتيجية أمنية لمنطقة ينبغي أن تعالج الأوضاع في كل دولة في إطار نظرة شاملة لأوضاع المنطقة ابتداء من التنمية ومكافحة الفقر وانتهاء بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والتطرف وتهريب الاسلحة.
وأكدت الاحداث أن تحقيق الأمن والاستقرار لأية منطقة يكمن في تعاون وشراكة حقيقية فيما بين دولها تتضمن كافة مجالات التعاون وتسهم فيه كل دولة بقدر إمكاناتها فذلك هو الطريق الأمثل لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقتنا.
ويمكن القول ان احداث سبتمبر وما تلاها من شراكة امنية بين اليمن وواشنطن من ناحية واليمن ودول الخليج من ناحية اخرى مثلت نقطة التقاء كبيرة باتجاه تحقيق شراكة امنية موحدة بين دول الخليج واليمن، خصوصا وان القيادة اليمنية بادرت إلى اتخاذ العديد من القرارات والإجراءات والخطوات الاستباقية والاحترازية لتجفيف منابع التطرف والإرهاب وتضييق الخناق على تلك العناصر التي كانت يتوقع قيامها بارتكاب أعمال ارهابية وتخريبية أو انحرافها باتجاه السلوك المتطرف.
بالرغم من امكانياتها المتواضعة فقد استطاعت صنعاء ان تكون حليفا اسياسيا في حملة مكافحة الارهاب العالمية وتمكنت من ان تلعب دورا غير عاديا في منطقة البحر الاحمر والقرن الافريقي وارتبطت بشراكات امنية قوية مع كل دول الخليج وخصوصا جارتها الكبرى المملكة العربية السعودية وقامت بالملاحقة والقبض على العناصر التي اشتركت في العمليات الإرهابية أو المشاركة أو التخطيط في تنفيذها وإحالتهم إلى القضاء وآخر تلك الأعمال الإرهابية ما حدث في منطقة مران بمحافظة صعدة خلال الأشهر الماضية.
بالاضافة الى انها تمكنت من القبض على الشبكات التي خططت أو التي كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية حيث وجدت لديهم مخططات ومواد لتفجير بعض المصالح الأجنبية والوطنية واغتيال دبلوماسيين أجانب وشخصيات يمنية كما قامت بإعداد وتنفيذ خطط للانتشار الأمني في عموم محافظات الجمهورية لتعزيز الجانب الأمني ومساندة عملية مكافحة الإرهاب وحقق ذلك نتائج ملموسة على صعيد مكافحة الإرهاب والجريمة وكذلك اجراء المسح الأمني للمواني وتأسيس مصلحة خفر السواحل بدعم ومساندة من الولايات المتحدة الأمريكية الصديقة ومنع دخول بعض رعايا الدول إلى الجمهورية اليمنية عبر دول غير دولهم الأصلية بالاتفاق الثنائي مع بلدانهم و ترحيل الأجانب المقيمين بصورة غير شرعية.
كما سعت اليمن الى مواجهة مشكلة النزوح المستمر من منطقة القرن الأفريقي وبخاصة من الصومال المجاور والذي يعطي غياب الدولة هناك الفرصة لتجمع العناصر الإرهابية والتخطيط لأنشطة ارهابية في المنطقة وهنا لا بد من الاشارة الى انه لابد لدول الخليج من ان تدرك ان انتشار الفقر والبطالة والأمية يعتبر من الأسباب الرئيسية لنمو التطرف والإرهاب، وإهمال الشباب وعدم توفير فرص عمل لهم يجعلهم لقمة سائغة لاصطيادهم وتجنيدهم لصالح التنظيمات المتطرفة والإرهابية وبالتالي يجب على هذه الدول السعي بجميع امكانياتها لتأهيل اليمن اقتصاديا لان ذلك سيكون انعكاساته بشكل او بأخر على نجاح مشروع الامن الخليجي المشترك ، ولعل السعي الجاد الى ضم اليمن فيما بعد للإندماج الامني الكامل مع دول الخليج يمثل خطوة هامة باتجاه تحقيق اهداف الامن الخليجي المشترك وتفعيل اتفاقية الامن الخليجي الا ان هناك خطوات اخرى لا بد من القيام بها ايضا وهي سعي دول الخليج جميعا ومعها اليمن الى حل مشكلة العراق ومساعدة الشعب العراقي في إعادة الإعمار وانهاء التواجد الأجنبي في هذا البلد والحفاظ على العراق وحدة وسيادته واستقلاله وفي ذات السياق من المهم على هذه الدول المساهمة في استقرار الصومال من خلال دعم القيادة الصومالية الجديدة من اجل إعادة الأمن والاستقرار وتأهيل دمج الصومال ليصبح عنصراً فاعلا ًفي المجتمع الدولي وخدمة الاستقرار الإقليمي.
أما بالنسبة للمحور الامني بين صنعاء والرياض والذي عزف عليه الباحث الغربي فيمكن القول ان الجانب الأمني يمثل محورا هاما في العلاقات اليمنية السعودية فبعد أن شهدت العلاقات السعودية اليمنية قفزة كبيرة بعد توقيع "اتفاقية جدة" عام 2000 التي أنهت الخلاف الحدودي بين البلدين الذي استمر قرابة الستين عاما كان للجانب الأمني النصيب الأكبر من هذه التطورات خصوصا بعد احداث سبتمبر وبعد التفجيرات الارهابية التي استهدفت السعودية ويبدو واضحا مدى تأثير العامل الامني في العلاقات بين البلدين من عدد الزيارات المتبادلة ما بين مسئولي وزراء الداخلية في البلدين، وتوقيع البلدين في يوليو 2003 على 7 اتفاقيات، تأتي في مقدمتها الاتفاقية التي تتعلق بالتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب وعلميات التنسيق الامنية اليمنية والسعودية التي لا تنقطع سواء من خلال ملاحقة المجموعات الارهابية او تبادل من تم المطلوبين امنيا للرياض او صنعاء .
وهذا الاهتمام الأمني بين الدولتين يعد بديهيا إذا ما نظرنا إلى طبيعة المنطقة الحدودية الواقعة بين الدولتين كما ان التعاون الامني بين الطرفين له اهميته للحد من عمليات تهريب السلاح حيث أدت تفجيرات الرياض في مايو 2003 إلى نقل السعودية من مجرد قاعدة خلفية في حرب الولايات المتحدة الأمريكية باليمن إلى ساحة حرب على الإرهاب، كما هو حال جارتها، وهذا لن يتم إذا لم يتم تأمين حدودها الجنوبية.
وبيت القصيد الذي يمكن ان نصل اليه هنا هو ان الشراكة الامنية المتنامية بين صنعاء والرياض تفرض المزيد من الجهود السعودية لتاهيل اليمن خليجيا لتعزيز الامن الخليجي فضلا عن السعودي حيث تشن اليمن والسعودية حملة واسعة النطاق على ناشطي تنظيم القاعدة الذين نفذوا سلسلة من الاعتداءات في البلدين وتظهر المؤشرات تعزيز التعاون الأمني بينهما في مجال ملاحقة المتطرفين وتهريب البضائع والأسلحة عبر المناطق الحدودية النائية وبحسب الرئيس اليمني فإن أمن اليمن من أمن السعودية واليمن والسعودية باتا يشكلان كتلة واحدة وفي ذات الرؤية فإن أمن اليمن من أمن الخليج والعكس صحيح. احمد غراب