التجربة التنموية لكوريا الجنوبية تبهر العالم

كتب ـ المحرر الثقافي
ضرورة تنشيط الدراسات الكورية

في إطار التعاون المثمر بين مؤسسة كوريا ومركز الدراسات الآسيوية، عقد مركز الدراسات الآسيوية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة في 25 أكتوبر/تشرين الأول الجاري ندوة تحت عنوان "نحو رؤية جديدة للعلاقات المصرية الكورية".
شارك في الندوة من الجانب الكوري الدكتور كيم إيوسونج أستاذ الاقتصاد بجامعة يونسي، والدكتورة تشو هي سان أستاذ اللغة العربية وآدابها بجامعة ميونجي، وشارك من الجانب المصري السفير نبيل بدر، ومحمد إبراهيم الدسوقي نائب قسم الشئون الخارجية بجريدة الأهرام، وحضرها عدد غفير من طلاب الكلية.
بدأت الندوة بجلسة افتتاحية أكدت فيها الدكتورة هدى ميتكيس مديرة مركز الدرسات الآسيوية على أن التجربة التنموية لكوريا الجنوبية أبهرت العالم، حيث تمكنت من أن تضع كوريا بين مصاف الدول المتقدمة، مشيرة إلى أن التعاون البناء بين مركز الدرسات الآسيوية ومؤسسة كوريا أثمر عن عقد العديد من الندوات والمؤتمرات، فضلاً عن إصدار العديد من الكتب المتعلقة بالدراسات والشئون الكورية.
عقب ذلك تحدثت الدكتورة منى البرادعي عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وقالت إن العلاقات المتميزة بين مصر وكوريا الجنوبية تشهد طفرة كبيرة في كافة المجالات، مؤكدة على أن كوريا الجنوبية تحظى بمكانة متميزة في نفوس الشعب المصري.
كما تحدث في الجلسة الافتتاحية سانج دو آن الوزير المفوض بسفارة كوريا الجنوبية بالقاهرة حول قوة ومتانة العلاقات بين البلدين في كافة المجالات سواء السياسية والاقتصادية والأكاديمية والثقافية. وأكد على أن كوريا تبنت في العقود الأخيرة سياسة الانفتاح، وعززت علاقاتها مع دول منطقة الشرق الأوسط وقارة أفريقيا، مشيراً إلى أن الشعبين الكوري والمصري لديهما تاريخ طويل وحضارة تليدة.
وقال الوزير إن الحكومة الكورية تقدم الدعم إلى مركز الدراسات الآسيوية منذ إنشائه، حيث يتم عقد الكثير من الندوات بمشاركة المتخصصيين والأساتذة الكوريين في كل عام بهدف تعزيز الفهم المشترك بين البلدين في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، مشيراً إلى أن الحكومة الكورية توفر منحاً دراسية في كل عام للطلاب المصريين، معرباً عن أمله في أن يواصل مركز الدراسات الآسيوية دوره البناء في تعزيز الدراسات الكورية في مصر.
ودارت كلمة الدكتور كيم إيو سونج حول "السياسات الصناعية والنمو الاقتصادي في شرق آسيا: دروس من الخبرة التنموية الكورية"، فأكد على أنه على الرغم من أن كوريا الجنوبية دولة ذات موارد طبيعية محدودة فإنها تمكنت خلال فترة وجيزة من تحقيق معجرة اقتصادية.
وأشار كيم إلى أن الركائز التي اعتمدت عليها التجربة التنموية الكورية تمثلت في التعليم الذي أولته كوريا الجنوبية اهتماماً بالغاً من أجل بناء الكوادر البشرية القادرة على تحقيق النهضة الاقتصادية لكوريا، وثانياً كانت القيادة الرشيدة للحكومة الكورية التي وضعت البنية الأساسية للنمو الاقتصادي عقب انقسام كوريا إلى شطرين، وتمثل ذلك في قيامها بتطوير المناخ الجاذب للاستثمار وبناء المصداقية في السياسيات الحكومية، إضافة إلى العديد من الإجراءات التي ساعدت في تحقيق التقدم التكنولوجي والنمو الاقتصادي.
وعن الدروس المستفادة من التجربة التنموية لكوريا الجنوبية، قال كيم إن تبني السياسات الصحيحة وبناء مؤسسات اقتصادية وسياسية قوية ووجود القيادة الفاعلة والإرادة السياسية، فضلاً عن التعليم الجيد، هي أبرز الدروس المستفادة من التجربة الكورية الفريدة.
وعن "التبادل الثقافي بين كوريا والعالم العربي - الإسلامي" ، قالت الدكتورة تشو إن كوريا تتمتع بتاريخ عريق وثقافة عظيمة وعادات وتقاليد أصيلة، وأنها استطاعت أن تحقق تقدما اقتصاديا وسياسيا وثقافيا عقب الاستعمار الياباني الذي دام لمدة 36 عاما وتقسيم البلاد إلى دولتين منذ أكثر 60 عاما.
وأوضحت تشو أن ديناميكية الشعب الكوري كانت من بين العوامل التي أسهمت في تحقيق الطفرة الاقتصادية لكوريا الجنوبية، حيث أن تحقيق النمو الاقتصادي كان هو الشاغل الأكبر لجميع الكوريين، وخير دليل على ذلك ما حدث في أزمة النقد الأجنبي في عام 1997، حيث تبرع جميع الكوريين بما يملكونه من ذهب من أجل تسديد الديون الخارجية.
وقالت تشو إن الاتصال بين الكوريين والمسلمين ولا سيما مسلمو الصين بدأ في عصر شيلا المتحدة 668-935، وقد توسع هذا الاتصال في القرن التاسع، مشيرة إلى أن هناك بعض المراجع العربية أكدت اتصال العرب بالكوريين مثل كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر" للمسعودي، وكذلك كتاب "المسالك والممالك" لابن خرداذبه.
وكانت هناك تبادلات تجارية وثقافية بين العرب المسلمين والكوريين من خلال الزيارات المباشرة للتجار العرب المسلمين، أو عن طريق الصين من خلال ما يعرف بـ "طريق الحرير"، كما لوحظ وجود آثار لسلع تجارية وصناعات إسلامية كان يستخدمها مجتمع مملكة شيلا.
وأوضحت تشو أنه تم إنشاء أول مسجد في سيول في عام 1976، مشيرة إلى أن العلاقات بين كوريا والعالم العربي ـ الإسلامي تقدمت بصورة سريعة بفضل مساهمة الشركات الكورية في إنشاء البنية التحتية لمنطقة الشرق الأوسط على نطاق واسع في مرحلتين من خلال أزمة الطاقة في السبعينيات من القرن الماضي، كما نال العمال الكوريون سمعة طيبة خلال تلك الفترة في دول الشرق الأوسط.
وتمشيا مع التقدم التكنولوجي السريع في كوريا وزيادة أهمية الدول العربية ـ الإسلامية في النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية، فإنه من المتوقع أن تتسع علاقات التعاون بينهما في القرن الحادي والعشرين.
وأشارت تشو إلى أن هناك تشويها لصورة الشعوب العربية والإسلامية، كما أن المساحة المخصصة للتاريخ العربي في المقررات الدراسية بكوريا ضئيلة للغاية، ولكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر جذبت اهتماماً كبيراً من جانب الكوريين للتعرف على الشعوب العربية والإسلامية، حيث تمت ترجمة قصص الأطفال من القصص غير الغربية، وتم تعديل المعلومات الخاطئة عن الإسلام والدول العربية في مقررات المدارس الإعدادية والثانوية، كما أرسلت الصحف الكبري مراسليها إلى الدول العربية والإسلامية لنقل الأحداث التي تجرى فيها للمواطن الكوري بصورة مباشرة، كما شرعت الإذاعات الكورية في بث برامج عن الإسلام والدول العربية، وكذلك تم نشر كتب كثيرة عن الإسلام والعرب.
وأضافت تشو أن هناك ثلاثة مراكز لدراسات شئون الشرق الأوسط: الأول هو المعهد الكوري لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا الذي أنشئ عام 1966، وتصدر عنه مجلة "دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا".
والثاني مركز بحوث شئون الشرق الأوسط الذي أنشيء عام 1976 في جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية، وأخيرا معهد البحوث السياسية والاجتماعية للشرق الأوسط الذي أنشيء عام 2000 في جامعة ميونجي وتصدر عنه مجلة "البحوث السياسية والاجتماعية للشرق الأوسط".
وهناك ثلاث جمعيات الأولى هي: "الجمعية الكورية لدراسات الشرق الأوسط" التي تأسست عام 1979، والثانية هي "الجمعية الكورية للدراسات الإسلامية" التي تأسست عام 1989، وأخيرا جمعية اللغة العربية وآدابها التي تأسست عام 1997.

