التجارة في المناخ ممكنة ايضا!

نيودلهي - من عواطف الحساوي واحمد فرج‏
اغنياء العالم يريدون بيع عوادم المصانع لفقرائه

يتوقع ان يشهد العالم خلال السنوات القليلة ‏المقبلة نوعا جديدا من التجارة التي ينتظر ان تجد لها سوقا رائجة، وهي تجارة الغازات الدفيئة التي يطلق عليها‏ ‏الصناعيون اختصارا اسم "تجارة الكربون".
ويعتقد المؤيدون لها ان تمثل الحل الافضل ‏لعلاج مشكلة تغير المناخ العالمي. والواقع ان فكرة هذه التجارة تعتبر من الافكار التي احتلت ولا تزال مساحة ‏واسعة من المناقشات والمباحثات الحادة فيما بين الدول الصناعية بعضها البعض ‏وبينها وبين الدول النامية لا سيما في المؤتمرات واللقاءات ذات العلاقة بتغير ‏‏المناخ العالمي والتي كان اخرها المؤتمر الثامن لاطراف اتفاقية الامم المتحدة ‏لتغير المناخ الذي عقد في نيودلهي مؤخرا.
كما انها من الافكار التي تشهد شدا وجذبا بين المؤيدين لها والمعارضين في ‏جوانب عديدة اهمها على الاطلاق الجانب الاخلاقي الذي يطرح تساؤلات حول مدى شرعية ‏هذه التجارة التي ترتبط بالهواء الذي هو ملك الجميع وليس ملك شخص او شركة او ‏دولة.
وتطرح الفكرة نفسها من قبل الدول الصناعية على اعتبار انها من الافكار التي‏ ‏يمكن ان تساهم وبفاعلية في معالجة ظاهرة تغير المناخ العالمي التي يقال ان سببها‏ ‏هو تزايد انبعاث غازات الدفيئة خاصة ثاني اكسيد الكربون. فحسب العديد من الدراسات العلمية فان القرن العشرين شهد زيادة في متوسط درجة ‏حرارة العالم بما يتراوح ما بين 2 و6 في المائة اضافة الى ارتفاع مستويات البحار ‏ ‏بين 15 الى 20 سم وارتفاع الامطار بنسبة واحد في المائة في المتوسط الى جانب ‏زيادة تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي بنسبة 30 في المائة.‏
واكدت هذه الدراسات التي يقف وراءها دوما علماء البيئة والمناخ ‏وحماتهما من المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية انه بات في حكم المؤكد ان ‏الجزء الاكبر من التغيرات التي لوحظت خلال العقود الاخيرة في المناخ العالمي انما ‏ ‏ترجع في اغلبها الى الانشطة الانسانية وما يترتب عليها من انبعاثات لغازات ‏ ‏الدفيئة التي تحبس في الغلاف الجوي.
واضافت انه اذا لم تتحرك الدول والجهات المعنية دوليا لتقليل هذه الانبعاثات‏ ‏فان درجة حرارة العالم يمكن ان تزيد ما بين 1.4 و 5.8 درجة مئوية بعد مائة عام ‏ ‏فقط بينما سيرتفع معدل مياه البحار ما بين 9 و88 سم وهو ما يهدد بالمزيد من ‏الكوارث الطبيعية من الفيضانات والاعاصير والانهيارات الجليدية وغيرها من‏ ‏الكوارث. وحسب احدث تقارير البنك الدولي فان حجم خسائر الاقتصاد العالمي من جراء ‏الكوارث الطبيعية في الاشهر التسعة الاولى من العام الحالي بلغت حوالي 56 مليار ‏دولار.
وعودة الى سوق او تجارة الكربون فانه يمكن القول انها سوق كاي سوق اخرى في ‏العالم حيث البائع وهو غالبا من الدول او الجهات ذات الانبعاثات المنخفضة من غاز ‏ ‏ثاني اكسيد الكربون والمشترى وهو صاحب الانبعاثات المتزايدة بينما السلعة هي ‏ ‏ثاني اكسيد الكربون الذي يمثل نحو خمسين في المائة من غازات الدفيئة والسعر حسب ‏العرض والطلب.
والواقع ان ثمة سيناريوهين لفكرة تجارة الكربون الاول قائم فعليا منذ عام 1996 ‏ويعتمد على تخصيص معدل لانبعاثات كل شركة او مصنع يجب ان لا يتم تجاوزه وذلك ‏للحفاظ على معدلات انبعاث كل مدينة او ولاية او دولة.
وفي حال عدم وصول أي جهة الى المعدل المسموح به اما نتيجة تخفيض انشطتها ‏الصناعية او استخدامها تقنيات تقلل الانبعاثات فانه يصبح من حقها التصرف في ‏الفارق بين المسموح به وبين المنتج فعليا وذلك من خلال مقايضته ماديا مع جهة اخرى ‏تزيد معدلات انبعاثاتها عن المسموح به‏.
‏وحسب الظاهر من الالية فانها ستسفر عن استثمارات من جانب الدول‏ ‏الصناعية في المشروعات التي تساعد على التنمية المستدامة وعلى حبس الكربون في‏ ‏الدول النامية ومن ثم يصبح هناك امكانية في التحكم في الناتج الاجمالي العالمي ‏ ‏للانبعاثات بحيث يكون غير ضارا بالبيئة والمناخ العالمي.
وتعتبر الغابات والزراعة اهم مصادر حبس الكربون حيث يقدر العلماء ان 80 في ‏ المائة من مخزونات الكربون العالمي موجودة في التربة والغابات وان ازالة الكثير ‏من هذه الغابات في العقود الماضية والتغيير السلبي في الانماط الزراعية ساهم الى‏ ‏اطلاق الكثير من الكربون الى الجو ومن ثم حبسه في الغلاف الجوي وهو ما ادى الى‏ ‏جانب الانشطة الصناعية واستخدام المركبات بكثرة الى ظاهرة تغير المناخ.
وعموما فان تجارة الكربون لاسيما السيناريو الثاني المقترح يواجه اعتراضات عدة، ابرزها ان المسالة ليست بالسهولة التي يتصورها البعض بل هي اعقد من ذلك بكثير الى ‏جانب الاختلاف حول الطريقة التي سيتم بها حساب حجم الانبعاثات وشكل المقايضة الذي ‏يمكن ان يتم به الامر. اضافة الى اعتراضات تتعلق بصعوبة رصد انشطة حبس الكربون كما ان حبسه في ‏ ‏الغابات او الزراعة غير مؤكد النتيجة في النهاية بسبب تزايد الانشطة الاخرى التي ‏ ‏تساهم في زيادة انبعاث غازات الدفيئة.
وعموما فانه وضح من خلال مؤتمر نيودلهي ان سوقا دولية لتجارة الكربون او "‏المناخ" اصبحت قاب قوسين او ادنى من الظهور وهي بطبيعة ستختلف كليا عن سوق‏ ‏المناخ التي عرفها الكويتيون في الثمانينيات. ويبقى السؤال عن الخطوة التالية: هل يشهد العالم ظهور بورصة لتجارة الكربون ‏حالها حال بورصات السلع الاولية او بورصة الذهب وغيرها؟ والاجابة ستتضح في السنوات القليلة القادمة. (كونا)