التباس الشعر بالغناء عند أهل السنة

موقف القرآن يتبلور في اتجاهين متضادين

الشعر ملتبس بالغناء، باعتبار أن الغناء في الأساس شعر، وتم غناؤه بعد امتزاجه أو إلباسه ثوباً موسيقياً، كما أن الغناء يمكن أن يعد تطوراً لإنشاد الشعر، والإنشاد كان الوسيلة الأهم في نشر القصيدة وإعلانها للناس، والشعر نفسه تطور للحداء والرجز، وهو الشكل الغنائي الأول الذي ظهر عبره الشعر، حيث تم تطويره ليصبح شعراً متكاملاً، وهكذا التبست نشأة الشعر بالغناء، كما ظل الإنشاد سمة أساسية فيه، ولا يظهر تأثيره في متلقيه أكثر إلا عند إنشاده.

وفي هذا السياق، يقدم لنا د. محمد علي سلامة مسيرة الشعر والغناء ابتداء من عند أهل السنة حتى القرن السادس الهجري، قائلاً: ترد مادة "شعر" في القرآن الكريم في ستة مواضع في ست سور متفرقة، خمس منها مكية، وهي حسب ترتيب نزولها: يس، والصافات، والأنبياء، والطور، والحاقة، والآية السادسة نزلت في سورة الشعراء وهي مدنية.

وبعد ما ذكر هذه السور، يخلص المؤلف إلى أن موقف القرآن يتبلور في اتجاهين متضادين، أولهما أن هذا الشعر كذب وكالسحر والكهانة، وما ينبغي للرسول أن يتعلمه ولا يقوله، ولا بد للشعراء بعد ذلك الكلام أن يهجروا هذا الكلام، ويروى عن لبيد – رغم الشك في هذا القول – قوله: ما كنت لأقول الشعر بعد إذ علمني الله سورة البقرة وآل عمران، فهذا الشعر لا يقوم على الحق، والشعراء يهيمون في كل واد لا يأخذون من الأمور أعدلها وأوضحها بل يهيمون في كل واد.

وثانيهما: أن هذا الشعر قد اتخذ مسلكاً صحيحاً فلا بأس به، لأنه لون من الكلام الذي يحتمل الخبيث والطيب، فإذا تضمن مضامين إسلامية أخلاقية أو دافع عن الدين فلا بأس به، ويمكن قبوله عضواً فاعلاً في المجتمع المثالي المرجو تكوينه (الجمهورية بمصطلح أفلاطون)، والمجتمع الإسلامي في حالة القرآن والنبي.

أما موقف أهل السنة من الشعر، فيقول: كان الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون أكثر الناس التزاماً بتعاليم الرسول، وقد وقفوا من الشعر موقفاً يشبه إلى حد كبير موقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي رأينا أنه كان متفقاً إلى حد كبير مع موقف القرآن، وهو قياس الشعر بمقدار ما يحمله من مضمون أخلاقي وأمثالي، وإن كان قد روي في أكثر من موضع أن منهم من كان شاعراً، إلا أنه كان ملتزماً بالحدود التي شرعها الله وتعلمها من الرسول (صلى الله عليه وسلم).

وبعد ما سبق ذكره عن موقف أهل السنة من الشعر، خلص الموقف إلى أننا نلاحظ تبايناً في الموقف السني من الشعر، فبعد أن كان الشعر محبباً عند الرعيل الأول المتمثل في الصحابة والتابعين نجد أن الموقف يزداد ضيقاً عند أهل السنة المتأخرين، وهو أمر طبيعي، فالأولون تشربوا نهج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والذي لم يرفض من الشعر إلا ما كان هجاء في الدين.

أما المتأخرون من أهل السنة فقد ضيقوا على أنفسهم وعلى الناس لدرجة أن مواقفهم كانت تتعارض في أغلب الأحيان مع موقف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه الكبار، وأحياناً كانوا يقعون في تناقض شديد في الأحكام وبين القول والفعل.

وفي القسم الثاني من الكتاب ينقلنا الكاتب إلى "علاقة الشعر بالغناء"، فيذكر: يرتبط الغناء ارتباطاً وثيقاً بالشعر، فالغناء مركب من الألحان، واللحن مركب من النغمات، والنغمات مركبة من الفقرات والإيقاعات، وأصلها حركات وسكنات، كما أن الأشعار مركبة من المصاريع، والمصاريع مركبة من المفاعيل، والمفاعيل مركبة من الأسباب والأوتاد والفواصل، وأصلها كلها حروف متحركات وسواكن، وهذا هو الأساس الأول للموسيقى والشعر، وكلاهما يرجع إلى الحركات والسكنات.