وأكدت تشو على أن الشعوب العربية والإسلامية تأثرت بثقافة "الـ "هاليو: أو "الموجة الكورية" المتمثلة في المنتجات الثقافية الكورية التي نالت شهرة واسعة في مختلف الدول ومن أبرزها المسلسلات الدرامية الكورية والتي حازت على إعجاب المشاهدين في جميع الدول التي عرضت بها.
وعقب ذلك تحدث السفير نبيل بدر حول أهمية إقامة حوار ثقافي بين مختلف الحضارات من أجل تحقيق الفهم المتبادل بين جميع الشعوب، مشيرا إلى تميز وقوة العلاقات المصرية الكورية في كافة المجالات، وأعرب عن تطلعه إلى تنشيط الدور الأكاديمي والثقافي بين مصر وكوريا.
بعد ذلك تحدث الأستاذ محمد إبراهيم الدسوقي نائب رئيس القسم الخارجي بجريدة الأهرام حول الآفاق الجديدة للعلاقات المصرية الكورية في القرن الحادي والعشرين، حيث رصد رؤيته لكيفية تطوير هذه العلاقات مؤكداً على أهمية الاستفادة من التجربة التنموية الكورية.
وفي نهاية الندوة تم فتح باب الأسئلة التي أبرزت اهتمام الطلاب المصريين بالتعرف على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكوريا الجنوبية.
وأعرب جميع المشاركين في أن يتواصل نشاط المركز من أجل تنشيط الدراسات الكورية في مصر.