'التجارة' و'السياسة'..عربياً!

بقلم: جواد البشيتي

..وكأنَّ شعار القابضين على الحياة الاقتصادية العربية، أو في معظم العالم العربي، هو الآن، ومن الآن وصاعداً، "بالخبز وحده يمكن ويجب أن يحيا الإنسان (العربي)"!

قديماً، أي قبل أن تَظْهَر، في مجتمعاتنا، وتتقوَّى، فئة اجتماعية ـ سياسية، تأسَّست لها مصلحة في إطلاق وحش العولمة في حياتنا الاقتصادية ليفترس أقواتنا، ويمعن فيها افتراسا، كُنَّا نقيس "التقدُّم" بـ"مسطرة" مختلفة، فنقول بتأخُّرنا عندما نقارِن مستوى عيشنا الاقتصادي بمستوى العيش الاقتصادي لغيرنا، أي للبشر في الغرب، ونقول بـ "تقدُّمنا" عندما نقارِن مستوى عيشنا الاقتصادي اليوم بمثله الذي كان في الأمس.
أمَّا الآن فنحن متخلِّفون في المقارنتين، فنحن بالأمس أفضل حالاً من اليوم، وقد كنَّا أقْدَر على تلبية حاجاتنا الأولية والأساسية من مأكل وملبس ومسكن، وكأنَّ من الخواص الجوهرية لتلك الفئة الاجتماعية ـ السياسية الجديدة التي ابتلينا بها أنَّ خير تجارة لديها هي الاتِّجار بفقر وإفقار الغالبية العظمى من المواطنين، فهي لا تعرف من الاستثمار جزيل وسريع الربح إلاَّ ما يعود على الشعب بمزيد من الفقر والإفقار.

ونسمعها تشكو، وكأنَّها الفضيلة بعينها تشكو بَثِّها وحُزْنها إلى الله، فنحن أمعنا في الإساءة إليها إذ فهمناها على أنَّها رذيلة.
إنَّها، في بيان شكواها، بريئة من كل هذا الغلاء الذي نعاني، فما ذنبها إذا ما كان قدرنا أن نظل "المستورد الأكبر" لـ "الغلاء العالمي"؟!

وليس هذا فحسب، فنحن مدعوون إلى التسبيح بحمدها، فهي التي تجهد في إطفاء نار كل غلاء (نستورد) فإذا ازدادت ناره اشتعالاً واتِّقاداً فإنَّ علينا ألاَّ ننسى أنَّ الله لا يُكلِّف نفساً إلاَّ وسعها، وأنَّ الأعمال وعواقبها تُقاس، أي يجب أن تقاس، بالنيَّات فحسب!

كل الخُطط والمشاريع والوعود والتنبؤات والخُطَب..والقصائد الاقتصادية لا تَهُمُّنا، فما نراه، ونلمسه، ونعانيه، هو الأصدق إنباءً؛ وكيف لنا أن نضرب صفحاً عن الحقيقة المرَّة..حقيقة أنَّ الرواتب والأجور تتضخَّم، إذا ما تضخَّمت، حتى الفقر والإملاق؟!

ما نراه، ونلمسه، ونعانيه، إنَّما هو الانهيار المستمر والمتعاظم والمتسارع في القوَّة الشرائية الحقيقية والفعلية للراتب والأجر، وكأنَّ القانون الذي يَحْكُم حياتنا الاقتصادية اليومية، ويتحكَّم فيها، هو "كلَّما زاد الراتب تضاءلت القدرة على تلبية الحاجات الأولية"!

وفي المشهد الآخر المضاد، والذي يتِّحد اتِّحاداً لا انفصام فيه مع المشهد الأول..مشهد الفقر والإفقار والإملاق، نرى "الربح التجاري" يَعْظُم، حجماً ومعدَّلاً، وكأنْ لا حافِز غيره للنمو الاقتصادي، فالمكتوون بنار الغلاء، أي الغالبية العظمى من المواطنين، لديهم خير "حافِز" للعمل والإنتاج وهو "الخشية من الهلاك جوعاً"!

ولو أمعنت النظر في مكوِّنات هذا الربح لاكتشفتَ أنَّ "الفساد" مُكَوِّنٌ من أهم مكوِّناته، فـ "المغشوش" من البضائع والسلع والخدمات يُتَرْجَم بمزيدٍ من "الربح التجاري"؛ فإذا لم يأتِ بما يوافِق توقُّع التاجر، قام "الاحتكار" عنه بالمهمَّة.ومع أنَّ "الاحتكار"، بظواهره وعواقبه كافة، هو الذي يَحْكُم حياتنا الاقتصادية، ويتحكَّم فيها، فما زالوا يسمعوننا القصائد في مدح "السوق الحرَّة"، التي حالها، في الواقع، كحال ظلٍّ فَقَد جسمه.وفي "الاحتكار"، نرى مزيداً من عقود الزواج تُبْرَم بين "القومي" و"الأجنبي" من رأس المال؛ و"الزوج" هو "الأجنبي" في كثير من تلك العقود.

وهذا "التاجر"، الذي غَلَبَ طبعه تطبعه أخيراً، عاد إلى "الوحشية" في الحصول على "الربح"، وزيادته، حجماً ومعدَّلاً، فدُوَلِنا، مع ما تملكه من وسائل القمع والضغط والإكراه، تزداد استخذاءً لمشيئته ومصالحه، وكأنَّها "الفارِس" و"الفَرَس"، "السيف" و"الترس"، له.

أمَّا الوزراء، وأشباههم من أصحاب "الوظائف العامَّة"، فما عاد ممكناً أن تُميِّز فيهم "العام" من "الشخصي"، و"السياسي" من "التجاري"، فرياح "البَزْنَسَة" عصفت بـ "الوظيفة العامَّة"، وأصبح "البِزْنِس" هو قلبها وقالبها!

وعليه، بات لدينا من "الساسة الجُدُد" مَنْ يَنْدُر مثيلهم لجهة ضيق الأفق السياسي، واتِّساع الأفق التجاري، وكأنَّ "الوظائف العامَّة" هي الطريق الأقصر، والباب الأوسع، لعالم التجارة و"البِزْنِس"!

لقد "تَسَيَّست" التجارة، أي اندمجت (مع أصحابها، وأربابها، وشركاتها، ومصالحها) أكثر في "الدولة"، فَفَسدت، حتى في شريعة "السوق الحرَّة"، و"تَبْزْنَسَت" السياسة، أي اندمجت "الوظائف العامَّة"، مع أصحابها، أكثر في "التجارة"، و"البِزْنِس"، فَفَسدت مع سائر أوجه "العمل العام"، حتى في معاييرها الليبرالية، فَبِئس حال أمَّةٍ، تُجَّارها ساسة، وساستها تُجَّار! جواد البشيتي