ومن أوجه الارتباط بين الشعر والموسيقى (الغناء) تأثيرهما على المتلقي، فكلاهما وإن كان يؤثر في المتلقي على حدة، إلا أنهما باجتماعهما يحدثان أثراً أكبر، وخاصة "إذا ركبت الألحان المناسبة للأشعار المناسبة، فإن يكمل ذلك فهو يكون تكميل حركة النفس في النوع الذي قد يكون تحريكها فيه".

ويذكر الكاتب: كما كان للقرآن موقف من الشعر، فإن أهل السنة يفسرون بعض آياته على أنها تعني الغناء، مع أن الغناء لم يذكر فيها صراحة، وقد ساعدهم على ذلك وجود أحاديث نبوية يفهم من بعض نصوصها تحريماً للغناء.

استدل أهل السنة المحرمون للغناء على موقفهم بآيات من القرآن الكريم وردت آثاراً عن الصحابة في تفسيرها أنها تقصد القرآن. أما الآيات التي أولوها على أنها تقصد الغناء فهي قوله تعالى: "واستفزز من استطعت منهم بصوتك" قال مجاهد: إنه الغناء.

وانطلاقاً من رؤية محددة ارتآها أهل السنة، مؤداها أن الغناء حرام، فذهبوا أيضاً يبحثون في أحاديث الرسول عن تلك الأحاديث التي تذم الغناء، فمثلاً الحديث المروي عن أبي هريرة "أن رسول الله (ص) لعن النائحة والمستمعة والمغنى له" ولم يثبت ذكر هذا الحديث في الصحاح الستة ولا المسانيد.

وحديث آخر يتضمن نهياً عن بيع المغنيات أو شرائهن، فقد روى أبو إمامة عن رسول الله (ص) أنه قال: "لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا الجلوس إليهن" هذا هو القدر المتفق عليه عند من رووا هذا الحديث واختلفوا في بقيته، فالترمذي يذكر تكملة له: "… ولا خير في التجارة فيهن وثمنهن حرام" في مثل هذا أنزلت الآية: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله".

وفي هذا الجزء من الكتاب، يعرض الكاتب آراء أربعة من كبار الفقهاء الذين دافعوا عن الغناء دفاعاً قوياً حتى اتهم أهل السنة بعضهم بإحداث البدع في الدين، والخروج عن روحه ونصه.

أول هؤلاء الفقهاء الأربعة هو ابن حزم، الفقيه الأندلسي السني الظاهري الذي كان يعول في أحكامه على النص سواء كان قرآنياً، أو حديثاً شريفاً.

ويبني ابن حزم إباحته للغناء لا على أساس الغناء نفسه، وإنما يكون على قدر استعداد المستمع للتأثر به، والمحك في ذلك نيته لقوله (ص): "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى"، فمن نوى باستماع الغناء على معصية الله تعالى فهو فاسق، وكذلك كل شيء غير الغناء.

وإذا كانت نية الإنسان طيبة ونوى بالغناء ترويح نفسه، ليقوى بذلك على طاعة الله – عز وجل – وينشط نفسه، بذلك على البر فهو مطيع محسن.

أما رأي الغزالي (حجة الإسلام)، أن الغناء وسيلة فاعلة في تغيير سلوك الإنسان المسلم إلى الأفضل في اتجاه علاقته بربه بيزداد معرفته به، ولكن يشترط هنا قيام المتلقي بدور إيجابي، وعلى قدر الطبيعة التي هو مجبول عليه.

ويضيف الكاتب: ونجد موقفاً مشابهاً لهذا عند فقيه آخر، دافع عن السماع دفاعاً قوياً جعل المتشددين من أهل السنة يتهمونه بالفساد، وهو أبو الفضل محمد بن طاهر المقدس (ابن القيسراني) وهو سني ظاهري على نفس مذهب ابن حزم، وقد ألف كتاباً في السماع رداً على سؤال وجه إليه عن حكم السماع من ناحية الخطر والإباحة فأفتى بالإباحة.

وأخيراً يذكر الكاتب رابع هؤلاء الفقهاء، فيقول: نستطيع أن نجد نفس الخط عند رابع هؤلاء الفقهاء، وهو عز الدين بن عبد السلام الفقيه الشافعي، ويكاد موقفه أن يكون امتداداً لموقف الغزالي، فالسماع عنه "إنما هو عبارة عن الأصوات الحسنة والنغمات المطربة يصدر عنها كلام موزون مفهوم"، أي أن الغناء هنا يتركب من جزئين: نغمة وشعر، ولا بقائل بتحريم الصوت الطيب (الغناء)، وكذلك الشعر الموزون والمفهوم مباح.

يذكر أن كتاب "الشعر والغناء عند أهل السنة حتى القرن السادس الهجري" للدكتور محمد علي سلامة صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. ويقع في 251 صفحة من القطع الكبير .(خدمة وكالة الصحافة العربية)